في رحاب سورة الغاشية – نور الدين قربال

في رحاب الحزب الستين سورة الغاشية مكية وآياتها 26

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)﴾

الخطاب موجَّه إلى محمد عليه الصلاة والسلام، الهدف منه اطلاعه على حديث الغاشية. أي قصتها وخبرها. إذن ما هي الغاشية؟ إنها يوم القيامة، لأنها تغشى الناس وتعمُّهم بالأهوال. وهذه الآية تعظم هذا الاسم الذي هو من أسماء القيامة. الهدف التحذير منه حتى يكون الناس على بيِّنة. وقد تُحمَل معنى الساعة. وتُطلَق على النار مباشرة لأنها تغشى وجوه الكفرة. فهي غاشية النار.

هذه النار تغشى الناس بالبلاء، والأهوال والكروب، والشدائد، والناس يوم القيامة صنفان: فريق في الجنة وفريق في النار[1]. والاستهلال بالاستفهام يحمل دلالة التحقيق، والتقرير، والتعجيب من حديث القيامة، والتشويق إلى الاستماع إليه. والغاشية مشتقة من الغشيان، وهو تغطية الشيء لغيره. وهذا ما يغطي عقول الناس عن التفكير في أي شيء سواه.

ويستعدون أحسن استعداد ليوم القيامة، التي يجب عدم التغافل عنها. والجواب الطبيعي ل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ؟﴾ نعم قد جاءني.

يوم القيامة تكون وجوه أهل النار خاشعة أي ناصبة وعاملة وذليلة لأنها تعمل في النار عملا تتعب فيه. والتي تجر بالسلاسل والأغلال. لأنها عملت في الدنيا أعمال السوء وتلذذت بها، التي لم تنفعها يوم القيامة. فحبطت أعمالهم. فأصيبت بنار شديدة التوهج. وتسقى من عين شديدة الحرارة. أما طعامهم فهو من نبات ذي شوك. وهو من أخبثِ الطعام وشرِّه. وبذلك لا ينفع البدن، ولا يسدُّ الجوع والرمق.

بذلك تبدأ السورة بذكر أهل النار، من أجل معرفة الجزاء الأخروي لكل فريق. فالماء الذي أصلا يطفئ العطش يتحول إلى آلية للحرق الداخلي. والطعام لا يذهب الجوع، ولا يقدم فائدة. فهذا الصنف يعيش وسط الذل، والخزي والفضيحة، تغشى وجوههم النار، وإن كان عملهم في الدنيا يبدو ذا معني، فهو غير ذلك، لانعدام الإيمان، واجتناب الصواب، والانتشاء بالمحظور ومن تم تحيط بهم النار من كل مكان.

ومن خلال وجوههم يفهم ما بداخلهم، وهل هم من أهل الشقاء أم النعيم. وهذا مقام أهل الخسَّة والنتن والمرارة. إنَّ العذابَ ألوانٌ وأشكالٌ، والمعذبِينَ طبقاتٌ، والأطعمةَ متنوعةٌ بين الضريع، والغسلين والزقوم وكلها خبيثة لا تزيد الجسم إلا تعبا وإرهاقا. فاللهم أجِرنا من النار وارزقنا الجنة يا رب العالمين. وبمفهوم المخالفة ماذا أعدَّ الله تعالى لأهل النعيم؟

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)

يبدو على وجُوه المؤمنين يوم القيامة النعمة بكل تلويناتها. لأنها كانت تسعى في الدنيا بالطاعة باعتبار أنه لا إصلاح بدونها أي الطاعة. وراضية بالآخرة. وطبيعة الجنة التي من نصيبهم تجمع بين جمال وجلال المكان والمكانة، لا لغو فيها، لأنها منزهة عن ذلك. ومياهها متدفقة يتلذذ المؤمنون بصوتها ومائها وجمالها. ويجلسون على سرر عالية وبجانبهم أكواب معدة أصلا للشاربين. أما الوسائد فهي مرتبة ترتيبا محكما جنبا إلى جنب. والزرابي كثيرة وجميلة ومفروشة. والملاحظ أن الأشكال قد تبدو مثل الدنيا، لكن الشكل الحقيقي والمضمون المبتغى منها لا يعلمه إلا الله. لأن الجنة ما لا عين رأت، وأذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر[2].

إنَّ وجوهَ أهل الجنة يوم القيامة حسنة، لأن الجنة عالية حسّاً ومعنًى، نفوسهم راضية لما رأوا ثواب طاعتهم في الآخرة. هذه الجنة لا تقبل الهذيان في الكلام، كلها ماء وعيون، والسرر مرفوعة مكانا وفضاء وذاتا وقدرا، والأكواب موضوعة على حافات العيون، ووسائد بعضها بجانب بعض، يستندون إليها. وزرابي مبسوطة.

كل هذا قدم لأهل الخير، وجوههم ناضرة إلى ربها ناظرة[3]. لأنها عاشت في الدنيا في بحبوحة الأعمال الصالحة، والإحسان إلى العباد. حامدة لله في حالة المنشط والمكره. فكان الجزاء متناغما مع كدحهم في الدنيا، حيث تحيط بهم النعم من كل مكان. فهم في عليين. إنها الكرامة الحقيقية المتصفة بالعدل والإنصاف. بل بالفضل والإحسان لأنه عطاء الله عز وجل. والحديث الدائر بينهم كله حسن، وذكر، وأدب، لأن القلوب والصدور مهيأة للخير.

فاللهم اجعلنا من أهل الجنة، حيث النعومة والرضى والعلو والسعي الحسن والكلام الطيب، والماء المتدفق، والعيون الجارية، والمجالس المرتفعة، وأواني الأشربة اللذيذة والوسائد المريحة، والبساط الحسن، والتمتع برؤيته والعيش الكريم بين أحضان رحمته وإحسانه.

ومن أجل الفوز بهذا كله يضرب الله عز وجل أمثالا للتدبر في الدنيا والمساعدة على حسن الاستقامة. فما هي هذه الصور المعبرة؟

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)

يضرب القرآن أمثالا من الواقع المعيش الذي يعيشه الناس. وكانت الانطلاقة من الإبل، التي يوظفها الإنسان لاستعمالات متعددة. فالنظر إلى الإبل يفرض طرح سؤال الخلق باعتبارها مخلوقات تثير العجب، والسؤال الثاني حول العلة مَنْ رفع السماء رفعا بديعا دون أعمدة، وأنزل منها الماء. والسؤال الثالث متعلق بالجبال والعلة مِنْ نَصْبِها وهو استقرار وثبات الأرض. والسؤال الرابع هو شكل الأرض التي بسطت ومهدت. إذن هل للمنكرين جواب على طبائع المخلوقات الربانية؟ والملاحظ أنَّ آياتِ النظر متعددةٌ ومتنوعة وقد تكون أيسرَ الطرق للهداية، لكن للأسف لا حياة لمن تنادي إلا من رحم الله.

إن الله خَلَق كلَّ شيء، وسخَّرهُ للمصلحة والمنفعة، وهذا من مقتضيات التوحيد. إذن مزيدا من التأمل والنظر.

إنَّ النظرَ المطلوبَ هو نظر الاعتبار، حيث تتجلى عظمة الله تعالى، وقوته. كل هذا يساعد على تثبيت وترسيخ الهداية العالمة. ومن تم وجب التذكير بهذا حتى تعود الأمور إلى نصابها. تذكير بطبيعة الدعوة وموقف المذكر في تعامله مع الناس، ومصير المعاندين.

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)

يكلَّف النبيُّ عليه الصلاة والسلام بتبليغ الرسالة، وذلك من خلال تذكير الناس خاصة الذين أعرضوا وشككوا. فوظيفته هي التذكير بالرسالة. دون أن يتأسف عليهم أو يصيبه الكرب والحزن نتيجة إعراضهم. لأنه واعظ لهم. ولا إكراه في الإيمان. لقد بُعِثَ للتبليغ وليس له من الهداية إلاَّ الإرشاد والتوجيه أما التوفيق فمِن الله، لأنه “لا إكراه في الدين[4]. لأن المصير واضح وبين بالنسبة لهؤلاء الجاحدين ويتحملون فيه كل المسؤولية، إنه العذاب الشديد الأكبر في جهنم لماذا؟ لأنهم أعرضوا عن ذكر الله وكفروا بالرسالة وآثروا الدنيا على الآخرة. ونسوا بأنهم سيعودون إلى الله سبحانه بعد الموت، ويحاسبون عن كل ما فعلوه صغيرا أو كبيرا.

أمام هذا المصير المظلم الذي اختاروه بأنفسهم فإن نبي الله عليه الصلاة والسلام لا لوم عليه لأنه ذكرهم ونبههم لكن لا حياة لمن تنادي. لقد رفضوا أركان الدين الإسلامي، ولو كانوا يعقلون لتدبروا الموت قبل الآخرة، ليستنبطوا الفاني مقابل الدائم. ويوقنوا بعظمة الله الخالق، وقدرته. الذي كلف نبيه عليه الصلاة والسلام بوظيفة التبليغ والتذكير والترهيب والترغيب. فهو لا يجبر الناس على الهداية. ولكن أشربوا العناد والمكابرة، والإعراض عن الحق، ووظفوا قلوبهم وجوارحهم وألسنتهم لهذا الزيغ والانحراف والاستكبار. فكان الجزاء هو العذاب الأكبر وعادوا ليحصدوا الشر بما عملت أيديهم. لأنهم أساؤوا الاختيار.

ونستفيد من هذه النهاية أن الإنسان مكلَّف بالتذكير إذا عرف الحق وآمن به، وأنه لا إكراه في الدين، وإذا قام بواجبه فلا حرج عليه. والجزاء عند الله يوم القيامة خيراً أم شرّاً لأن الخليقةَ ستُجمَع يوم القيامة، وتُعرَض أعمالُهم بين يدي الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)[5]

بعد الغاشية تطل علينا سورة الفجر. فما هي الدلالات الدنيوية والأخروية التي تحملها هذه السورة؟

 

*****

[1] ) قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ سورة الشورى الآية 7.

[2] ) في الحديث القدسي قال الله عز وجل: “أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ” رواه البخاري ومسلم.

[3] ) قات تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) سورة القيامة الآية 22 و 23.

[4] ) قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ سورة البقرة الآية 256.

[5] ) سورة الانشقاق الآية 6.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى