مقالات رأي

7 اعتبارات تحكم اختيار المرشح بالعالم القروي ومناطق الهامش – رشيد وجري

في العالم القروي والمناطق الريفية المهمشة على الخصوص حيث انتشار الفقر والأمية والجهل والتخلف، تتوارى المعايير الموضوعية لاختيار المرشحين وممثلي الساكنة بالمركز جانبا (كالبرامج الانتخابية والكفاءة والإيديولوجيات الفكرية وغيرها) .

فهؤلاء المرشحون هم من سيمثلونها لخمس سنوات في الحالة العادية داخل قبة البرلمان يستقبلون مشاكلها وهمومها وحاجياتها وتحدياتها، ويرفعونها بأمانة لأصحاب القرار والميزانية ويحاولون إيجاد الحلول المناسبة وتحقيق مكتسبات حقيقية لها.

لكن هيهات ثم هيهات، فظروف وبيئة المناطق القروية المهمشة يفرض معايير وعوامل أخرى بعيدة كل البعد عن الموضوعية لتحل محلها معايير ترتبط بطبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتقليدية هناك.

وإليكم أبرز هذه المعايير والعوامل التي تتحكم في اختيار المرشح في هذه البيئات القروية الهامشية في وطننا الغالي والتي خلصنا إليها عن تجربة عملية عمرها أكثر من عقدين من الزمن في مختلف مشاركتنا ميدانيا وفعليا:

1 – العنصرية والعصبيات القبلية والعائلية:

التعصب المذموم: للعرق والقبيلة واللهجة والقومية وهلم جرا… فيعتقد الفرد أو الجماعة هنا على أن عرقهم أو قوميتهم أسمى وأرقى من بقية الشعوب والجماعات وهذا يؤثر سلبا على اختيار المرشح لأنه يلغي كفاءته وأخلاقه أمام هذه العصبيات المقيتة والقاتلة.

الولاء العائلي: ويكون التصويت في هذا الوضع وفي كثير من الأحيان جماعياً ومبنياً على صلة القرابة والدم. إذ يلتزم أفراد القبيلة أو العائلة الكبيرة بالتصويت لمرشح ينتمي إليهم، بغض النظر عن كفاءته أو برنامجه أو حتى أخلاقه وقد يكون هذا المرشح “سكير عربيد وجاهل”، وعدو لله والدين والوطن ولا يعيرون اعتبار لكل هذه “الأعطاب الكبرى” بدعوى أنه من قبيلتنا أو من عرقنا أو من قومنا ويتحدث لغتنا.

الاتفاقات بين كبار العائلات: غالبا ما يتحكم شيوخ القبائل أو وجهاء القرى والأعيان في توجيه أصوات أهل القرية بناءً على تحالفات أو مصالح مشتركة مع المرشح كأن يتعهد لهم بحل مشكلة أو بناء جسر أو تعبيد طريق أو السماح لهم بإنجاز مشروع أو “التجاوز لهم عن دعوة قضائية تخصهم” وهلم جرا

.2 – تقديم الخدمات المباشرة والمنافع الآنية والمشاريع الفورية:

الخدمات الضرورية والأساسية: وهي المنافع و الأنشطة التي يقدّمها (المرشحون)  لتلبية احتياجات ورغبات الأفراد أو الجماعة مقابل أصوات الناخبين، ولا شك أن هذا عمل غير صالح مقصده فاسد كان يفترض أن يكون منجزا قبل “فترة الترشح” و”الانتخابات” أو قبيلها بقليل على الأقل، إلا أن خبث المرشح واستغلاله لوظيفته ونفوذه تجعله يرجئها حتى موسم الانتخابات وشراء “الذمم” ليبتز بها الساكنة ولو بطريقة غير مباشرة، مثل: منح الناخبين شعورا بالأمان والاستقرار النفسي تجاه مستقبل أبنائهم ووطنهم، ومحاربة شتى أشكال استغلال النفوذ أو الكسب غير المشروع في مؤسسات الدولة..

المساعدات العينية والمادية: بعض المرشحين يلجؤون إلى استغلال فقر الساكنة وحاجاتهم الاقتصادية عبر تقديم مساعدات مالية أو عينية مباشرة (مثل توزيع المواد الغذائية تحت حجة ومظلة البر والإحسان أو المساهمة في تكاليف العلاج وتمويل المناسبات) وكل ذلك لكسب الأصوات، وهو ما يُعرف بـ “شراء الذمم” أو “شراء الأصوات”.

وهذا ممقوت شرعا وممنوع قانونا، لكنهم يتخفون تحت الكثير من هذه العناوين والشعارات الكاذبة والبراقة ونسوا “أنه عند الله سبحانه تجتمع الخصوم ” كما نسوا أو تناسوا بأن “الأعمال بمقاصدها” وما قصة مهاجر أم قيس عنا ببعيد؟

3 – النفوذ والوجاهة الاجتماعية (أصحاب السلطة والمال):

الخوف من أصحاب السلطة (القايد والشيخ والمقدم …) والولاء لأصحاب النفوذ والمال:

مما لاشك أن لرجال السلطة هيبة وفزعا في أحيان كثيرة لدى جزء مهم من الساكنة القروية خاصة عند العوام منهم لذلك تجد كلمتهم مسموعة ومطاعة وحاجتهم ملباة ولو كانت في “غير محلها” وعلى حساب المصلحة العامة، وإن كان من رجال السلطة النزهاء والشرفاء فمهم الخبثاء ببعض القرى ممن يدعمون أهل النفوذ والمال فيها فتجدهم يدعون الساكنة بلغة الترغيب الترهيب لدعم فلان أو علان بالتصريح أو بالتلميح.

يميل عدد كبير من الناخبين في المناطق النائية إلى اختيار الشخصية الأكثر نفوذا أو ثراء في المنطقة (مثل كبار الملاك أو أصحاب الأعمال والأوراش المحليين) خوفاً من خسارة فرص العمل أو رغبة في الاحتماء بنفوذهم لقضاء مصالحهم اليومية أو لمواجهة المنافسين ..

4 – تفشي الجهل والأمية وغياب الفكر النقدي:

في البيئات التي تعشش فيها الأمية والجهل، وتنتعش الخروقات والمخاوف، ويقل التفكير النقدي المستقل في الاختيار السياسي، وينتشر تقليد رأي الأغلبية أو اتباع توجيهات كبير البلدة ورب الأسرة أو الشخصيات المؤثرة في القرية بشكل أعمى، في هذه البيئات غير السليمة حيث تتبنى الجماعة “سلوك القطيع” يميل الأفراد والمجموعة عموما إلى التصويت دون وعي مسبق ودون إعمال الفكر النقدي مما يجعلهم لا يحسنون الاختيار فيفوز “المرشح غير المستحق” بفضل الجهل والأمية وغياب الوعي والفكر النقدي …

5 – التقليد الأعمى والتبعية الخرقاء:

 في غياب الوعي السياسي والثقافة السياسية والقدرة على فهم واستيعاب وتحليل البرامج والأولويات، يسهل التأثير في الناخبين وسلبهم من خلال الخطابات الحماسية والرنانة التي تلعب على أوتار العواطف أو العصبيات، أو الهوية، أو الدين، واستخدام شعارات بسيطة تلامس وجدانهم ومخاوفهم وربما تدغدغ نقط ضعفهم واحتياجاتهم.

6 – “الكلمة” و”العار” وأخذ العهد :

“الكلمة” في الدارجة المغربية، تعني الالتزام التام بالوعد، والصدق، والأمانة، والرجولة في التعامل. فلا يقصد بالكلمة هنا اللفظ، بل تعني الميثاق الشفهي الذي يقطعه كبير القبيلة وأتباعه على أنفسهم لأجل التصويت على “مرشح ما”.

يُعتبر العهد اللفظي في الثقافة الشعبية أقوى من أي عقد مكتوب. ويُقال عن الشخص الموثوق والمحترم “راجل د الكلمة” أو “مول الكلمة”، أي أنه إذا وعد وفى، ولا يتراجع عن وعده مهما كانت الظروف. في المقابل، الشخص الذي يخلف وعوده يُقال عنه “ما عندوش الكلمة”.

أما “العار” : في اللسان المغربي الدارج، لا يعني “العار” العيب أو الخزي فقط، بل هو مفهوم ثقافي وعُرفي يُقصد به “الاستجارة، وطلب الحماية، أو التوسل”، لذلك في الثقافة والانتخابات المغربية، يُعتبر “العار” (أو “دَخْلَة العار”) آلية تقليدية قديمة تعتمد على الابتزاز الأخلاقي والاجتماعي، حيث يستغل المرشحون مخزون القيم الشعبية والقبلية لإجبار الناخبين على التصويت لهم إما حياءً أو خوفاً من الوصمة الاجتماعية فتجد المرشح يعمد إلى زيارة أعيان القبائل أو كبار العائلات والقوم ويخاطبهم بمنطق: “أنا في عاركم” أو غيرها من العبارات الشبيهة  فيتحول التصويت من اختيار سياسي إلى التزام أخلاقي؛ فعدم دعم ابن القبيلة أو”ابن العرق” يُفسر في العرف التقليدي عند البعض على أنه “غدر” أو “قلة مروءة” تُلحق العار بالمجموعة كلها أمام القبائل الأخرى. مما يجعلهم ينكبون على التصويت لصالحه دون تخلف، بل قد يحذرون ويرهبون كل من تخلف عن التصويت لصالح “المرشح المعنى” وإن كان دون الكفاءة والتطلعات والمصداقية ..

7 – البراغماتية والمصلحة الشخصية المباشرة :

تؤثر البراغماتية والمصلحة الشخصية المباشرة بشكل جذري على العملية الانتخابية، حيث تُحول صوت الناخب من “موقف سياسي مبدئي” إلى “أداة مقايضة ونفعية”. في هذا النموذج، يتجاوز الناخبون والسياسيون الشعارات الأيديولوجية والبرامج الحزبية الكبرى، ويركزون بدلاً من ذلك على تحقيق مكاسب ملموسة وفورية..

فالمرشح يقدم وعودا بوظائف، تسهيل رخص، تشغيل أحد أفراد العائلة، أو خدمات شخصية أخرى مباشرة للموالين له. أما الناخب فيمنح صوته لمن يضمن له قضاء مصلحته الفردية أو العائلية الفورية، بغض النظر عن كفاءة المرشح أو نظافة يده أو برنامجه الانتخابي ومن أثار هذه العامل المؤثر والسلوك البرغماتي النرجسي في العملية الانتخابية:

  • تنامي ظاهرة الزبونية السياسية
  • شراء “الذمم” وشيوع ظاهرة المال السياسي
  • تكريس ظاهرة “الترحال السياسي للأعيان”
  • إضعاف آلية المحاسبة

 قد تكون العوامل والمعايير الموضوعية الحقة عند بعض الأفراد والجماعات حاضرة في اختيار المرشح بهذه المناطق لكن نسبتهم تبقى قليلة ونصيب تأثيرهم ضعيف عموما، لكن يبقى الرهان الحقيقي في تأطير الشباب وجيل الغد المأمول ليكون مسؤولا ويملك القدرة والمهارة والكفاءة وكل ما يمكنه من اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب بعيدا عن كل عصبية مقيتة أو عاطفة مميتة أو قومية منفلتة…

بلى إن هذه العوامل والمعايير السالفة الذكر تنتعش وتنتشر في البيئات القروية والمناطق المهمشة من بلدنا الغالية لذا فمن واجبنا مواجهتها بتحويل الصوت من “واجب اجتماع أو سلعة مادية ” إلى “أمانة ” و”مسؤولية سياسية وقانونية”، فعندما يدرك المواطن أن الخدمات العامة الجيدة (تعليم صحة شغل وبنية تحتية وتنمية) هي نتاج تصويت واعي سيطرد تدريجيا وعن وعي وقناعة كل أشكال المقايضات العاطفية أو المادية الضيقة بتصويت واع وبناء.

 

أخبار / مقالات ذات صلة