الرئيسية-قضايا و آراءمقالات رأي

يتيم يكتب: الثورة والإصلاح

الإصلاح لا يسير وفق خط تصاعدي مطرد، وكما يصدق هذا الأمر على المستوى الفردي يصدق على المستوى الجماعي، حيث تتصارع في نفس الإنسان نوازع الخير ونوازع الشر، وعوامل الصلاح وعوامل الفساد. كما أنه تهبّ على الإنسان -في اليوم الواحد وخلال عمره- فترات من التوهج والألق، وأخرى من الكسل والفتور، وهو ما يدل عليه الحديث النبوي الصحيح: “لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ نشاط)، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ فتور)، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سُنَّتي فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ”.

ومعنى ذلك أن يكون المسار العام للصلاح والإصلاح في حياة الفرد والمجتمع مسارا تصاعديا، علما بأنه قد تأتي على الفرد والجماعة -وهذا من سنن الله الكونية- فتراتٌ وعثرات وتراجعات، والعِبرة بمسار المنحنى العام هل هو يسير بتقدم مطرد في مواقع الصلاح أو الإصلاح أم العكس.

ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل منحنى الصلاح والإصلاح في المجتمع في تقدم أم في تراجع؟ وهو ما يمكن من تملك نظرة إستراتيجية لا تقف عند بعض حالات التراجع غير المؤثرة في مسار التدافع بين عوامل الصلاح والإصلاح وعوامل الفساد والإفساد.

ومن الناحية التاريخية؛ يتوقف بعض الإسلاميين مثلا عند ما يسمونه “الانقلاب الأموي”، ويعتبرونه “نهاية التاريخ الإسلامي” باعتباره يسجل نهاية “للنموذج الإسلامي” في الحكم، ويمسحون بذلك كل التجربة التاريخية والحضارية للإسلام والمسلمين من بعدُ، والتي بقيت متوهجة وفي صعود إلى عصر الموحدين، حسب مالك بن نبي الذي يعتبر أن بداية التراجع الحضاري الإسلامي تبدأ بـ”ما بعد عصر الموحدين”.
تهبّ على الإنسان -في اليوم الواحد وخلال عمره- فترات من التوهج والألق، وأخرى من الكسل والفتور، وهو ما يدل عليه الحديث النبوي الصحيح: “لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ نشاط)، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ فتور)، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سُنَّتي فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ”

الزمن معامل أساسي في الإصلاح، وسنن الله في المجتمعات والتجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن الإصلاح لا يتم بين عشية وضحاها، وأن البناء -عكس الهدم- يحتاج إلى عمل هادئ متواصل، وأن ما يحل فجأة هو الكوارث والصواعق، أما الكيانات الحية -سواء كانت بيولوجية أو اجتماعية- فإنها تخضع لمنطق النمو وسنة “الأطوار”.

وهذا التدرج والطابع التراكمي في الإصلاح فضلا عن كونه سنة طبيعية واجتماعية، فإنه يفرض نفسه بالنظر للطبيعة المركبة للفساد في الدول والمجتمعات، وقد واجه المجتمع الإسلامي هذا الواقع في وقت مبكّر واستحضره خامس الخلفاء الراشدين فيما تروي كتب السِّيَر.

فقد دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يوما على أبيه عمر فقال: “يا أبت! ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أُبالي لو أن القدور قد غَلَتْ بي وبك في الحق؛ فأجابه: لا تعجل يا بني، فإن الله قد ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحَرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملةً فيدفعوه جملة، ويكون من هذا فتنة”.

ودخل عليه مرة أخرى فقال: “يا أمير المؤمنين! ما أنت قائل لربِّك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها، أو سنةً فلم تُحْيِها؟”، فأجابه والده: “رحمك الله وجزاك من ولدٍ خيراً، يا بني! إن قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروةً عروةً، ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمَنْ أن يفتقوا عليّ فتقا يكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون عليّ من أن يراق في سببي محجمة من دم، أوَ ما ترضى ألَّا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة ويُحيي سنة؟”.

ولابن خلدون كلام نفيس في مراعاة سنن العمران البشري “مستقر العادة” وقوانين التغيير الاجتماعي ومراعاة قاعدة التدرج والتراكم؛ فكان مما قرره -في كتابه العظيم ‘المقدمة‘ في الفصل السادس تحت عنوان: “في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم”- قوله: “ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاءً في الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتشبثون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرّضون أنفسهم في ذلك للمهالك.

وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين، لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم، وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه. قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه». وأحوال الملوك والدول راسخة قوية، لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر.

محمد يتيم

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق