حينما أفطر “الودايا” بجموعهم بوادي فاس في أول يوم من رمضان وانتهكوا حرمة الصيام

ذكر المؤرخ أحمد الناصري السلاوي (ت 1315هـ) في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” حدث المواجهة  التي أمر بها السلطان  سيدي محمد بن عبد الله لفائدة آيت أدراسن ونصرتهم، ضد جروان التي  انتصرت لهم الودايا، فبرز الودايا بجموعهم ونزلوا بوادي فاس في أول يوم من رمضان وأقاموا هنالك مفطرين منتهكين لحرمة الصيام بسفرهم الحرام ثم اجتمعوا هم وجروان وساروا إلى جهة مكناسة، وأسفرت هذه الحرب عن انتصار آيت أدراسن.

 من هم الودايا؟

كان هؤلاء الودايا أحد أركان العسكر الإسماعيلي وكان المولى إسماعيل رحمه الله قد اعتنى بشأنهم وأخذ بضبعهم وجمعهم بعد الفرقة وأغناهم بعد العيلة وأسكنهم فاسا الجديدة وأعماله فاستوطنوه وألفوه وصاروا هم أهله بين سائر الجند فكان لهم في الدولة الغناء الكبير واتخذوا الدور والقصور وتوالت عليهم بالعز وإباية الضيم السنون والشهور،

ولما توفي رحمه الله كانوا بفاس الجديد على غاية من تمام الشوكة وكمال العصبية وقد ملكوا أمر أنفسهم على الدولة وغلظت قناتهم على من يريد غمزها من أهلها فكانت أحكام الملوك من أولاد المولى إسماعيل لا تمضي عليهم سيما مع ما حازوه من شرف الخؤلة للسلطان المولى عبد الله الذي هو أكبرهم قدرا وأعظمهم صيتا وكان شأنه معهم أن يستكثر بهم تارة وعليهم أخرى والفتن فيما بين ذلك قائمة حسبما مر شرح ذلك مستوفى

فلما كانت أواخر دولة السلطان المولى عبد الله وهلك محمد واعزيز كبير البربر افترقت آيت أدراسن وجروان ووقعت الحرب بينهم مرتين أعان فيها الودايا جروان وألحوا على آيت أدراسن بالنهب والقتل حتى أجلوهم من تلك البلاد.

أيت أدراسن

ثم لما بويع السلطان سيدي محمد انحاز إليه آيت أدراسن إذ هم شيعة أبيه أيام محمد واعزيز فولى عليهم ولد محمد واعزيز وأنزلهم بأحواز مكناسة إذ كان عالما بما ناله من جروان والودايا وتظاهرهم عليهم واشتغالهم مع ذلك بإفساد السابلة وقبض الخفارات عليها وكان رئيسهم لذلك العهد رجلا يقال له جبور لصا مبيرا فآخى السلطان سيدي محمد بين آيت أدراسن وآيت يمور وحالف بينهم وأوصى عامله على مكناسة بهم وتقدم إلى جروان بالكف عن إذابتهم فلم يرجعوا ولم يقلعوا بل تمادوا على حرب آيت أدراسن وظاهرهم الودايا على عادتهم وأرادوا أن يسيروا فيهم بالسيرة التي كانوا عليها أيام السلطان المولى عبد الله ظنا منهم أن ذلك يتم لهم مع ابنه سيدي محمد.

ولما اتصل الخبر بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله أمر قائد العبيد وقائد آيت يمور أن يشدوا عضد آيت أدراسن وينهضوا لنصرتهم على أعدائهم جروان حيث انتصرت لهم الودايا فهاجت الحرب وكشرت عن أنيابها وشمرت عن ساقها فبرز الودايا بجموعهم ونزلوا بوادي فاس في أول يوم من رمضان وأقاموا هنالك مفطرين منتهكين لحرمة الصيام بسفرهم الحرام ثم اجتمعوا هم وجروان وساروا إلى جهة مكناسة وأقبل آيت أدراسن نحوهم بمن لافهم من العبيد وآيت يمور فكان اللقاء على وادي ويسلن فوقعت الحرب فانتصر آيت أدراسن عليهم وهزموهم وانتهبوا محلة جروان ومحلة الودايا وقتلوا منهم نحو الخمسمائة وحزوا رؤوس أعيانهم فعلقوها على الباب الجديد من مكناسة ورجع الودايا إلى فاس مفلولين لم يتقدم لهم مثلها.

ولما اتصل خبر ذلك بالسلطان اغتاظ على الودايا بسبب افتياتهم عليه وانتهاكهم حرمة جواره فعزم على المكر بهم وأسرها في نفسه ولم يبدها لهم واستمر مقيما بمراكش إلى أن دخلت سنة أربع وسبعين ومائة وألف

فخرج من مراكش قاصدا مكناسة ومضمرا الإيقاع بالودايا وأحس الودايا بذلك منه فلما وصل إلى مكناسة بعثوا إليه عجائزهم متشفعات ومعتذرات عما فرط منهم فاجتمعن به أثناء الطريق وتوسلن إليه بالرحم والقرابة فرق لهن وأعطاهن كسى ودراهم وعدن صحبته إلى فاس فنزل بالصفصافة وخيمت بها عساكره وخرج أهل فاس والودايا لملاقاته فألان لهم القول وأظهر البشر ومن الغد أمر بعمارة المشور بدار الدبيبغ.

من كتاب الاستقصا / 13.14/3

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى