مؤتمر دولي بالرباط يدعو إلى توسيع الاستمداد من نصوص السيرة النبوية تعزيزا للسلام وتشجيعا للحوار الحضاري

 أكد المؤتمر الدولي حول القيم الحضارية في السيرة النبوية، الذي نظمته منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو”، أمس الخميس بالرباط، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس على الحاجة، في السياق العالمي الحالي، إلى تجديد النظر في متن السيرة النبوية وتوسيع الاستمداد من نصوصها تعزيزا للسلام وتشجيعا للحوار الحضاري.

وأبرز الاعلان الختامي للمؤتمر الذي نُظم بشراكة مع رابطة العالم الإسلامي والرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية، تحت شعار “نحو رؤية مستقبلية للسيرة النبوية” أنه لكي يتم الاستمداد الأمثل، لا بد من تمثل الواقع تمثلا صحيحا، والقيام بمجموعة من المراجعات الضرورية لفهوم وتأويلات متجاوزة، وذلك بتجديد النظر في النصوص وفق واقع المرحلة، مشيرا إلى أن التخبط في فهم الفروع ناتج عن التخبط في فهم الأصول حيث يواجه العالم الاسلامي وضعا فكريا يصرفه عن النهوض بحقيقة دينه الخاتم، يتحكم فيه عاملان متعارضان.

وأوضح أن العامل الاول يتمثل في حداثة مقلدة تسقط أوضاعا وافدة أو مستجلبة على واقع الشعوب المسلمة دون مراعاة الخصوصيات، وتمارس نوعا من الإكراه الفكري من أجل التسليم لها بما تراه شرطا في نهضة العالم الإسلامي، فيما يتجلى العامل الثاني في تدين جامد يتجاهل الواقع ويعيش في انغلاق تام عنه، دون مراعاة المشتركات الإنسانية، يحكم أصحابه بالجزئي على الكلي، ويتعاملون مع النصوص بلا أصول.

واعتبر  الإعلان أن القيم الحضارية في السيرة النبوية “هي من أبرز ما نحتاجه اليوم في حياتنا المعاصرة لأنها المشترك الإنساني الذي ينبغي تبليغه للعالمين” مشيؤا الى أن القيم الحضارية الواردة في الرسالة المحمدية قرآنا وسنة والمجسدة في مثلها الأعلى في السيرة النبوية العطرة تنتظم في مجموعة من الأصول، وهي دین قويم حرر الإنسان من أسر العبودية لغير الله وارشده إلى الصلاح في الدارين وحقق له السعادتين، وعلم صحيح يدفعه إلى اكتشاف القوانين والسنن الكونية التي تنظم العالم وترشدة إلى المنهج العلمي الواضح الذي يحقق الأهداف، والغايات ويختصر الأوقات، إضافة إلى عدل شامل ومساواة حقيقية بين مختلف أجناس الناس وطبقاهم.

كما تنتظم هذه الأصول في مقاصد محددة وغايات مبينة تنتشل الإنسان من الشك والحيرة وتفيئ به إلى واحة اليقين لتجيبه عن أسئلة المبدإ والمعاد وسر الوجود، والموت والحياة، والفرق بين الخير والشر، وحقيقة الحساب والجزاء وترشده إلى تحمل المسؤولية والعمل الصالح على نور من رب العالمين، فضلا عن اجتماع بشري وتعاون على الخير بين مختلف الناس.

ولفت الاعلان إلى أنه ينبغي التأكيد على القيم والأصول الحضارية التي يدركها العقلاء بفطرهم السليمة، مهما تباينت أديانهم وأعراقهم وخلفياتهم الثقافية تحاشيا لكل القراءات الخارجية للسيرة النبوية سواء كان ذلك في اتجاه اختزالها في الجوانب المتعلقة بالمغازي والجهاد القتالي كما تتعسف في قراءات التنظيمات الحركية للسيرة، “غافلين عن كون الجهاد القتالي إنما شرع لدرء الحرابة لا لإرغام الناس على الدخول في دين الإسلام، أو اعتماد مرويات ضعيفة المتن والسند لبناء نص ملفق وفق خلفيات منقطعة عن المجال التداولي الثقافي واللغوي الاسلامي العربي”.

وقد أوصى المشاركون في مخرجات هذا المؤتمر الدولي بإنشاء أكاديمية “رحمة للعالمين” وهي مؤسسة علمية متعددة التخصصات الدينية والانسانية، وانشاء مؤسسة عالمية للترجمة تحمل اسم “الاسوة الحسنة مختصة بالسيرة النبوية الشريفة تسهر على ترجمة أمهات كتب السيرة النبوية ومختلف المصادر التي تناولت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما حث المشاركون على العناية بالمنظومة القيمية والأخلاقية للسيرة النبوية الشريفة، وانشاء مجموعة قنوات “المصطفى” فضائية ورقمية، والتشبيك والتواصل مع الجامعات في مختلف البلدان الاسلامية، واطلاق برنامج السفراء الشباب، وتصميم خريطة للمسارات النبوية،  فضلا عن انشاء مرصد خاص بالسيرة النبوية، واصدار معاجم ما ألف في السيرة النبوية باللغات العالمية.

ودعا المشاركون في هذا السياق، الأمم المتحدة إلى الاحتفاء “باليوم العالمي للرحمة في 21 أبريل من كل عام، واصدار دليل ارشادي لمعلمي التربية الاسلامية الذين يدرسون السيرة النبوية، وتأليف كتاب مدرسي نموذجي يمكن الرجوع إليه في تطوير االمناهج المدرسية في الدول الاسلامية، وكذا اصدار الكتاب السنوي للسيرة النبوية يضم الأبحاث المقدمة في المؤتمر.

ويهدف هذا المؤتمر، الذي ينعقد أيضا عبر تقنية الاتصال المرئي، إلى إعداد استراتيجية تواصلية للتعاطي مع الأبعاد الوظيفية للسيرة النبوية، وحصر الإشكالات الذاتية والموضوعية في التعامل معها، وتجميع وترتيب الجهود العلمية في مجال البحث في السيرة النبوية، وبناء رؤية متجددة بآفاق مستقبلية لها.

كما يتوخى تمكين المنظمات والهيئات العاملة في مجالات التربية والثقافة والعلوم والاتصال من آليات وأدوات عمل منهجية في بناء مخططات عمل وخبرات في مجال التعريف بالسيرة النبوية.

وعرف هذا المؤتمر الهام مشاركة شخصيات دولية مرموقة ومفكرين وعلماء من داخل العالم الإسلامي وخارجه، كما تميز بعقد جلسة شرفية تضمنت كلمة المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة، سالم بن محمد المالك، وكلمات لضيوف الشرف، رئيس الوزراء بجمهورية باكستان الإسلامية، عمران خان، وصاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، رئيس منتدى الفكر العربي بالمملكة الأردنية الهاشمية، وصاحب السمو الملكي الأمير شارلز، أمير ويلز بالمملكة المتحدة، ورئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية، محمد بخاري، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد بن عبد الكريم العيسى، والأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، أحمد عبادي، والممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، ميغيل آنخيل موراتينوس.

وتضمن برنامج المؤتمر أربع جلسات عمل، تناولت الجلسة الأولى موضوع “السيرة النبوية والجهود العلمية”، فيما ناقشت الجلسة الثانية “السيرة النبوية والأبعاد الوظيفية”، والجلسة الثالثة “السيرة النبوية والإشكالات المعاصرة”، بينما عرفت الجلسة الرابعة تقديم شهادات عالمية حية في سيد الأنام ورسالته الخاتمة.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى