الرئيسية-مقالات رأي

كتاب مـسالك رد الحديث بين النقد العلمي والطعن المتحامل للدكتور محمد السائح – ورقة تعريفية

صدر مؤخرا، عن دار الكلمة للنشر والتوزيع المصرية، كتاب:  “مسالك رد الحديث: بين النقد العلمي والطعن المتحامل”، للدكتور محمد السائح، أستاذ الحديث وعلومه، بجامعة فاس ــ سايس.

يقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط.؛ استعرض فيه، كما هو واضح من العنوان، طريقتين في نقد الحديث النبوي، الأولى: طريقة النظر القواعدي، المستندة إلى علمي الحديث وأصول الفقه؛ والثانية: طريقة النقد الفوضوي الجاهلة بقواعد ومباحث هذين العلمين، والصادرة عن شبهة عنوانها مناقضة كثير من الحديث الصحيح للعقل أو للقرآن أو للواقع.

ولهذا، كان تصميم البحث وَفق فصلين، إضافة إلى المقدمة التي تمت الإشارة فيها إلى مقرر علمي، مفاده أن لكل علم موضوعه الخاص، وأن لكل موضوع منهجه المناسب؛ واستنادا إلى هذه الحقيقة ـــ يقول الكاتب ـــ فلا أنسب للسنة من علمين منهجيين متعاضدين، يخدمانها بما لا مزيد عليه، وهما علم الحديث وعلم أصول الفقه.

وكل من يريد أن يتكلم في الأحاديث، يقول المؤلف، فلا بد له من معيار وحيد، هو: قواعد هذين العلمين، إما ليصحح النقل أو يضعفه، وإما ليبين وجه الدلالة أو يمنعها، أو غير ذلك من أوجه النظر الحديثي والفقهي والأصولي.

وقد نبه الأستاذ الباحث، في آخر المقدمة، إلى أنه بنى بحثه على الاختصار، لأن بغيتَه أولا، تقريبُ طرف من قضايا النقد الحديثي لعموم القراء.. وثانيا، الانخراط في سلسلة الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شرف يرنو إليه المحب لهذه السنة.

 أما فيما يخص فصلي الكتاب، فقد عنون الأول بـ: المسالك العلمية لنقد الحديث، وجعله مسلكين، خصص لكل واحد منهما مبحثا، وهما:

المبحث الأول – مسلك التعليل: وهو صَنعة علماء الحديث، وقف الكاتب فيه على جملة من الجهود التي بذلها النقاد باتباع هذا المسلك في النقد، مما أثمر نتيجتين مهمتين في تقويم الرواة والمرويات، وهما: ترتيب الأحاديث وفق سلم القبول والرد، وترتيب الرواة وفق سلم العدالة والضبط.

وقد تنوعت طريقة تعليل المحدثين للأحاديث، لكن قبل أن يعرض المؤلف زبدتها، نبه لزاما، إلى أمرين مهمين هما:

التنبيه الأول: أن المحدثين حينما يُعِلُّون حديثا، لا يَحْكمون على أصله بالضعف ضرورة، فقد يرد من طرق أخرى سالمة من العلة…

التنبيه الثاني: أنهم حين يعلُّون حديثا صحيحا، لا يلزم من ذلك ضرورة، أن يصير ضعيفا مردودا.. فقد ينزل إلى مرتبة الحسن فقط، ولا يصل إلى الضعف…

وبعد التنبيه إلى هذين الأمرين، لخص الباحث طرق التعليل، مع تقديم نماذج من ذلك، في أسلوبين اثنين، هما:

الأسلوب الأول: تعليل أحاديث متنوعة من غير التقيد بكتاب معين:

وذلك من خلال تتبع الناقد للمرويات ونقدها، وقد قدم المؤلف ثمانية نماذج لهذا التعليل، منها: التعليل بالتصحيف، والتعليل بنفي الرفع في الحديث، والتعليل بالانقطاع وبجهالة الراوي، والتعليل بالاضطراب في السند، كوصل منقطع، أو تبديل راو براو، أو غير ذلك من تفصيلات التعليل.

ومن أشهر العلماء الذين اعتمدوا هذا النهج: ابن أبي حاتم الرازي(327هـ) في “العلل”، والدارقطني(385هـ) في “العلل الواردة في الأحاديث النبوية”، وابن القطان الفاسي(628هـ) في “بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي(581هـ)”، وغيرهم من النقاد .

الأسلوب الثاني: التقيد بتعليل كتاب واحد أو أكثر:

وقد نهج النقاد هذا الطريق بعد استقرار المصنفات المشهورة، وتواتر نسبتها إلى مؤلفيها، وانتشارها بين الناس، إذ قصدها النقاد بإعادة الفحص، خصوصا ما اشترط فيها أصحابها الاقتصار على الصحيح، كصحيحي البخاري ومسلم؛ ومن مشاهير النقاد للصحيحين، الإمام الدارقطني(385هـ) والحافظ أبو مسعود الدمشقي(401هـ) والحافظ الجياني(498هـ)…

 المبحث الثاني – مسلك المعارضة: بيَّن فيه المؤلف المراد بالمعارضة والفرق بينها و وبين الاعتراض، والترتيب بينهما عند أرباب المناظرة؛ وغرض هذا المبحث، كما جاء في الكتاب، الاقتصار على وجوه القدح في الاستدلال بالحديث من جهة معناه ودلالته على المراد، وهو ما يعنيه المؤلف بمسلك المعارضة الذي هو عَمل الأصوليين والفقهاء..

ولا سبيل للطعن على هذا المسلك، يقول المؤلف، لأن هدفه ليس رد الحديث، بل البحث عن صحة الاستدلال به، وفق المنهج الأصولي المقرر عند أهل السنة والجماعة..

وقد ذيل الكاتب هذا المبحث، بالتعليق على بعض العلماء في العصر الحديث الذين عارضوا جملة أحاديث، والحال أن هذه المعارضة غير صحيحة، لما انطوت عليه من الشذوذ وقلة التحقيق.

وتوقيرا لهؤلاء العلماء أبى الكاتب أن يدرج معارضتهم في جملة الطعون المتحاملة ـــــــ خصص لها  الفصل الثاني ـــــــ لثبوت فضلهم ومحمود سيرتهم، واشتغالهم بالفقه وأصوله وبعلوم الشريعة، والدفاع عن الحديث النبوي الشريف ومحاججة الطاعنين فيه، مما يدل على سلامة الاعتقاد…

وقد اقتصر المؤلف في تعليقه على بعض المشاهير منهم، مثل : رشيد رضا(ت 1354هـ)،   ومحمد الغزالي(ت 1416هـ)، وعبد الله آل محمود(1417هـ).

 وتجدر الإشارة، إلى أن الباحث نبه إلى كون الفصل الأول، لم يُبن على المخالفة بين المحدثين والأصوليين في مسالك رد الحديث، بل جعل عملهما معا متكاملا، قاصدا وجهة واحدة، وهي النصيحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا أدل على منع توهم هذه المخالفة، استحضار عدد من العلماء الجامعين بين الحديث والأصول، من أمثال: الطحاوي(321هـ)، وابن حزم(456هـ)، والباجي(474هـ)، وابن العربي(543هـ)،والقاضي عياض(544هـ)، والنووي(676هـ)، وابن دقيق العيد(702هـ)، وابن حجر(852هـ)، وغيرهم رحمهم الله.

أما الفصل الثاني: النقد الحجاجي للأسس النظرية لمساك الطعن في الحديث:

فقدم فيه المؤلف جملة من طرق الطعن المتحامل في الحديث، وقد قسمه إلى ستة مباحث، جعل المبحث الأول مقدمتين لا بد منهما، لفهم طبيعة هذه الطعون، ثم عقد أربعة مباحث لعرض طرق الطعن المختلفة في الحديث والرد عليها.

واستند الأستاذ الباحث، في نقض هذه الطعون إلى أسلوب الحجاج والمناظرة، بتصوير الادعاءات ومآلاتها وبيان أوجه الرد عليها.. وهو أسلوب، كما قال، لم يقلد فيه أحدا بعينه، من جهابذة هذا العصر الذين كتبوا في الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم..

أما فيما يخص المبحث الأول من هذا الفصل، فعرض فيه مقدمتين لابد منهما، كما قال المؤلف، وهما:   

  المقدمة الأولى: شخص فيها العقل المفتون أو العقدة الفكرية لأرباب الطعن المتحامل.. وخلص إلى أن لا صحة للطعن في الحديث، بعقل غير متفق على ماهيته ولا على مرتبته.

المقدمة الثانية: كشف فيها أسباب علة نفسية، اسمها عقدة الملائمة، التي يعاني منها ذووا الطعن المتحامل في السنة، مع بيان بعض أعراضها عليهم.. وانتهى في آخرها، إلى أن صحة المعرفة الشرعية ووجوب العمل بها، لا يتوقفان، في أي زمان، على موافقة أي مذهب بشري متلبس بدعوى الحكمة.

أما المباحث الأربعة المتبقية، لهذا الفصل، فنلخصها على الشكل الآتي:

  المبحث الأول: طريقة الطعن المتفرق: أي إثارة الشبه حول معاني جملة من الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم أو غيرهما، بغية بناء حكم “استقرائي” من تتبع جزئيات الطعن، مفاده إسقاط الصحة عن الصحيحين، حتى إذا تقرر ذلك، يسحب الحكم عل غيرهما من المصادر التي هي دونهما، فتكون النتيجة هي وجود الشك في جميع مصادر السنة، ومن ثم إبطال السنة كلها، بالتدرج من الجزء إلى الكل. وقد فند الباحث هذا الطعن من عشرة وجوه. 

المبحث الثاني: الطعن في قواعد التصحيح: من خلال ادعاء أن قواعد التصحيح عند المحدثين قاصرة عن حماية الحديث من دخول ما ليس منه فيه؛ ولذلك، يقترح قواعد جديدة في التصحيح والتضعيف..

ومآل هذا الطعن أيضا، إبطال أكثر السنة، ولكن بالانطلاق، كما قال المؤلف، من الكل إلى الجزء؛ وقد عرض وجوه الرد على هذا النهج في الطعن، فأوصلها إلى اثني عشر وجها..

المبحث الثالث: الطعن في وصول كتب الحديث إلينا: أي أنه ليس بين أيدينا نسخ أصلية، لمصادر السنة، كنسخة صحيح البخاري مثلا، بخط يده؛ فأصحاب هذا الطعن يدعون أن المعاني المشكلة في الأحاديث الصحيحة، الموجودة في هذه المصادر، يستحيل صدورها من النبي صلى اللّه عليه وسلم، لأنها مخالفة للقرآن والعقل، فوجود تلك الأحاديث في تلك المصادر دليل على تعرضها للتحريف، وأنه زيد فيها ما لم يقله النبي صلى اللّه عليه وسلم؛ فلذلك، لا يمكن الاحتجاج بكتب الحديث حتى نعثر على نسخها بخط مؤلفيها.

وقد وصف الأستاذ الباحث هذا المسلك في الطعن بالأهوج، فهو يأتي على الجزء والكل معا؛ وقد رد عليه من تسعة عشر وجها.

المبحث الرابع: الطعن في دوام حجية السنة: وقد وصفه المؤلف بالطعن الناعم الذي ينطلق من الأصل إلى الجزء والكل؛ يدعي هذا المسلك أن الأحاديث النبوية ليست مصدرا للتشريع، بل كانت خاصة بذلك الزمان والمكان الذين جاءت فيهما.. وقد نقض الكاتب هذا المسلك من ثمانية وجوه..

وختم هذا الفصل بمبحث سادس بين فيه مآل هذه الطعون إلى التفريق بين الكتاب والسنة، مع الاجتهاد بالموازاة، في تأسيس شبهتين أخريين في أذهان المسلمين: الأولى: استغناء القرآن عن السنة في الفهم. والثانية: استقلال العقل بالقدرة على فهم القرآن.

أما خاتمة الكتاب: فذكرت بجملة من الخلاصات والملاحظات، هذه بعضها:

1 – إن مسلك المحدثين في تعليل الأحاديث، كاف في النقد، وقائم بوظيفة نفي الكذب والغلط عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- إن مسلك الفقهاء في المعارضة، يوفي بشرط صحة استثمار الأحكام والمعاني من الأحاديث، وغايته ضبط المستدَلّ به من الحديث، بمعايرته بباقي المنقول من الوحي.

3- لا يسمع التعليل والمعارضة إلا من ذي صنعة علمية مشهود له بها، وهو في ذلك دائر بين الإصابة والخطأ، كشأن أمور الاجتهاد كلها.

4-  ينبغي الوعي بأن حماية السنة تسير في خطين متوازيين: الأول: حمايتها من الدخيل عليها، والثاني: حمايتها من النقص منها.

5 -لا يمكن أن تخالف السنة الصحيحة عقلا ولا علما ولا واقعا، بل لا تزال معانيها تثبت للناس جيلا بعد جيل؛ بل إن تلك المعاني ــ مع أصولها في كتاب اللّه عز وجل ــ هي التي أثمرت توسيعا في عقول الناس وعلومهم.

6 – إن الخروج من تخلف الحاضر، لن يتم إلا بتمام الاتباع لكتاب اللّه تعالى ولسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بمنهج في الفهم، هو ذاته المنهج الذي توارثته الأمة عن سلفها الصالح من أهل السنة والجماعة، بمختلف مذاهبهم المشهورة المعتمدة والأصيلة.

والحمد لله رب العالمين

الدكتور مصطفى الجراري

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق