د مصطفى قرطاح يكتب: اسم القرآن – الحلقة الرابعة

سمى الله تعالى كلامه الذي أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قرآنا، وورد الإسم معرفا كما في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، ومنكرا كما في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: 113].
وكلمة “قرآن” هي مصدر لفعل قرأ، وكل من قرأ وقري بمعنى جمع، قال ابن فارس: «القاف والراء والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على جمعٍ واجتماعٍ…وإذا هُمِز هذا البابُ كان هو والأوّلُ سواءً، ومنه القُرآن؛ كأنَّه سمِّي بذلك لجَمعِه ما فيه من الأحكام والقِصَص وغيرِ ذلك»[1].
وما ذهب إليه الراغب الأصفهاني من أنه «ليس يقال لكل جمع قراءة، فلا يقال: قرأت القوم إذا جمعتهم»[2] يرده قول ابن فارس: «من ذلك القرية، سمِّيت قريةً لاجتماع النَّاس فيها. ويقولون: قَرَيت الماء في المِقْراةِ: جمعتُه، وذلك الماءُ المجموع قَرِيٌّ»[3]؛ وهذا مع الأخذ بقوله السابق:« وإذا هُمِز هذا البابُ كان هو والأوّلُ سواءً»[4].
كما أن قول الراغب: «لايقال للحرف الواحد إذا تفوّه به قراءة»، يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»[5].
وعليه فالقرآن والقراءة بمعنى واحد: مصدران لفعل قرأ؛ إلا أن الأول جاء على وزن فعلان ككفران ورجحان، والثاني “قراءة”جاء على وزن فِعَالَةٍ ككتابة، ومعناها«ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في التّرتيل« [6]، ويشهد لترادفهما قول الله تعالى:﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه﴾ [ 17 ـ 18]، أي قراءته، قال الإمام الطبري في تفسيره للآية:«{وَقُرْآنَهُ}، قال: تَقْرَؤُه بعد»[7].
وقد خصّ اسم القرآن بالكتاب المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصار له كالعلم، كما خص اسم التّوراة بما أنزل على موسى والإنجيل بما أنزل على عيسى صلّى الله عليهما وسلم.
قال سفيان بن عيينة: «سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سورا، والسور جمعت فصارت قرآنا، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين»[8].
وقال بعض العلماء: « تسمية هذا الكتاب قُرْآناً من بين كتب الله لكونه جامعا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ يوسف: 111] وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [ النحل: 89]»[9].
————-
معجم مقاييس اللغة: ج5، ص 78.[1]
المفردات في غريب القرآن، ص: 668.[2]
معجم مقاييس اللغة: ج5، ص 78.[3]
سنن الترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.[5]
المفردات في غريب القرآن، ص: 668.[6]





