الرئيسية-مقالات رأي

ذ محمد يتيم يكتب: سنة مدافعة الأقدار بالأقدار

من أجمل ما شاهدت في مسلسل جمال الدين الأفغاني ذاك الحوار الذي دار بينه وبين مرافقه. الذي   عبر عن مشاعر الخوف مما يتهدد رجل الإصلاح السياسي جمال الدين الأفغاني من قبل خصومه والمتضايقين من دعوته. لكن جمال الدين الأفغاني كان يهدئ روعه ويخفف من خوفه قائلا: الخوف فكرة في الرأس ” فيسأله مرافقه ” فكيف نقضي عليها” قال: بفكرة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك بحوثا علمية تفيد أن بعض المضادات الحيوية من قبيل الـ “دوكسيسيكلين” يمكن أن تسهم في تعطيل   الأفكار السلبية والمخاوف في المخ، وربما تكون مفيدة في علاج اضطراب ما بعد الصدمة أو الوقاية منه.

وفي تجربة لهذا الغرض شملت 76 متطوعا من الأصحاء، تم إعطاؤهم إما المضاد الحيوي أو دواء وهميا، قلت بنسبة 60% الاستجابة للخوف لدى الذين تناولوا المضاد الحيوي بالمقارنة بالذين أعطوا الدواء الوهمي.

وقال العلماء إن المضاد الحيوي يعمل بهذا الشكل لأنه يوقف بروتينات معينة ويمنعها من دخول الخلايا العصبية، ويطلق على هذه البروتينات إنزيمات المصفوفة، يحتاجها مخ الإنسان لتشكيل الذكريات.

وقال الأستاذ بجامعة لندن وجامعة زوريخ الذي شارك في قيادة فريق البحث، دومينيك باتش: “أظهرنا إثبات المبدأ لإستراتيجية علاج جديدة تماما لاضطرب ما بعد الصدمة.”

وفي التجربة؛ وضع المتطوعون أمام جهاز كومبيوتر تعرض شاشته ضوءا أحمر أو أزرق. وكان أحد اللونين مرتبطا باحتمال بنسبة 50% لتعرض لصدمة كهربائية موجعة. وبعد 160 وميضا باللونين بترتيب عشوائي تعلم المشاركون ربط اللون “السيء” بالصدمة الموجعة.

وبعد أسبوع وبدون تناول دواء، كرر المشاركون التجربة. وفي هذه المرة لم تكن هناك صدمات كهربائية لكن صوتا عاليا بعد ظهور أحد اللونين. وقيست استجابة الخوف برصد حركة جفون الأعين، التي تمثل رد فعل غريزي للتهديد المفاجئ. وحسبت ذكرى الخوف بطرح الاستجابة الأساسية للصوت على اللون “الجيد” من الاستجابة للصوت على اللون “السيء”.

ورصد الباحثون استجابة خوف أقل بنسبة 60% بين الذين أعطوا المضاد الحيوي في الجلسة الأولى. وقال باتش في بيان عن نتائج الدراسة “عندما نتحدث عن خفض ذكرى الخوف، فإننا لا نتحدث عن حذف ذكرى ما حدث بالفعل.”

وأضاف “المشاركون قد لا ينسوا أنهم تعرضوا لصدمة كهربائية عندما كان اللون على الشاشة أحمر، لكنهم ينسون أن يفزعوا عندما يرون اللون الأحمر مرة أخرى.”

توقع الخطر يسبب معاناة كبيرة

وتقول الدراسة إن تعلم الخوف من التهديد يساعدنا على تجنب الخطر. لكن التوقع المفرط للخطر يمكن أن يسبب معاناة كبيرة واختلالات قلق تشبه اضطراب ما بعد الصدمة.”

وينتج اضطراب ما بعد الصدمة عن ذكرى خوف مبالغ فيها، ويشمل نطاقا واسعا من الأعراض النفسية التي يمكن أن تتطور بعد أن يتعرض شخص ما لحدث صادم. وقال فريق الدراسة إنهم يرغبون في تفقد المزيد من تأثيرات هذا المضاد الحيوي على علاج توتر ما بعد الصدمة.

 

العلاج الإيماني القرآني للخوف 

بالرجوع للقرآن والسنة نجد أن هذين المصدرين قد عالجا ظاهرة الخوف من خلال تطوير القدرة في التحكم فيه، أي من خلال تقوية الإيمان بالله وعقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره التي من خلالها؛ يرد المؤمن كل شيء إلى مطلق المشيئة الإلهية وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه   كما في الحديث: “وتؤمن بالقدر خيره وشره “

 

مدافعة الأقدار بالأقدار

غير أن هذه العقيدة التي تنطلق من أن الإنسان قد لا يحيط بالنوازل والأقدار، لا تتنافي مع الأخذ بالأسباب. وكما يقول بعض العلماء لا تتنافي مع “مدافعة الأقدار بالأقدار ” من قبيل مدافعة قدر المرض بقدر العلاج.

 فالمسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به ويدفع ما نه الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض.

وفي الترمذي: قيل يا رسول الله؟ أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: هن من قدر الله”. ويقول ابن تيمية رحمه الله أيضا في معرض تعليقه على كلام الشيخ عبد القادر رحمه الله:  “جميع الحوادث كائنة بقضاء الله وقدره، وقد أمرنا الله سبحانه أن نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان، ونزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة، والمعصية بالطاعة من أنفسنا ومن عندنا، فكل من كفر أو فسق أو عصى فعليه أن يتوب وإن كان ذلك بقدر الله، وعليه أن يأمر غيره بالمعروف وينهاه عن المنكر بحسب الإمكان، ويجاهد في سبيل الله، وإن كان ما يعمله من المنكر والكفر والفسوق والعصيان بقدر الله، فليس للإنسان أن يدع السعي فيما ينفعه الله به متكلا على القدر، بل يفعل ما أمر الله ورسوله، كما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. “

احرص على ما ينفعك

ونقف على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المسلم إلى الحرص على ما ينفعه، والذي ينفعه هو دفع ما قدر من الشر بما قدره الله من الخير. وعليه مع ذلك أن يستعين بالله، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن يكون عمله خالصا لله.

منازعة القدر بالقدر

لذا فإن الإسلام حين يقرر أن جميع ما يقع في هذه الأرض بما في ذلك ما يقع من ظلم إنما هو بقدر الله، فإنه ليس معنى ذلك أن تستسلم له، بل عليك أن تنازع تلك” الأقدار”  بما شرعه الله لدفع الظلم بالموعظة والنصيحة والنهي عن المنكر، ثم بالتقاضي والتحاكم إلى السلطة الادارية أو السياسية أو القضائية؛ المخول لها شرعا ودستورا وقانونا  كف الظالم عن الظلم ورفع المظالم عن المظلومين.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى