أزواج بدون أولاد.. محاولة فهم واقع مغربي مؤذن بكارثة ديمغرافية

تعرف الأسرة المغربية تحولات عميقة بفعل التطورات المعاصرة في سياق عولمي متسارع. وتحولت من أسر ممتدة الجذور إلى أسر محدودة العدد عند إجراء مقارنة مع ما كان عليه الحال في السنوات السابقة. وتقف وراء كل هذه التحولات عوامل متعددة: اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.
وحاولت العديد من الدراسات والأبحاث استجلاء العوامل وراء هذه التحولات، ومنها البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 الذي نشرته المندوبية السامية للتخطيط، والتقرير السنوي عن حالة سكان العالم لعام 2025، بعنوان “التحديات الحقيقية في مجال الخصوبة” لصندوق الأمم المتحدة للسكان.
ويرسم البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 صورة صادمة بشأن ارتفاع عدد الأزواج بدون أطفال وطغيان هذا النمط على الأسرة المغربية. ففي الفترة الممتدة من 1995 إلى 2025، شهدت التزايد الكبير في الوحدات العائلية المكونة من زوجين دون أطفال، وترسخ ظاهرة العائلات أحادية الوالد ضمن البنية الأسرية.
وقد قاد هذا التحول إلى تغيير في الوزن الديمغرافي للأزواج بدون أطفال حيث ارتفع من 3.4 في المائة إلى 9.4 في المائة. ولئن كان البحث يشير إلى أن العائلات أحادية الوالد أكثر انتشارا في الوسط الحضري بنسبة 9.9 في المائة مقارنة بالوسط القروي بنسبة 6.5 في المائة فهو يشدد على أن الزيادة همت كلا من الوسطين الحضري والقروي، دون مراعاة كل الأبعاد الجغرافية والمستوى المعرفي.
ويخلص البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 إلى أن هذه التحولات تعكس، في مجملها، اتجاها متزايدا نحو ترسيخ النموذج العائلي النووي والأحادي الزواج، بما يفيد تراجع الأشكال العائلية الممتدة والمعقدة التي كانت تقوم على التعايش السكني بين عدة أجيال أو فروع عائلية داخل نفس الفضاء الأسري.
وهنا يطرح السؤال التالي: ما هي العوامل التي أدت إلى هذا الوضع الآخذ في الاتساع؟ وتأتي أهمية هذا السؤال من كون الإجابة عنه أحد أهم مداخل تغيير وضعية من المرجح أن يؤدي ترسيخها إلى تغيير أشكال الدعم بين الأجيال، على المدى المتوسط، وهو ما يستدعي إيلاء اهتمام خاص لمواكبة الأسر في مواجهة هذه التحولات الهيكلية.
ومن التفسيرات التي يمكن تقديمها كعوامل استفحال هذه الظاهرة، ما كشف عنه صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره السنوي عن حالة سكان العالم لعام 2025 من كون الوضع الاقتصادي في المغرب يقف عائقا أمام إنجاب الأطفال المرغوب في إنجابهم بنسبة تقدر بـ93 في المائة، بينما يرجع باقي الأسباب إلى أسباب صحية.
ويظهر من خلال التقرير المعنون بـ”التحديات الحقيقية في مجال الخصوبة” أن القيود المالية تأتي على رأس عوائق الوضع الاقتصادي. إذ في هذا التقرير صرحت نسبة 51% من المغاربة أن القيود الاقتصادية تقف وراء عدم إنجابهم للأطفال، أي أن انتشار الأزواج بدون أطفال أو الطفل الواحد قد لا يكون بالضرورة قائما على كل ما يقال من أفكار حداثية.
فبالنظر إلى معطيات التقرير نجد أن 20% من المغاربة صرح أن سبب عدم إنجابهم للأطفال يرجع إلى مساحة المنزل غير كافية (المقصود غالبا السكن الاقتصادي) أو ارتفاع تكاليف شراء المنازل أو استئجارها، بينما صرح 15% أن السبب هي البطالة/ انعدام الأمن الوظيفي، و11% أرجع السبب إلى عدم وجود خيارات كافية، وكل هذا القيود ترجع إلى الوضع الاقتصادي.
وفي استعراض لباقي المعطيات، نجد أن الأسباب الصحية تأتي في مرتبة تالية لكن بشكل أقل من العوامل الاقتصادية، إذ يؤكد التقرير أن 19% من المغاربة صرحوا بكون السبب يرجع إلى مشاكل في الصحة العامة أو الإصابة بأمراض مزمنة، و10% إلى العقم أو صعوبة في الحمل، و4% عوائق متعلقة بالرعاية الطبية تمنع الإنجاب أو الحمل.
وحول سؤال: لماذا ننجب الأطفال؟ أشار المشاركون في المغرب وإندونيسيا ونيجيريا إلى نقطة ثقافية ذات دلالة كبيرة، فقد صرحوا بأن الواجبات الدينية والاجتماعية تعد من الأسباب المهمة لإنجاب الأطفال؛ بينما رأى المشاركون في ألمانيا والسويد أن الواجبات الدينية والاجتماعية أقل أهمية، وبالتالي فإن الدين والتحفيزات الاجتماعية تعد أساسية هنا.
إذن الأمر يتعلق بضغوط اقتصادية بالدرجة الأولى، فبالرجوع إلى مذكرة إخبارية بشأن “نتائج بحث الظرفية لدى الأسر” صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط نجد أن نسبة 90.2 في المائة من الأسر صرحت بعجزها عن الادخار خلال الـ12 شهرا المقبلة. وفي ظل هذا الوضع، يأخذ هذا البعد الاقتصادي أولويته القصوى في المعالجة.
ويتطلب العلاج الاعتكاف على معالجة هذا الوضع الذي من شأنه أن يدمر الديمغرافية في ظل حديث المندوبية السامية للتخطيط على أن الخطورة الكبرى تكمن في تجاوز المغرب “الخط الأحمر” للنمو الطبيعي؛ فبعدما كان المعدل التركيبي للخصوبة يصل إلى 7.2 أطفال لكل امرأة في سنة 1960، تهاوى ليصل إلى 1.97 طفل في سنة 2024.
وهنا أيضا، تبرز أهمية توصية التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان برسم سنة 2024 على أهمية تشجيع الأمومة لتفادي النزيف الديمغرافي في بلادنا بتوفير الحماية للنساء الحوامل والمرضعات أثناء العمل وحماية حقوق الرضاعة الطبيعية، وذلك بعد تراجع معدل الخصوبة من 2.5 سنة 2004 إلى 1.97 سنة 2024، وهي أدنى من عتبة تعويض الأجيال.






