فدوى توفيق: الأسرة اليوم تحتاج للاقتداء بسيرة الرسول داخل بيته لتنعم بالطمأنينة والسعادة والاستقرار

خصصت حركة التوحيد والإصلاح شهر ربيع الأول للاحتفاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبسيرته وخلقه وشمائله، وبهذه المناسبة، أجرى موقع الإصلاح حوارا مع الدكتورة فدوى توفيق مؤلفة كتاب “قيم أسرية من بيت النبوة”، الذي صدر العام الماضي عن مركز إشعاع للدراسات الأسرية في إطار سلسلة “مفاهيم أسرية، أوضحت الدكتورة من خلاله خصائص بيت النبوة وما تميز به من قيم وأخلاق ومشاعر صادقة، مبرزة أهمية الاقتداء به لمواجهة الإشكاليات المعاصرة التي تواجه الأسرة اليوم للوصول بها إلى بر الأمان.

وفيما يلي نص الحوار:

1 – كيف يمكن وصف بيت النبوة وما هي خصائصه؟

لقد كان بيت حبيبنا محمد، بيت أفضل الخلق جميعا، ذلك البيت الذي كان مهبطا للوحي، بيت نزلت فيه آيات الله تعلم وتهدي وترشد إلى كل خير، إنه الهدى والإيمان والرحمة، إنه بيت الحب، والمدح والترفيه والحوار، إنه النبي الأب، والنبي الزوج.. والنبي الجد.

لقد كان بيته عليه الصلاة والسلام مليئا بمجموعة من القيم والخصائص التي كانت تضفي عليه الدفء والسعادة والاستقرار فقد كان بيت الحب والتعبير عن المشاعر الصادقة، وهو القائل عليه الصلاة والسلام عن زوجته وأم أولاده السيدة خديجة (لقد رزقت حبها،) وهو الذي كان حين سئل عن أحب الناس إليه قال: عائشة، فلما سئل عن أحب الناس إليه من الرجال قال أبوها نسبة إليها. وهن كذلك كن يبادلهن نفس المشاعر ويعبرن عن ذلك بكل تلقائية دون خجل مزيف أو حياء مصطنع، ففي سيرة عائشة رضي الله عنها روي عنها أنها كانت في بعض المناسبات حينما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: حدثني حبيبي رسول الله،

 وهو كذلك بيت المدح والثناء، بيت كان التركيز فيه على الإيجابيات أكثر من السلبيات، بيت التحفيز والتشجيع، بيت الإطراء وإظهار كل ما هو جميل وإيجابي.

فقد جاء عنه في وصفه لزوجته خديجة مثنيا عليها قوله : “آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بما لها إذ حرمني الناس”.

وفي المقابل، فالسيدة خديجة كانت تعامله بالمثل فنجدها تمتدحه قائله: “والله ما يخزيك الله ابدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

وفي مدح السيدة عائشة نورد قوله عليه الصلاة والسلام :”فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام”.

وهي كذلك ترد بالإحسان على الإحسان، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تمتدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قصت عليه قصة أبي زرع: “بأبي وأمي أنت، ولأنت خير من أبي زرع لأم زرع”.

وهو كذلك بيت الحوار والاستماع الجيد وإعطاء كل فرد الحرية في التعبير عن رأيه ومشاعره. كان حوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وآل بيته على نوعين : حوار لفظي، وحوار غير لفظي، ونقصد بالحوار اللفظي: الحوار الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته من خلال الكلام، والحوار غير اللفظي: الحوار الذي جرى من خلال الحركات أو التعابير غير الكلامية، كالإشارة واللمسة والنظرة وحركة الرأس.

وكان بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت الترفيه والابتسامة والدعابة، ولم يكن أبدا بيت تقطيب الجبين والجدية المبالغ فيها. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ابتسامة خارج بيته وداخله، وهذا بالطبع منسجم مع وصيته لحنظلة حيث أوصاه قائلا ساعة وساعة. وحديث حنظلة يبين لنا أن الإنسان بطبعه يميل إلى الترفيه وتغيير الأجواء كي لا يحصل له الملل ويصيبه الفتور، وهذا كما ينطبق على حياتنا العامة ينطبق على حياتنا الخاصة، في أسرنا وعائلاتنا، مع أبنائنا وأزواجنا ووالدينا، وقدوتنا في ذلك الحبيب، إذ كان عليه الصلاة والسلام بساما بشوشا مرحا سهلا في بيته، يضفي عليه السكينة والهدوء، وينشر في جنباته الفرحة والبشر.

إقرأ أيضا: بمشاركة رئيس الحركة.. قسما الدعوة والشباب ينظمان حفلا شبابيا إحياء لذكرى المولد النبوي

2 – لكل بيت قائد. كيف نجعل من رسول الله قدوة لنا في بيوتنا؟

إن من رحمة الله بعباده أن أرسل إلينا النموذج النظري من خلال كتابه الكريم، وأرسل معه النموذج العملي ليسهل على الناس تطبيق تعاليم الدين الحنيف، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”، ويقول كذلك :”قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”.

يقول ابن كثر في تفسير الآية الأولى : هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله في أقواله وأفعاله وأحواله. وتؤكد أية ال عمران هذا المعنى مبينة أن اتباعه عليه السلام والتأسي به هو التعبير الصادق عن حب الله تعالى، فحبه عز وجل ليس كلاما يقال ولا شعارا يرفع، إنما هو فعل وتأس واتباع واقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم.

مهم أن نتأسى به صلى الله عليه وسلم في لباسه وعاداته وأكله وشربه، ولكن الأهم من هذا وذاك أن نتأسى به في أخلاقه ومعاملاته داخل بيته ومع آله وذويه، فمن العيب أن يستاك الرجل بيمينه ويضرب زوجته بشماله، وليس من السنة أن تحرص الزوجة على صيام أيام الفضل ولا تتورع عن الإساءة إلى زوجها، وليس من المقبول أن يبارد الإبن إلى أعمال الخير ولا يحسن إلى والديه.

فنحن مطالبون باتباعه صلى الله عليه وسلم أفرادا وجماعات، وهذا لن يتأتى إلا بالاقتباس من سنته المباركة، ومعرفة سيرته العطرة معرفة اهتداء واقتداء كي نتجاوز حالة التصدع ونسير بأسرنا نحو الاستقرار والسعادة والطمأنينة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الإطار (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وهذا الحديث مهم جدا لأنه ربط خيرية الانسان بخيريته وحسن معاملته مع أهله وداخل أسرته، لأن الكثير من الناس تعتقد بأن الاقتداء برسول الله يكون في الخارج وحين يدخل بيته يلبس قناعا آخر ويتمثل ويتخلق بأخلاق أخرى. فتطبيقنا لقيم الدين وللقيم القرآنية وللقيم التي جاءت في السنة وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مقياسها داخل البيت وليس خارجه.

 

3 – كيف نستفيد من منهج بيت النبوة في حل إشكاليات الأسرة المعاصرة؟

كثيرة هي الإشكالات التي تعيشها أسرنا اليوم وهي تتزاوج بين تصدع وعنف وانحراف وخيانة قد تصل في كثير من الأحيان إلى الطلاق وتشتت الأسرة، وبالرجوع الى بيت النبوة نستشف منه طريقان لمواجهة هاته الإشكالات:

أما الطريق الأول: فهو منهج الوقاية، وهو مجموع تلك القيم والخصائص التي تحدثنا عنها سابقا، والتي تقي الأسر من التصدع والفرقة والاختلاف بل بالعكس تضفي عليها الود والألفة والمشاعر الطيبة، فقيم كقيمة الحب والود والثناء والوفاء والتفهم والاستماع والترويح وغيرها كفيلة بأن تحمي الأسرة وتكون لها بمثابة الحصن المنيع الذي يحجب عنها كل العقبات والمعيقات.

وأما الطريق الثاني: فهو منهج العلاج، وهذا الأمر تفنن وتفوق فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان هديه حين تعصف العواصف ببيته وتحوم حوله المهددات يتعامل معها بحكمة لا متناهية، فمرة يستعمل أسلوب التغاضي، ومرة أسلوب الإيحاء، ومرة أسلوب النصيحة، ومرة أسلوب الهجر الجميل، وذلك طبعا بما تقتضيه المناسبة وما يتحمله الموقف في نسق عجيب وأسلوب رقيق يزيد الود والحب ويقرب المسافات ويقلب الأحداث السلبية الى أحداث إيجابية تزيد من رونق الحياة وتذهب عنها الحزن والكمد والقلق.

إقرأ أيضا: التوحيد والإصلاح تطلق مشروع الأسرة “مودة ورحمة.. رسالة ومسؤولية”

4 – ما السبيل لكل أسرة مسلمة أن تكون أسرة سعيدة؟

لا بد لكل أسرة كي تعيش السعادة والهناء والاستقرار من أمرين:

أولهما العلم، إذ أن كل فرد داخل الأسرة بدءا بالزوجين والوالدين إلى الأبناء، لا بد أن يتعلموا ويبحثوا عن المعارف التي تقرب كل فرد داخل الأسرة من الآخر وتعرفه به، فنحن حينما نتملك آلة لأول مرة فإننا لا نستعملها حتى نقرأ أولا دليل الاستعمال، هذا تشبيه يبين لنا ضرورة المعرفة والقراءة والتعلم قبل أن نخوض التجربة الأسرية.

الزوجان أولا مطالبان بمعرفة متطلبات الحياة الزوجية حقوقا وواجبات: ما طبيعة الرجل، وما طبيعة المرأة، مقومات هاته الحياة بجميع تفاصيلها ومعيقات الحياة الزوجية الى غير ذلك، وكذلك عند الإنجاب لا بد من القراءة حول موضوع التربية وخصائص الطفل في كل مرحلة من مراحل حياته ومقومات التربية الصحيحة والأدوار الأبوية، والأبناء حين يكبرون مطالبون بتعلم أصول المعاملة الإيجابية والسليمة مع آبائهم وحقوق والديهم عليهم وكيف يكرمونهم ويوفونهم حقهم.

ثانيهما المهارة، فالعلم وحده لا يكفي. فقد أقرأ مئات الكتب حول الحِلم ولكنه غير كاف لأصير حليما، إذن بالإضافة للمعرفة لا بد من التدرب على هذه الأصول والمقومات الرئيسية لبناء أسرة سعيدة ودافئة (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم)، إذ لا بد من تدريب النفس وحملها على هاته القيم بشكل تدريجي حتى تصير هاته القيم والمبادئ جزءا من شخصيتنا وطبعا من طبائعنا وهكذا سيحصل لنا التغيير المنشود.

فاللهم صل وسلم على الحبيب المصطفى وسلم تسليما كثيرا.

س.ز/ الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى