طوفان الأقصى.. انكسار هندسة الردع وتبدّد أوهام التفوق – كوثر الرايس

لكل فعل وجهان متضادان، إذ تقتضي الطبيعة البشرية وجود العثرات والانحرافات، فلا سبيل إلى نزع النقص عن أي فعل، وإلا لغدا الإنسان في مصاف الكمال المطلق، وهو الامتياز الذي اختص به الحق عز وجل دون سواه.

إن “طوفان الأقصى” ليس مجرد حدث عابر في مسيرة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل هو لحظة كونية كثيفة المعنى، اجتاحت سرديات النصر والهزيمة، وأسقطت أقنعة الواقعية السياسية التي طالما اختبأ خلفها المهرولون نحو التسوية. لقد كان بمثابة طعنة نجلاء في قلب السردية الصهيونية، تفككت معها الأسطورة المؤسسة عن التفوق المطلق، وانكشفت هشاشة الكيان الذي طالما تغذى على فكرة الردع الأبدي. إن التباين الحاد في قراءات هذه الظاهرة ليس إلا انعكاسًا مباشراً للمرجعيات الفكرية المتضاربة، التي تتناحر بين منطق القوة ومنطق الاستسلام، وبين عقلية المقاومة وعقلية الانبطاح.

ولعلنا إذ نطلق عليه وصف “الظاهرة”، فذلك لأنه تخطى في طبيعته وإرهاصاته جميع سوابقه من المواجهات، ليُحدث شرخًا عميقًا في هندسة الصراع التقليدية. ورغم مرور أكثر من عام على انطلاقه، لا يزال يشكّل بركانًا فكريًا محتدمًا، حيث تتباين الرؤى حول مآلاته: فالبعض يراه زلزالًا استراتيجيًا أعاد تعريف قواعد الاشتباك، بينما يعتبره آخرون صدمةً وجوديةً في البنية العميقة للكيان الإسرائيلي، في حين تتعالى أصوات تنعته بالعبثية، مستندة إلى مشاهد الخراب والتضحيات الجسيمة، متجاهلة أن كل ثورة عظيمة تسقى بالدماء قبل أن تثمر نصرًا.

إننا، في تحليلنا لطوفان الأقصى، نجد أنفسنا أمام مفترق خطير؛ فاعتماد التحليل المادي البحت، بمنطقه العددي المحض، لن يقود إلا إلى استنتاجات بائسة تنزع عن الحدث طابعه الوجودي، وتجرّده من سياقه الحضاري. وعليه، وجب اعتماد المقاربات التالية:

.1 المقاربة العقدية والتاريخية: إن ما يجري من أحداث على التراب الفلسطيني ليس نزاعًا على حدود جغرافية أو موارد، بل هو صراع وجودي، يتجذر في عمق العقيدة والتاريخ، حيث تتبدى فلسطين لا بوصفها أرضًا محتلة فحسب، بل باعتبارها رمزًا للصراع بين مشروعين: مشروع الهيمنة ومشروع التحرر. إن أي محاولة لفهم الظاهرة بمنطق براغماتي معزول عن هذا البعد، ليست سوى إعادة إنتاج لخطاب الوهن والتسليم بالأمر الواقع. إننا أمام امتداد تاريخي لمعادلة الحق والباطل، حيث ينهض الفلسطيني في كل مرة ليعيد تشكيل المعادلة.

.2 المقاربة الاستراتيجية والعسكرية: لا يمكن التعامل مع طوفان الأقصى كحدث تكتيكي معزول، بل يجب النظر إليه كضربة مزلزلة في صلب المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بما كشفه من هشاشة غير مسبوقة في عقلها العسكري، وأعاد رسم ملامح ميزان القوى في المنطقة. إن اللحظة التي وجد فيها العدو نفسه مكشوفًا، مضطربًا، مترددًا، هي لحظة تحوّل جذري في طبيعة الاشتباك.

.3 المقاربة السياسية والدبلوماسية: لقد أعاد الطوفان تشكيل معادلات الولاء والعداء في الإقليم، وكشف العراء السياسي الذي يرزح فيه دعاة التطبيع، ممن ظنوا أن القضية الفلسطينية قد دُفنت في أرشيف التاريخ. إنه امتحان حاسم لمنظومة العلاقات الدولية، حيث يتحدد الموقف لا وفق حسابات دبلوماسية باردة، بل وفق الاصطفافات الحقيقية في معسكرات الحق والباطل. إن النظام الدولي الذي طالما منح الاحتلال شرعيةً زائفة يواجه اليوم امتحانًا قاسيًا، إذ لم تعد فلسطين ملفًا يمكن تأجيله إلى جولات مفاوضات عبثية.

.4 المقاربة الإنسانية والاجتماعية: إن الكلفة البشرية الهائلة التي تكبّدها الفلسطينيون ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات الحقوقية، بل هي وقود لمعادلة الوجود التي لا تُحسم إلا بالعزيمة والتضحيات. ومن يزعم أن كلفة المقاومة أعلى من كلفة الاستسلام، فليقرأ التاريخ جيدًا، حيث لا ينتصر إلا من يمتلك القدرة على الصمود في لحظات الألم القصوى. إن جراح غزة ليست ندوبًا في جسد القضية، بل هي علامات على جسارة لا تملكها سوى الأمم الحية.

.5 المقاربة الفكرية والإعلامية: لقد انكشفت خلال الطوفان هشاشة المنظومة الإعلامية الدولية، التي تحاول إعادة قولبة الحقيقة وفق مصالحها السياسية. إن معركة الوعي لم تعد أقل أهمية من معركة الميدان، إذ أن الاستعمار الجديد لا يُفرض فقط عبر الدبابات، بل عبر هندسة العقول أيضًا. لذا، فإن أحد التحديات الكبرى اليوم هو تفكيك المنظومة الخطابية التي تُلبس الاحتلال ثوب الشرعية، وتعيد إنتاج صورة الفلسطيني كضحية عاجزة بدلًا من كونه مشروعًا ثوريًا قائمًا على الفعل والتأثير.

.6 المقاربة المستقبلية: إن اللحظة التاريخية التي فجّرها طوفان الأقصى لا يجب أن تُختزل في نتائج آنية، بل ينبغي استثمارها كمفصل تحولي في مشروع التحرر الفلسطيني. فالسؤال الجوهري ليس هل نجح الطوفان أم أخفق، بل كيف يمكن تحويل هذا الزخم إلى موجات ارتدادية تضرب عمق المشروع الصهيوني، وتعيد صياغة المشهد برمّته. لقد ولّى زمن الحسابات الضيقة، وجاء وقت التفكير في بناء معادلات جديدة، لا تُبنى على استجداء الحقوق، بل على فرضها فرضًا.

ختامًا، إن طوفان الأقصى ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو رسالة وجودية، تؤكد أن المقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا بل قدرًا تاريخيًا، وأن كل محاولة لإخضاع الشعوب بالقوة ستولد حتمًا انفجارات تزلزل عروش الظالمين. لقد سقطت أوهام التسويات، وسقطت معها أقنعة الواقعية البائسة، ولم يبق إلا صوت الحقيقة الوحيدة: أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع انتزاعًا. إن ما بعد الطوفان لن يكون كما قبله، ومن لم يستوعب الدرس، فليستعد لزلزال قادم، حيث لا بقاء إلا لمن يمتلك القدرة على الصمود وسط العاصفة.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى