مقالات رأي

الشباب ورحلة البحث عن التوازن في عصر مضطرب – عبدالهادي باباخويا

في عصر يتسارع إيقاعه على نحوٍ غير مسبوق، حيث تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع أزمات اقتصادية خانقة واضطرابات نفسية تُربك المعنى والقيم، يقف شباب اليوم على تخوم قلقٍ وجوديٍّ حاد. فلم يعد السؤال محصوراً في كيفية التكيّف مع الواقع، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة جوهر الذات: كيف يمكن للإنسان أن يصون توازنه الداخلي في عالمٍ يميل باستمرار إلى تفكيك يقيناته..؟ وهل يُعدّ التوازن ضرباً من الإنسحاب السلبي من صخب الواقع..؟ أم هو فعل مقاومةٍ واعية يعيد للذات قدرتها على الفهم والتوجيه..؟

إنّ الإشكال المطروح لا يتصل فقط بمرونة الفرد النفسية، بل بقدرته على إعادة تأسيس ذاته كوعيٍ فاعل، يمتلك حرية الإختيار، ويقاوم الإنجراف نحو التشييء والإختزال في منطق الأرقام والظروف.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربة فكرية ومنهجية دقيقة لهذا الإشكال، تستنطق هذا الواقع المركّب، وتكشف عن السبل الكفيلة ببلوغ التوازن المطلوب، الذي لا يقوم على الهروب بل على الوعي، وعلى الفعل الهادف وليس التكيف السلبي..

وهو ما سنحاول الإحاطة به قدر الجهد والإمكان، من أربع محاور رئيسية:

أولاً- مفهوم التوازن بين البعد النفسي والروحي – قراءة في المرجعية الإسلامية:

لا يُختزل مفهوم التوازن في التصور الإسلامي، في كونه حالة نفسية عابرة أو استقراراً وجدانياً مؤقتاً، بل هو بنية وجودية متكاملة، يتداخل فيها البعد الروحي مع العقلي والسلوكي في تناغمٍ دقيق. فالتوازن هنا ليس مجرد غياب للاضطراب، وإنما حضورٌ واعٍ للإنسجام الداخلي، الذي يربط الإنسان بمصدر المعنى، ويوجه حركته في الواقع. ومن هذا المنطلق، جاء قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً﴾ -البقرة: 143-، ليؤسس لمفهوم “الوسطية” باعتبارها حالة من الإعتدال الواعي، الذي يحقق التوازن بين الثابت والمتغير، وبين متطلبات الروح وضغوط الواقع، دون انزلاقٍ نحو الإفراط أو التفريط.

وتتجسد هذه الرؤية في سيرة النبي ﷺ، الذي واجه واقعاً مضطرباً سياسياً واجتماعياً وقيمياً، ومع ذلك ظل نموذجاً للثبات النفسي والوضوح التصوري. فلم يكن توازنه انعزالاً عن التحديات، بل كان حضوراً فاعلاً داخلها، موجهاً بقيمٍ عليا ويقينٍ راسخ. ويُجسد قوله ﷺ: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز” معادلةً دقيقة، تؤسس لتكاملٍ عميق بين الفعل الإنساني المسؤول والتوكل الإيماني الواعي، حيث لا يُلغى الجهد باسم الإيمان، ولا يُغفل البعد الروحي باسم العمل.

وفي هذا السياق، يبرز تحليل الإمام ابن القيم الجوزية الذي يرى أن: “في القلب شعثٌ لا يلأمه إلا الإقبال على الله”، ليؤكد أن جذور الإضطراب لا تكمن فقط في الخارج، بل تمتد إلى عمق البنية الداخلية للإنسان. فمهما حاول الفرد معالجة التوترات المحيطة به بوسائل مادية أو عقلانية صِرفة، فإن غياب الإرتكاز الروحي يظل ثغرةً تُبقيه عرضةً للتشظي. ومن هنا، يغدو البعد الروحي ليس مجرد عنصر مكمّل، بل شرطاً تأسيسياً لتحقيق توازن حقيقي، قادرٍ على الصمود أمام تقلبات الواقع وتعقيداته.

ثانياً- الإضطراب المعاصر وأثره على بنية الوعي الشبابي: 

يعيش الإنسان المعاصر، وبخاصة فئة الشباب، داخل سياق حضاري يتسم بسيولة غير مسبوقة، حيث تتآكل الثوابت وتُستبدل بأنماطٍ متغيرة من القيم والمعايير. وفي هذا الإطار، يصف عالم الإجتماع زيغمونت باومان واقع الحداثة الراهنة بـ”الحداثة السائلة”، في إشارةٍ منه إلى هشاشة البُنى المرجعية وسرعة تحوّلها، بما يجعل الفرد في حالة تيهٍ دائم، فاقداً لنقاط الإرتكاز التي كانت تمنحه شعوراً بالإستقرار والمعنى. إنّ هذه السيولة لا تُنتج فقط تحولات خارجية، بل تُعيد تشكيل وعي الإنسان ذاته، بحيث يصبح عرضةً للتشظي والتردد، وغير قادرٍ على بناء تصورات متماسكة عن ذاته أو مستقبله.

وفي امتدادٍ لهذا التحليل، يكشف المفكر إريك فروم في كتابه “الخوف من الحرية” عن مفارقة عميقة يعيشها الإنسان الحديث، إذ رغم ما يبدو من اتساعٍ في هامش الحرية، إلا أن هذه الحرية ذاتها تتحول إلى عبءٍ نفسي، حين تغيب القدرة على توجيهها بوعيٍ ومسؤولية. فيجد الفرد نفسه منجذباً إلى أنماطٍ من الإمتثال الجماعي أو الإستهلاك المفرط، لا بوصفها اختيارات حرة، بل كآليات دفاعية للهروب من قلق الإختيار وثقل المسؤولية.

ومن ثمّ، فإن الإضطراب المعاصر لا يقتصر على كونه حالة نفسية عابرة، بل يتجاوز ذلك ليصيب البنية العميقة للهوية، مهدداً تماسكها واستمراريتها. فحين يفقد الإنسان مرجعيته القيمية، ويُحاصر بسيلٍ من الخطابات المتناقضة، يصبح أكثر عرضةً للتفكك الداخلي، والإنجراف نحو نماذج جاهزة تُفرض عليه من الخارج. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى امتلاك أدواتٍ نقدية ومنهجية، تمكّن الشباب من تفكيك هذا الواقع، واستعادة قدرتهم على الفهم والإختيار، بما يعيد بناء توازنهم على أسسٍ واعية وثابتة.

ثالثاً- التوازن كفعلٍ واعٍ، من ردّ الفعل إلى صناعة المعنى: 

لا يُختزل التوازن في كونه حالة سكونٍ أو انسحابٍ من تعقيدات الواقع، كما لا يتحقق عبر الذوبان الكلي في مجرياته، بل هو فعلٌ واعٍ يتأسس على بناء موقفٍ نقدي من العالم، يتيح للإنسان أن يكون فاعلاً فيه لا مجرد صدىً لتقلباته. فالتوازن الحقيقي هو قدرةٌ على تحويل الوجود، من حالة تفاعلٍ سلبي مع الأحداث إلى مشروعٍ واعٍ لصناعة المعنى وتوجيه المسار.

وفي هذا السياق، يؤكد الشيخ محمد الغزالي أن: “إن الله لا يغير واقع الناس بالدعاء وحده، بل لا بد من عملٍ يترجم الإيمان إلى حركة في الحياة”، وهي فكرة تُبرز أن الإيمان الحقيقي ليس حالة وجدانية ساكنة، بل قوة دافعة تُنتج فعلاً وتُعيد تشكيل الواقع. فالمعنى هنا لا يُستمد من التأمل المجرد، بل من التفاعل المسؤول مع الحياة.

ويتكامل هذا الطرح مع الرؤية القرآنية، التي تربط بين التغيير الداخلي والتحول الخارجي، ففي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، يُفهم التوازن بوصفه عملية دينامية تبدأ من إعادة بناء الوعي، وتحرير الإرادة من التبعية، بما ينعكس لاحقاً على الواقع المعيش.

وتجسد سيرة النبي ﷺ هذا المبدأ في أسمى صوره، فالهجرة لم تكن مجرد انتقالٍ جغرافي هروباً من الإضطهاد، بل كانت تحولاً استراتيجياً من موقع الإستضعاف إلى موقع الفعل والتأسيس. فقد انتقل ﷺ من التفاعل مع الأحداث إلى صناعتها، عبر بناء مجتمعٍ جديد قائم على القيم، والتكافل وتنظيم العلاقات وفق رؤية أخلاقية متكاملة.

وفي امتدادٍ حضاري لهذا المعنى، يؤكد المفكر مالك بن نبي أن: “مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارة”، في إشارةٍ إلى أن أزمة الإنسان لا تكمن في نقص الموارد، بل في غياب الفكرة التي تنظّمها وتمنحها معناها. ومن هنا، يصبح التوازن الفردي مرتبطاً بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته الضيقة، والإنخراط في مشروعٍ أوسع يسهم في بناء معنى جماعي، يعيد للوجود الإنساني قيمته ووجهته.

رابعاً- آليات تحقيق التوازن، مقاربة منهجية

لا يتحقق التوازن بوصفه حالةً تلقائية أو استجابةً عفوية للظروف، بل هو ثمرة بناءٍ منهجيٍّ واعٍ، تتكامل فيه مجموعة من الآليات، التي تستهدف إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. فالتوازن ليس نتاج عاملٍ واحد، بل حصيلة تفاعلٍ دينامي بين أبعادٍ متعددة، تتساند فيما بينها لتُنتج شخصيةً متماسكة قادرة على الصمود والتأثير.

أول هذه الآليات يتمثل في إعادة بناء العلاقة مع الذات، عبر ممارسة التأمل الواعي، والمحاسبة النقدية، وتحديد منظومة القيم التي توجه السلوك. فالفرد الذي لا يعرف ذاته، يبقى عرضةً للتيه وسط ضغوط الواقع، بينما يمنحه الوعي بذاته قدرةً على الإختيار والإستقلال.

وثانيها تعزيز البعد الروحي، باعتباره ركيزةً أساسية للإستقرار الداخلي، إذ يشكل الذكر والعبادة مجالاً لإعادة ترتيب الداخل الإنساني، وربطه بمصدر الطمأنينة. وفي هذا السياق، يقول الله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، في إشارةٍ إلى أن السكينة الحقيقية لا تُستمد من الخارج، بل تُبنى في عمق العلاقة مع الله عزوجل.

أما الآلية الثالثة، فهي الإنخراط في الفعل المجتمعي، حيث يتحول الإنسان من كائنٍ منشغلٍ بذاته إلى فاعلٍ يسهم في خدمة غيره. فالعطاء لا يعيد فقط التوازن النفسي، بل يمنح الوجود معنىً يتجاوز الفردية الضيقة، ويُعيد للإنسان شعوره بالجدوى والإنتماء.

وتتمثل الآلية الرابعة في تنمية التفكير النقدي، بوصفه أداةً ضرورية لمواجهة سيل المعلومات المتدفقة، وتمييز الصحيح من الزائف. فبدون هذا الوعي النقدي، يصبح الإنسان أسير الخطابات المضللة، فاقداً لقدرته على الفهم المستقل واتخاذ المواقف.

وأخيراً، يأتي التحرر من الإستهلاك المفرط كخطوةٍ نحو بناء استقلالية نفسية وفكرية، إذ إن التعلق المبالغ فيه بالماديات يجعل الإنسان هشّاً أمام التقلبات، بينما يمنحه الزهد النسبي والقناعة مساحةً أوسع من الحرية والإتزان.

وهكذا، فإن هذه الآليات لا تعمل في عزلة، بل تتكامل ضمن نسقٍ واحد، يُفضي إلى بناء شخصيةٍ متوازنة، قادرةٍ على التفاعل الإيجابي مع الواقع، دون أن تفقد ذاتها في خضم اضطراباته.

ختاما، إنّ التوازن في زمن الإضطراب ليس حالةً عارضة تُمنح للإنسان، بل هو بناءٌ واعٍ يتشكل عبر مسارٍ طويل من مجاهدة الذات وإعادة ترتيب الأولويات. فهو ليس انسحاباً من تعقيد الواقع، بل قدرةٌ على العيش داخله دون أن نفقد بوصلتنا، وعلى التفاعل معه دون أن نذوب فيه. إنّه انتقالٌ من الإنفعال إلى الفعل، ومن التشتت إلى المعنى.

والشباب في قلب هذا التحول، ليسوا مجرد ضحايا لزمنٍ مضطرب، بل هم طاقته الكامنة ومجاله المفتوح لإعادة التشكيل. فبقدر ما يمتلكون من وعيٍ وإرادة، يستطيعون تحويل القلق إلى دافع، والإضطراب إلى فرصة، والتحديات إلى مشاريع نهوضٍ حضاري.

  إنّ استعادة التوازن تعني أن نحيا بوعيٍ يوجّه اختياراتنا، وبقيمٍ تثبّت خطواتنا، وبفعلٍ يمنح وجودنا معناه. أو كما قال علي بن أبي طالب: “قيمة كل امرئ ما يُحسنه”، فإن القيمة الحقيقية لشباب اليوم لا تُقاس بما يواجهونه من أزمات، بل بما يصنعونه منها من إمكانات. فليس الرهان أن ننجو من هذا العصر فحسب، بل أن نرتقي فيه إلى مستوى إنسانيتنا، وأن نكون -غم كل شيء – صُنّاع معنى، لا مجرد عابري أزمات.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى