مقالات رأي

منهج الرسول عليه السلام في التربية والتوجيه (1) – عبد الرحيم مفكير

معالم في المنهج التربوي النبوي :

إن تكامل الشخصية النبوية لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم جعلت منه الحاكم والقائد والزوج والمعلم والداعية والمربي..

وما تتبع قارئ للقرآن الكريم والسيرة النبوية إلا وجد فيهما عناصر التفوق ووسائل النجاح من خلال الكثير من المواقف التربوية الراقية التي هي القدوة الحسنة لكل راغب في الوصول إلى الحق .

وعن طريق هذا المنهج ينشأ الإنسان الصالح ومن ثم المجتمع الإسلامي الكريم .

وهنا نماذج وصوراً من ((المنهج التربوي النبوي)) ، نقربها تذكيراً وترغيباً في هذا المنهج المتكامل الذي أرسل الله به نبيه للناس كافة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107] .

مفهوم التربية :

قال الراغب الأصفهاني: (الرَّبُّ في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام)(1). وجاء في القاموس المنجد: (ربَّ ربَّاً القومَ ـ ساسهم وكان فوقهم)، (ربَّ ربَّاً الأمرَ ـ أصلحه)(2).

فعلى ذلك تكون التربية هي عملية إعداد، وتنشئة، وتوجيه، وإصلاح، وقيادة للإنسان في مختلف مراحل حياته وأبعاد كيانه… وخصوصاً في المرحلة التي يحتاج فيها الانسان إلى عملية التنمية والتوجيه والإعداد والإصلاح..

وبذا تكون التربية عبارة عن: (عملية بناء وتوجيه الانسان، والوصول به إلى مرحلة النضج والكمال). ولهذه الغاية جاءت الرسالات والشرائع الالهية، وتتابع الرسل والأنبياء(ع).. جاؤوا لتربية الانسان وبنائه بناءً روحياً، وفكرياً، وسلوكياً، وجسدياً متوازناً وسليماً يمكنّه من أداء رسالته والتعبير عن إنسانيته.

وكم نحن بحاجة للوقوف أمام هذه المعالم النبوية وتمثلها في حياتنا وسلوكنا ؛ إذ هي السر في تميز الرعيل الأول رضي الله عنهم أجمعين .

1- الصبر وطول النفس :

يسهل على الإنسان أن يتعامل مع الآلة الصماء ، ويستطيع الباحث أن يصبر ويكافح في دراسة هذه الظاهرة المادية أو تلك ، لكن التعامل مع الإنسان له شأن آخر وبعد آخر ؛ ذلك أن الناس بشر ، لا يحكم تصرفاتهم ومواقفهم قانون مطرد ؛ فتراه تارة هنا وتارة هناك ، تارة يرضى وتارة يسخط ..

ولهذا أجمع المختصون بأن (الظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة)، وأن البحث فيها تكتنفه صعوبات عدة ؛ فكيف بالتعامل المباشر مع الإنسان والسعي لتقويمه وتوجيه سلوكه ؟

ومن يتأمل سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى كيف صبر وعانى حتى ربى هذا الجيل المبارك ، وكم فترة من الزمن قضاها ؟ وكم هي المواقف التي واجهها ؟ ومع ذلك صبر واحتسب، وكان طويل النفس بعيد النظر، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يربي أصحابه، ويروّضهم على العمل والتطبيق كلما اُلقي إليه شيء من القرآن الكريم. فقد روى عثمان بن مظعون وابن مسعود واُبيّ: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يُقرِئُهم العشر(3)، فلا يجاوزونها إلى عشر أُخرى حتى يعلموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً)

وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (حدثنا من كان يقرئُنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر آيات فلا يأخذون في العشر الاُخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل)(

ولقد كان المسلمون يجدون في رسول الله (صلى الله عليه وآله) النموذج الحي للعقيدة والرسالة فهو أول العاملين، وقدوة المطبقين، فقد أُعِدَّ ورُبّيَ تربية إلهية كاملة عبّر هو نفسه عنها بقوله: (أدَّبني ربّي فأحسنَ تأديبي).

وجاء في روايات وأحاديث وتوجيهات تربوية أُخرى ما يؤكد اهتمام الاسلام وحرص المسلمين على تربية الأبناء واهتمامهم بتنشئتهم وإعدادهم.

فقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (يا رسول الله، ما حق ابني هذا؟ قال: تحسِّن اسمه وأَدَبَه(وضعه موضعاً حسناً)، وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال:(عَلّموا أولادكم السباحة والرماية)

علاقة الودّ والمحبة معهم، بتحبيب الأبناء للآباء وحثهم على إنجاب الأولاد والاعتناء بتربيتهم وتوجيههم.

فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(من سعادة الرجل الولد الصالح )

إن البشر مهما علا شأنهم فلن يصلوا إلى درجة العصمة ، وهل هناك من هو أعلى شأناً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا الأنبياء..

– فها هم يتنزل فيهم في ( بدر ) : {لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال : 68]

– وفي ( أحد ) : {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران : 152]

– وفي ( حنين ) : { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }[التوبة : 25]

– وحين قسم غنائم حنين وجد بعض أصحابه في نفوسهم ما وجدوا .

– وكان يخطب فجاءت عير فتبعها الناس فنزل فيهم قرآن يتلى .

ومع ذلك يبقى هذا الجيل وهذا المجتمع هو القمة، وهو المثل الأعلى للناس في هذه الدنيا، ولن تكون هذه المواقف سبباً للحط من شأنهم ومكانتهم رضوان الله عليهم .

لكن كيف بمن دونهم ؟ ! بل لا يسوغ أن يقارن بهم .

إن ذلك يفرض على المربي أن يكون: طويل النفس ، صابراً ، عالي الهمة ، متفائلاً

2 – الخطاب الخاص :

فكما كان يوجه الخطاب لعامة أصحابه ، فقد كان يعتني بالخطاب الخاص لفئات خاصة من أصحابه .

– فقد كان من هديه حين يصلي العيد أن يتجه إلى النساء ويخطب فيهن ، كما روى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد ، ثم مال على النساء ومعه بلال فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن ، فجعلت المرأة تلقي القُلْب والخُرْص .

– بل تجاوز الأمر مجرد استثمار اللقاءات العابرة ؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النساء قلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم : غلبنا عليك الرجال ؛ فاجعل لنا يوماً من نفسك .. فواعدهن يوماً ، فلقيهن فيه فوعظهن وأمرهن ، فكان مما قال : « ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار » فقالت امرأة: واثنين فقال: «واثنين».

– وقد يكون الخصوص لقوم أو فئة دون غيرهم ، كما فعل في غزوة حنين حين دعا الأنصار، وأَكَّدَ ألا يأتي غيرهم، وكما بايع بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً

3- مشاركة المربي العملية :

اعتاد بعض المربين أن يكون دورهم قاصراً على ( إعطاء الأوامر ، ومراقبة التنفيذ ) ، وهو مسلك مخالف لمنهج المربي الأول -صلى الله عليه وآله وسلم- ، الذي كان يعيش مع أصحابه ويشاركهم أعمالهم وهمومهم .

– فشاركهم في بناء المسجد : كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة

– وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول :

« اللهم لا خير إلا خير الآخرة ؛ فاغفر للأنصار والمهاجرة

– وشاركهم في حفر الخندق : فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال : « اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة » .

– وكان يشاركهم في الفزع للصوت : فعن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول : « لم تراعوا ! لم تراعوا ! » ، ثم قال : « وجدناه بحراً ، أو قال : إنه لبحر ».

– وأما مشاركته لهم في الجهاد : فقد خرج في تسعة عشر غزوة ، بل قال عن نفسه : « ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية.

فهذه المشاركة تدفع للتوازن بين مراقبة القدوة والتسليم لإتباعه وبين التعويد على العمل والمشاركة ، فهذا التوازن – بلا شك – أكرم لهم وأنفع من إلغاء دورهم وتحولهم إلى مجرد آلات صماء..

إن مجرد إصدار الأوامر والتوجيه أمر يجيده الجميع ، لكن الدخول مع الناس في الميدان ومشاركتهم يرفع قيمة المربي لديهم ويعلي شأنه ويشعرون أنه واحد منهم ، وذلك أيضاً يدفعهم لمزيد من البذل والهمة والحماس

عكس أولئك الذين يدعون للعمل ويربون عن غير قرب ، وقد عبر عن هذا المعنى حداء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل

ثم إنه يشيع روح الود والإخاء ، ويسهم في بناء علاقة إنسانية وطيدة بين المربي ومن يربيهم

4 التربية بالأحداث :

من السهل أن نحدث الناس كثيراً عن معاني عدة ، وأن ننظر لجوانب متعددة ، لكن ذلك وإن أثَّر فإن أثره يبقى باهتاً محدوداً .أما النبي صلى الله عليه وسلم فمع توجيهه لأصحابه في كل موطن ، إلا أن تربيته كانت تتأكد من خلال الأحداث ، فكان يضع الناس في الموقع والميدان ويأتي التوجيه حينها..

– يشكو إليه الحالَ أبو بكر رضي الله عنه وهما في الغار ، فيقول صلى الله عليه وسلم:”ما ظنك باثنين الله ثالثهما » ..

– ويسأله رجل في الميدان والمعركة : أرأيت إن قتلت ؟ فيجيبه إجابة تصل إلى شغاف قلبه فيتقدم حتى يستشهد:

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال: رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد : أرأيت إن قتلت فأين أنا ؟ قال : « في الجنة » ، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ..

– ويوصي علياً رضي الله عنه بالدعوة ويذكِّره بفضلها وذلك حين بعثه داعياً إلى الله مجاهداً في سبيله:

فعن سهيل بن سعد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : « لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » ، فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى ، فغدوا كلهم يرجوه ، فقال : « أين علي ؟ » فقيل يشتكي عينيه ، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ، فقال : « انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم ؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم » .

أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم ستترك أثرها؟

إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي ، الذي لم يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد ، إنما كان يعيش العلم والعمل معاً.

التوجيه الفردي والجماعي :

لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين التربية والتوجيه الفردي من خلال الخطاب الشخصي المباشر ، وبين التربية والتوجيه الجماعي .

 قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( علمني رسول الله التشهد كفي بين كفيه ) .

ومن ذلك ما ورد عن غير واحد من أصحابه : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 ومن ذلك حديث معاذ رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال : « يا معاذ ، أتدري ما حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ » .

وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما زوّجه أبوه امرأة فكان يتعاهدها

وقد كان هذا الحوار والتوجيه له شخصياً، بينما نجد أنه في مواقف أخر يوجه توجيهاً عاماً، كما في خطبه ولقاءاته وتوجيهاته لعامة أصحابه ؛ وهي أشهر من أن تورد وتحصر .

وها هنا مأخذ مهم في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه وناقشه منفرداً به، بينما نجده في موقف آخر شبيه بهذا الموقف يعالج الأمر أمام الناس ؛ فحين سأل طائفةٌ عن عبادته وتقالّوها وقالوا ما قالوا صعد المنبر وخطب في الأمر :

– عن أنس رضي الله عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال : « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني

ومثل ذلك في قصة الذي قال : هذا لكم وهذا أهدي إليّ ، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن الأتبية على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : «ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول : هذا لك، وهذا لي ؛ فهلاّ جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده ! لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته : إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر » ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه : « ألا هل بلغت » ثلاثاً.

إذن فهناك جوانب يمكن أن تطرح وتناقش بصورة فردية، ولا يسوغ أن تطرح بصفة عامة، ولو مع عدم الإشارة إلى صاحبها ؛ لأنها ربما كانت مشكلات فردية لا تعني غير صاحبها، بل قد يكون ضرر إشاعتها أكثر من نفعه، وهناك جوانب يجب أن تطرح بوضوح وبصورة عامة وتعالج وتناقش أمام الجميع، والمربي الناجح هو الذي يضع كل شيء موضعه.

منهج التربية النبوية للطفل المسلم:

إن الطفل أول ما يرى من الوجود منزله وذويه ، فترتسم في ذهنه أول صور الحياة مما يراه من حالهم ، وطرق

معيشتهم ، فتتشكل نفسه المرنة ؛ القابلة لكل شيء ، المنفعة بكل أثر ؛ بشكل هذه البيئة الأولى.

يقول الإمام الغزالي : الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة، خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه ؛ فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه وكل معلم له ومؤدب، وغن عود الشر، وأهمل إهمال البهائم ؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه، والوالي له. يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (( كل مولود يولد على الفطرة ، وإنما أبواه يهودانه أو يمجسانه ،أو ينصرانه))

ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو المعلم والمربي …لذلك سنستلهم التربية الصحيحة وأسسها من الأحاديث النبوية، ومعاملة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، بالإضافة إلى خطاباته المباشرة للأطفال، أو الآباء في طريقة معاملتهم مع أطفالهم.وبفضل هذه التربية يستطيع الآباء والمربون أن ينفذوا إلى جميع مداخل الطفل النفسية والفكرية، إذ تنير لهم الطريق، وتقدم لهم الحلول الناجحة في بناء شخصية الطفل، وتربيته، وتكوينه على أساس من الخلق والدين.

وبتتبع السيرة النبوية نجد عدة أسس في التربية ، يتفرع عن كل واحد منها قواعد أساسية في الأساليب التربوية النبوية للطفل :

الأساس الرئيسي الأول :موجه للوالدين والمربين ، وماذا عليهم أن يلتزموا به من قواعد لضبط سلوكهم وأفكارهم .

الأساس الثاني :أسس التربية الفكرية المؤثرة ؛ التي يستطيع الآباء والمربون أن ينفذوا من خلالها إلى فكر الطفل، وعقل، وتثبيت الأفكار لديه، وتنمية مداركه العقلية، وبناء شخصيته .

الأساس الثالث :أسس التربية النفسية التي يستطيعوا من خلالها الدخول إلى نفس الطفل، والتأثير عليه، وتنمية ثقته بنفسه .

الأساس الرابع :أسلوب تأديب الطفل وطريقة ضربه، ومتى يضرب، وفي أي الأماكن يجوز فيه الضرب، وما مواصفات آلة الضرب …فالضرب مثل الملح والدواء، فزيادته أو نقصانه يبقي الحالة على ما هي عليها من العقوق والتمرد، فوجب الاهتمام به بدقة وعناية .

أسس الأساليب الفكرية المؤثرة في عقل الطفل:

1-رواية القصص.

2-الخطاب المباشر .

3-خطاب الطفل على قدر عقله.

4-الحوار الهاديء.

5-الطريقة العملية التجريبية.

1-رواية القصص للطفل وقراءته لها :

تلعب القصص دورا كبيرا في شد انتباه الطفل، ويقظته الفكرية والعقلية ، وتحتل المركز الأول في الأساليب الفكرية المؤثرة في عقل الطفل ؛ لما لها من متعة، ولذة، ونجد وفرة القصص النبوي تجاه الأطفال ، حكاها النبي-صلى الله عليه وسلم- لأصحابه الحاضرين منهم الكبير والصغير، فكانوا يصغون إليه بكل انتباه ؛ لما يقصه النبي-صلى الله عليه وسلم- عن حوادث وقعت في زمن مضى ؛ ليتعظ بها الحاضرون، ومن بعدهم إلى يوم الدين.

وهناك ملاحظ يجدر الإشارة إليها أن القصص النبوي كان يعتمد على حقائق ثابتة، وقعت في غابر الزمان، وهي بعيدة كل البعد عن الخرافة والأساطير، وهذا يدعم ثقة الطفل بتاريخنا العريق، ويضفي على روحه الانطلاق، ويتنامى لديه الشعور بأمته ودينه العظيم .

ومن القصص العظيمة التي يمكن أن تروى لطفل : قصة أصحاب الأخدود – وقصة سيدنا إبراهيم وإسماعيل وأمه عليهم السلام- قصة الكفل – قصة الأبرص والأقرع والأعمى .

والقرآن الكريم والسنة النبوية وكتب السيرة غيرها مليئة بقصص من التاريخ في العبرة والعظة والدروس التي يمكن أن يستفيد منها الطفل …. وهكذا يعيش الطفل مع القصص القرآني والنبوي ….فيعيش في أجواء إيمانية رائعة.

2-الخطاب المباشر للطفل :

إن الخطاب المباشر في مخاطبة عقل الطفل، وتبيين الحقائق له، وترتيب المعلومات الفكرية ليحفظها ويفهمها، يجعل الطفل أشد قبولا ، وأكثر استعداد للتلقي، أما اللف والدوران، فليس له في التعامل مع الطفل نصيب، وهكذا علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتوجه إلى الطفل في كثير من المناسبات بالخطاب المباشر الصريح الواضح.

وما حديث ابن عباس رضي الله عنه .قال : كنت خلف النبي-صلى الله عليه وسلم-يوما ، فقال : ( يا غلام ! إني أعلمك كلمات ) إلا دليل على ذلك .

فالرسول-صلى الله عليه وسلم- يباشر إلى الموضوع الذي يريده مباشرة ، فيقول للطفل الناشيء : ( إني أعلمك )

فالرسول-صلى الله عليه وسلم- يعلم الطفل ( كلمات ) مختصرة مفيدة، لا طول فيها، ولا ملل، وذلك انسجام مع طبيعة الطفل الفكرية ؛ التي تتطلب الكلمات القصيرة والموجزة، الغنية بالمعاني والأفكار.

3-خطاب الطفل على قدر عقله :

لأنه كأي كائن حي، له حدود لا يستطيع تجاوزها، وعقله وفكره ما زال في ريعان النمو والتوسع، وإدراك الوالدين لدرجة نمو عقل الطفل التي توصل إليها، يسهل عليهم حل كثير من المشاكل، إذ عندها يعرفون متى يخاطبونه، والكلمات المناسبة التي يستعملونها، والأفكار التي يقدمونها. ودليل ذلك أنه قبل معركة بدر، حينما قبض الصحابة على غلام راع لقريش، سألوه عن عدد الجيش، فإذا به لا يحسن الإجابة فضربوه، حتى أقبل النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو عالم النفس الحقيقي بلا منازع فإذا به يسأل الغلام : ( كم ينحر القوم من الإبل ؟ ) قال الغلام : بين التسعة والعشرة، فقال-صلى الله عليه وسلم- : ( القوم بين التسعمائة والألف) فعرف النبي-صلى الله عليه وسلم- أن هذا الغلام لا يعرف عدد الألوف، ولكن طاقته العقلية تدرك عدد العشرات …..وعشرات أي شيء ؟؟ عشرات الإبل التي يسهل عدها على كل طفل ؛ لما لها من الحجم الكبير.

وإذا أردنا أن نشاهد الصورة العكسية، أي : مخاطبة الطفل فوق طاقته الفكرية، سنجد عندها التمرد، والمشاكسة، والعناد، والبلادة أحيانا، أرأيت رجلا يأمرك بأمر بغير لغة تعرفها، فلا تستجيب له، فينهال عليك ضربا ولكما، هل هذا من العدل بمكان ؟؟ وهكذا الطفل.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى