الرئيسية-مقالات رأي

“منهج … وجهنم”!

منذ أكثر من عشرين عاما، حدثني أخ عزيز بفائدة جليلة فقال أنظر الى كلمة “منهج”، أرأيت إن أنت قرأتها معكوسة ماذا تصير؟… “جهنم” ! إشارة إلى أن أفكار العقلاء يجب أن تظل مصونة عن العبث ! وأن صونها في اتساقها وتراكبها وتعالقها وتناسقها ..

وفي السنوات المتأخرة رأينا فتنا كثيرة راحت ضحيتها نفوس موتورة وعقول مغرورة، قلبت ظهر المناهج فانقلبت لها ظهور المِجَنّات وانفتحت عليها أبواب جهنم .. ورأينا تغير أفراد وفرق وطوائف بحربائية اصابتها بسرطانات جلدية أساءت لمنظرها وعجلت بإفساد مخبرها ثم الذهاب بريحها ..

والمواقف عموما منها ما يتعلق بالمبادئ وهي مواقف ثابتة، ومنها ما يتعلق بالظروف والنوازل والأحوال وهي مواقف مرنة قابلة للتغيير .. تغيير الثانية من صلب طبيعتها فلا تتطلب شيئا كبيرا .. أما تغيير الأولى فهو يعني تغيّرا في طبيعة القناعات والمبادئ نفسها، ويتطلب وقفات معينة ومراجعات عميقة ومعلن عنها يكون لها ما بعدها ..

وليس العيب في تغيير المواقف المبدئية إذا اقتنع أصحابها (مصيبين أو مخطئين) بأنها ليست صحيحة، بل العيب في تغييرها بدون سبب وجيه، أو مراجعة معتبرة لموضوع المواقف المتراجع عنها، وبدون إعلان عن ذلك، بل تأتي -وهي الغريبة المستهجنة الصادمة- في لبوس الأمور العادية والمقبولة، والأكثر عيبا فيها هو استغراب استهجانها وسوء تلقيها، وإعطاؤها نكهة البطولة والشجاعة في الرأي والذكاء والحكمة والاستباقية الخ..

هذا في سياق العلاقة الزوجية يدمر الزواج، وفي تربية الابناء يفسد التربية، وفي العلاقات التجارية يقتل التجارة، وفي البحث العلمي والعمل الفكري يذهب بالحكمة، وفي العمل الدعوي يضيع الدعوة، وفي العمل السياسي يميت السياسة .. وقِدّماً احتقر المغاربة من يسمونه “تاتا” في علاقاتهم الاجتماعية .. و”تاتا” هو ذاك المتلون الذي لا تعرف له وجها لكثرة تغيره وتلونه بلا سبب وجيه، بل هم يمجّون منه ذلك حتى عندما يكون هناك سبب وجيه، لأن الثبات إنما تكمن قيمته في ساعة الضيق والتردد والضعف والحيرة ..

عندما اقتنع الإمام أبو الحسن الأشعري -رضي الله عنه- بفساد مذهب المعتزلة في الاعتقاد، وقف في الناس خطيبا وكان مما قال: ” انخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا” . وفعلا، انخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع كتبا جديدة ألفها إلى الناس، فمنها كتاب: “اللمع” وكتاب أظهر فيه فساد رأي المعتزلة سماه “كشف الأسرار وهتك الأستار” وغيرها، فلما قرأها أهل السنة أخذوا بها، وكان لمذهبه ما كان وهو ربيب بيت معتزلي بل ربيب أحد أيمة الاعتزال، بل وصاحب أقوال وجهود دعوية في إطار مذهب الاعتزال عرف بها بين الناس..

ألمي من بعض ما أرى من مواقف من أصحابنا ومن غير أصحابنا ليس في مضامين هذه المواقف وعقابيل تلك الأقوال، فأنا مقتنع بأني لا أمتلك الحقيقة، وبأن ما لا يفهمه عقلي أكبر مما يفهمه، وما تجهله نفسي أكبر مما تعرفه، ولكن المؤلم هو الوقوع فيما أشرت إليه آنفا من تخبط واختلال في منهج النظر والعمل معا يجعل قول الشيء ونقيضه مبررين من أيسر سبيل، يستدعي ازدراء من العقلاء وتنمرا من السفهاء وفرحة من العملاء ومزيد استكانة من الجبناء وترسيخ غربة لدى الفضلاء .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فاللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الكسر بعد الجبر، ومن القهر والجور، ومن الغفلة عن مواعيد الحق في زمن بدت فيه آيات الله تتجلى بصدق..

وعسى أن يزهر الياسمين في هذا التراب المحبط وما ذلك على الله بعزيز .. والحمد لله رب العالمين

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى