في رسالة الإصلاح، شيخي يكتب: المغرب وفلسطين والتطبيع والاختراق الصهيوني

بسم الله الرحمٰن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

منذ تأسيسها، ومنذ ميلاد مُختلِفِ روافدها ومكوناتها وحركة التوحيد والإصلاح تعبّر عن نصرتها للقدس والأقصى وفلسطين، وتجدّد في كل مناسبة انخراطَها الدائمَ والمستمر في دعم مقاومةِ الشعب الفلسطيني ونضالِه من أجل تحرير أرضه واستعادة كافة حقوقه المغتصبة، وبناءِ دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؛ وهي تنطلق في ذلك مما يلي:

  • من واجبها الديني في نصرة المظلوم الذي يُصبح أوْجبَ في حقِّ من تجمعُك معه آصرة العقيدة،
  • ومن واجبها الوطني والتاريخي وفاءً لجهاد المغاربة عبر تاريخهم الطويل لتحرير القدس والأقصى واعتبارِ الشعب المغربي “قضيةَ فلسطين قضيةً وطنية”.
  • وانطلاقا من واجبها الإنساني في نصرة القضايا العادلة للشعوب المظلومة أيا كانت عقيدتها، وفي السعي لإشاعة قيم العدل، والسلم، والتعارف، والحوار، والعيش المشترك بين بني البشر.

وبناءً على ما سبق، ترفض الحركة كل محاولات التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني الذي قتّل ويقتّل، وشرّد ويُشرّد الفلسطينيين، وأبْعدهم ويُبعدهم عن أرضهم، وهَدَم حارة المغاربة، وشارك بعضٌ من قادته مِن ذَوي الأصول المغربية في هدم البيوت وقتلِ طٍفلات فلسطينيات مِن أصولٍ مغربية، ويحملن جنسيةَ بلدنا الحبيب.

لم يَسْتَقِمْ لدينا أن نقبل التطبيع الذي فيه خِذلان، وفيه إجحاف في حقِّ نساءٍ ورجالٍ وشباب وأطفال تَجْمعنا معهم أواصر الأخوة الدينية والوطنية والإنسانية؛

لم يستقم لدينا، ولم تَقْبل فِطْرتُنا التي نرجو أن تبقى سليمة، أن نفرح مع إرهابيين أو مساندين لإرهابِ الكيانِ الغاصب، ونُنَظّمَ لهُم أو معهُم المهرجانات والحفلات ونتبادَل معهم الزيارات، ولوْ كانوا من أصولٍ مغربية “يأكلون ما نأكل ويلبسون ما نلبس ويَطْربون لما نطرب له من أغاني وموشحات”.

لم يستقم في عُقولِنا، ولم تنشرح صدورنا، ولا انفتحت قلوبنا، للمحاولات التي يُسارع بها البعض لِيُنسينا، أو ليُضْعف إيمانَنا بقيم الحق والعدل، وَوُجوبِ مناصرة القضايا العادلة ولو قصَّر أهلها في القيام بذلك، أو لِنَقبل بِقلْب الحقائق وتزويرِ الأحداث التاريخية، أو بالسكوتِ عمّا يقع من اختراقٍ لِوعْينا ووعي ناشئتنا ولمجتمعنا، أو بالانسلاخ من إنسانيتنا التي نشترك فيها مع مناهضي الاحتلال والمقاطعين له عبر العالم.

لذا نرفض التطبيع، ونستنكر كل محاولات الاختراق الصهيوني، ونعتبر ما أقْدَم عليه المغرب وما يحصل ببلدنا من هرولة تطبيعية تَطوراً مؤسفاً وخطوةً مرفوضةً لا تنسجم مع موقفِ الدعم الثّابتِ والمشرّفِ للمغرب الذي يضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضاياه الوطنية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية؛ المغربُ المساندُ ماديا ومعنويا للقدس والمقدسيين وللمقاومة الفلسطينية ولِنضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني الغاصب وجرائمه النكراء.

لقد نَبّهْنا حينئذ، في دجنبر 2020، وحذّرْنا من خُطورة التدابير المعلن عنها ومآلاتها السلبية، والتي تضع بلادنا ضمن دائرة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتفتح الباب أمام اختراقِه للمجتمع والدولة وتهديدهِ لتماسُك النسيج المجتمعي واستقرارِ الوطن ووحدتِه.

ولأننا جزء من هذا الوطن ويَهُمّنا مصيرُ شعبه الذي نحن منه وإليه، وتهمّنا دولتنا التي تضْمن وحدتَنا واستقرار مجتمعنا، دعَوْنا دوْمًا، وندعُو مُجدّدا الشعبَ المغربي وكافة القوى المجتمعية الحية للتكتّل وتوحيدِ الجهود من أجل الدفاع عن حوزة وطننا والتصدي لخطر الاختراق الصهيوني، ومناهضةِ كافة أشكال التطبيع.

وماذا بعد؟

يُقال لنا: وماذا بعْدُ؟

هل تُجْدي البياناتُ، والبلاغات، والندوات الصحفية، والمواقف المُعْلَنة؟

هل تنفع المقالاتُ، والمحاضرات، والمهرجانات، والوقفات، والمظاهرات، وزِدْ عليها المسيرات؟

كثيرًا ما نُواجَه بهذه الأسئلة وبهذه الاستفهامات؛ تارةً مِن بعْضِ الغَيُورين الذين يتشوّفون لفِعلٍ مُؤثّر، وتارة من بعض فاقدي الأملِ في الإصلاح والتغيير بحُكم الخيبات والهزائم المتتالية، وطُول أمَدِ القضية وتَعقُّدِ وضْعِها وتَشابُك خيوطها، وتارةً من بعض المُرْجِفين الذين يبُثّون اليأس في الناس ليُضعِفوا قوة التحمّل والصبر والمقاومة والممانعة لديهم، ولِيدْفعُوهم لِلقَبُول بما يُروّجه الاحتلال الصهيوني وداعموه من القوى الاستعمارية من حُلولٍ استسلامية وأَوْهام التسوية المُجْحِفة والسّلام المغشوش.

ونقول: إن كلّ ما نُسأل عن جدْواهُ ومنْفَعته أعلاه:

يُفيد في المقام الأولِ السائلَ حسنَ النيّة نفسه، المبادرَ إلى القول الحسن والعملِ الصالح فينعكس ذلك إيجابًا على مستوى قوة إيمانه بالقضية وعدالَتها، وعلى مستوى وعيه بتطوّراتها، وتَمَكُّنه من كشف حقائقها وتجَنّب المغالطات المحيطة بها.

وإجمالًا، إذا بذل الإنسان جُهدَه، ولم يُجْدِ ذلك في تحقيق مقصوده وغايته فإنه يرجو من الله تعالى أن يكون قد أبْرأ ذِمّتَه مِمّا يجب عليه من نُصْرة، ووفاءٍ، ونُصْحٍ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، وتواصٍ بالحقّ وتواصٍ بالصّبر.

فكيف إذا كان ما يُقدِّمه هذا الإنسانُ من دعْمٍ ونصرة من خلال كل ما أشير إليه، على قَلَّتِه حسب رأْيه،

يُعزِّز صمودًا،

ويُضمّد جراحًا،

ويبُثّ أملًا،

ويُحفِّز فاعلًا،

ويشَجّع مُبادرًا،

وينَوِّر جاهلًا،

وينبِّه غافلًا،

ويُوقِظ نائمًا،

ويُفنِّد شُبْهةً،

ويَرْصُد اخْتراقًا،

ويَفْضح مُجْرِمًا،

ويدْفَع خَطرًا،

ويُقَوّي ضَعيفًا،

ويُدْخِل السّرورَ على إنسان،

ويرْفع ظُلمًا،

ويوُحِّد جُهودًا،

ويُنجِح عملًا…

أَلَا يُجْدِي كلُّ هذا وينْفَع؟

بل إنَّه لَيُجْدي وينفعُ ويُفيدُ سواءٌ تَحقَّق بِمَجْموعِه أوْ تحقّق جُزءٌ منه، ويُبْقي جِذْوةَ الأمل مشْتعِلة إلى أن تَتيسّر بفضل الله، ظروفٌ أحْسن وأوضاعٌ أنْسب لِتحْقيق الأفْضلِ للقضية وأهْلِها.

وإن الأملَ باقٍ في الله تعالى بأن ينْصُر المظلومين ويأخُذَ على يَدِ الظالمين مُغْتصبي الحقوق، فهو القائل في محكم كتابه: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ اَ۬للَّهَ غَٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ اُ۬لظَّٰلِمُونَۖ﴾ [إبراهيم: 44]؛

ثم الأملُ بعد ذلك في جهود المقاومين والمرابطين والمقدسيين وعموم أهل فلسطين وتضْحياتهم، ومُؤازَرةِ الأحرار والشرفاء لهم.

وقد لاحت بشائر الأمل في تحرير القدس وفلسطين في شهر رمضان من العام الماضي، وهذا العام سواءٌ من خلال الانتصار التاريخي الذي حقّقه الشعب الفلسطيني على الصهاينة في معركة سيف القدس، أو من خلال الصمود والمقاومة التي يُبديها المرابطون والمرابطات في الأقصى المبارك والقدس الشريف، وثباتِهم أمام الآلة الإجرامية للاحتلال الصهيوني.  

ماذا بعد؟

إنه بذلُ الجُهدِ واسْتِفْراغُ الوُسْع وإشاعةُ الأمَل.

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ آل عمران:126.

﴿إِنُ ا۟رِيدُ إِلَّا اَ۬لِاصْلَٰحَ مَا اَ۪سْتَطَعْتُۖ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُۖ﴾ [هود: 88]

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الرحيم شيخي.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى