“في عمر الستين”، إصدار جديد للأستاذ صبير، وأمعضشو يقول: تألق في سماء الإبداع القصصي الوجيز

صدر للباحث والروائي مولاي أحمد صبير، مؤخرا مجموعة قصص قصيرة جدا بعنوان:  “في عمر الستين.” وقد قدم لها الدكتور فريد أمعضشو، باحث بجامعة محمد الأول وجدة، ونظرا لأهمية هذا العمل، ينشر موقع الإصلاح تقديم هذه المجموعة القصصية بقلم د. فريد أمعضشو.
*-*-*-*-*-*-*-*

يواصل الكاتبُ المغربي مولاي أحمد صبير الإدريسي، بهذه الأضمومة الباذخة والماتعة حقا، تألقه في سماء الإبداع القصصي الوجيز، الذي حقق فيه المغاربة – كما هو معلومٌ – منجَزا متميزا، كمّا وكيفا، منذ بداية العقد الثاني من الألفية الجارية. ولا يمكن لقارئ هذا العمل – في نظري – ألاّ يلمس ذلك التألق، ولو من خلال تصفحه السريع أو اقتصاره على قراءة بعض نصوصه؛ لأن المبدع يبدو متمكنا غايةَ التمكن من آليات كتابة القصة القصيرة جدا وتقنياتها، وقارئا مُكْثِرا للإبداع العربي في هذا الميدان الأدبي، ومطّلعا بما فيه الكفاية على النقد المتصل بهذه بالقصة. وتجْدُر الإشارة إلى أنّ الأستاذ مولاي أحمد سبق أن تُوِّج، عامَ 2016، بجائزة مهرجان الناظور العربي للقصة القصيرة جدا، في نسخته الخامسة، عن مجموعته البديعة “أضغاث يقظان”.

اِرتأى المبدع أنْ يُصْدِر عمله هذا تزامُنًا مع بلوغه سِنَّ الستين، مُؤْثِراً أن يصرّح بذلك لقرّائه منذ عتبته الأولى/ العنوان، فضلا عن إيراد ذكرى ميلاده هذه في قصتين اثنتين. ولعل رغبته في توثيق هذه اللحظة، الفارقة في حياته، بحدث مائز، هي التي تفسر عَمْدَه إلى نشر أضمومته في هذا الوقت بالذات. ولَرُبّما لم يَرَ ما يفْضُل الكتابة الإبداعية للاحتفاء بنفسه في ذكرى ميلاده الستين، مخالِفا بذلك سواه ممّن يحتفل بمثل هذه المناسبة بطرق وأشكال وطقوس مختلفة، وإنْ كان هكذا احتفال معهودا عادةً في المشاهير والكُبَراء؛ بحيث يحرص الواحد منهم على ألاّ تمر هذه الذكرى السنوية مرورا عاديا، كما باقي أيام السنة، بل يتفنّنُون في توثيق هذه اللحظة، وتمييزها بأفعال أو مبادرات أو تصريحات…

ولم يكن اختيار عمر الستين لإصدار هذا العمل عشوائيا، بل يحمل أكثر من دلالة؛ فهو سنُّ الإحالة عادة على التقاعُد بالنسبة إلى المشتغلين بقطاع التعليم، والتحلل من الالتزامات المِهْنية للتفرغ لأمور خاصة، وهو السن التي يبلغ فيها المرء مستوى عاليا من النضج من كافة النواحي، يُتيح له النظر إلى ماضيه لترصيد الإيجابي الصالح فيه، ولممارسة نقد ذاتي على السَّلبي وغير اللائق، الذي قد يكون أتاه الإنسان في لحظة تهور، أو عدم تنبُّه، أو غيرهما من الحالات التي تغيب فيها المسؤولية الواعية أو تنقص. علاوة على أن هذه السنّ تمثل، بالنسبة إلى كثيرين، إشعارا بأنه لم يعد يتبقى من عمرهم متسع من الوقت، علما بأن أعمار هذه الأمة تتراوح ما بين الستين والسبعين؛ كما ورد في حديث معروف. ولسْتُ أشكّ في أن هذه الاعتبارات رُمّتَها استحضرها المبدع وهُو يهمّ بإبداع نصوص هذه المجموعة القصصية.

لقد انصرف ذهني، مباشرةً، وأنا أتأمل عنوان الأضمومة، وأتصفح نصوصها مخطوطةً، إلى بعض الأسماء – من المبدعين في الأدب، ومن غيرهم كذلك – التي احتَفَلت، أو احْتُفِل، بميلادها بصُور وطرق وأمَانٍ متباينة، وفي مقدمتها أسطورة كرة القدم مارادونا، الذي سأله بعض الصِّحافيين، في عيد ميلاده الستين، وهو في الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا (كوفيد-19)، عن حُلمه بالمناسبة؛ فأجاب بأنه يأمل تسجيل هدف آخر في مرمى الإنجليز، ولكن بيده اليمنى هذه المَرّة، علما بأنه قد سبق له أن سجل هدفا مثيرا ضد المنتخب الإنجليزي بيده اليسرى في مونديال 1986م، احتُسب لفريقه الأرجنتيني الذي خرج من المواجهة رابحا بإصابتين. وقرر، منذ أزيد من عقد، عددٌ من رفاق المفكر اللبناني رضوان السيد الاحتفال به، بمناسبة بلوغه الستين عاما، بإصدار تأليف جماعي عن تجربته الفكرية والعلمية، حمَلَ عنوان “الأمة والدولة والتاريخ والمصائر” (الشبكة العربية للأبحاث والنشر/ 2011). واحتفل المبدع العراقي نجم والي ببلوغه الرابعة والستين من عمره، عام 2020، بإصدار روايته الموسومة بـ”سعاد والعسكر”…

وإذا كان عددٌ من مُبْدِعِينا يسارعون إلى نشْر ما يكتبون، وإنْ لم يستجمعوا شروطه المطلوبة بعْدُ؛ فتأتي جملة مما ينشرون مفتقدة إلى سمات الإبداع الحقّ، إلا أن مبدعنا مولاي أحمد صبير اختار طريقا أخرى، تقوم على التريث، وتقليب النظر في ما يكتبه؛ حرْصا على الإجادة، وسعيا إلى إتحاف قرائه بما يليق ويُرضي ويُقنِع، وإن قلّ كمّا؛ إذ العبرة عنده ليست في الكثرة العدَديّة، بل إن الأهمّ – في نظره – هو تقديم إبداع نوعيّ يحظى بالاحترام. ولذا، فقد جاءت أضمومته ناضجة فنيا، متمثلةً خواصَّ القصة القصيرة جدا، وراقية بالفعل. ولنا في الأدب العربي عدة أسماء تأخرت في نشر إبداعها، حتى أنِسَتْ من نفسها النضج، واقتنعت به وبقيمته؛ فعَمَدت إلى إتاحته لعموم القراء؛ من مثل الكاتب المغربي إدموند عمران المالح، الذي لم ينشر أيّا من إبداعاته الروائية (باللسان الفرنسي) إلا بعد أن تجاوز عمرُه الستين، وقد بلغت نحواً من عَشَرة، والكاتب المصري محمد السنباطي، الذي طفِقَ ينشُر أعماله، في الشعر والسرد والترجمة (باللسان العربي)، بعد بلوغِه الستين، وتقاعدِه الوظيفي؛ فقاربَت إلى الآن العشرين عملاً أدبيا…

تضم مجموعة مولاي أحمد صبير عددا من القصص الشيقة، التي تمتاز بسمات التكثيف، والاقتصاد اللغوي، وقِصَر الجمل، وخاصية الحكائية، والاتساق الداخلي، وإتقان الاستهلال والقفلة، والتوفُّق في العَنْوَنة والترقيم. كما أنّ بعضَها يتوسل بآليات التقابل والمفاجأة والمفارقة والإدهاش، ويتناصّ مع خطاب الوحي قرآناً وحديثاً، ويَستثمر العامّية المغربية في نهايته. ويوظف أكثرُها سِجِلاّ لغويا يمتح من القاموس الديني، ويَستعمل معجما شفافا وعميقا في الآن نفسِه. واللافت للنظر في العمل، الذي بين أيدينا، أن قِصصه لا تكاد تخلو من التنصيص على سن الستين، أو على ما يفيد الدنو من عتبته، أو تجاوزه بقليل أو كثير؛ مما يجعل عنصر الزمن حاضرا بقوةٍ في جميع نصوص الأضمومة، ودالاّ على أثر ذكرى ميلاد المبدع الستين في إبداعها.

وإذا ألقينا نظرة على مضامين هذه النصوص، وحاولنا تبيُّن مقصدِيّاتها، فإننا نلمس اتجاه المبدع إلى اتخاذ هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على محطات من ماضيه، بكل ما شهده من مسرّات ونجاحات ومنعرجات وخيبات؛ ولاستخلاص بعض الدروس منها؛ ولإبداء رأيه في بعض وقائع ذلك الماضي؛ ولإعلان توبته ومراجعة نفسه، وابتعاده عن المعاصي والتصابي، وإقباله على العمل الصالح، لاسيما وأنه في عُمر يدعوه، بإلحاح، إلى استغلال كل ثانية فيه في طاعة الله ورسوله، وإلى الانشغال بأمر الآخِرة، والاستعاضة عن التعلق بأهداب الحياة الفانية ومُتَعها بالخلوة والتسبيح والسجود والأذكار؛ وللتعبير عن عشقه للكتابة – والقراءة طبعا – بوصفها متنفَّسَه بعد أن جاوز الستين، وباتَ يعاني في لياليه الأرق والسُّهاد. كما رامت جملة من القصص نقْل تجارب أو ردود فعل أو حالات معيشية أو علاقات إنسانية، ووصْف ما طرأ على الذات المبدعة من تغيرات، ببلوغها الستين من عُمرها، جَسديا ونفسيا وذهنيا وسلوكيا، مثلما عبّرت قصص أخرى عن موقف المبدع من أحداث ومبادَرات، بما فيها بعض ما أقدمت عليه حُكومة بلده نفسها، وعن حبِّه للقدس الشريف الذي لا يشيخ، وانتصاره الدائم لقضية الشعب الفِلسطيني العادلة، واستيائه مما يتعرض إليه من اعتداءات من حين لآخر. من هنا، يتضح أن الأضمومة لامست، من الناحية الثيماتيكية، جوانب عدة تمَسُّ ذات القاص وحياته وواقعه وأمته، وهو ما يكشف سَعة تجربة المبدع، وانفتاح أفقها، والتزامها؛ الأمرُ الذي يجعلها جديرة بالاهتمام النقدي، ويؤهلها لأنْ تشكل إضافة إلى ريبرتوار الإبداع السردي العربي المعاصر، ويضْمَن لقارئها المتعة والفائدة معا.

بقلم: فريد أمعضشو (كاتب مغربي)

وجدة، في 2021/5/6  

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى