في اليوم العالمي لمكافحة الفساد.. النشاط يسلط الضوء على خطورة الفساد وانعكاساته (حوار)

يحتفل العالم  اليوم  (9 دجنبر من كل سنة) باليوم العالمي لمكافحة الفساد، وقد سبق لهيئة الأمم المتحدة أن أصدرت اتفاقية أممية لمكافحة الفساد عام 2003، والتي وافقت عليها الجمعية العمومية للأمم المتحدة بأغلبية 144 دولة على إصدار الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وأصبحت هذه الاتفاقية نافذة المفعول بعد أن تمت المصادقة عليها من قبل عدد من الدول الأعضاء. وهي الاتفاقية التي صادق عليها المغرب عام 2008، وتم نشرها بالجريدة الرسمية عدد 5596 (17/1/2008)،  وقد حصرت هذه الاتفاقية  صور الفساد والإعتداء على المال العام في أفعال اختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استغلال الوظائف، والإثراء غير المشروع.

ولتسليط الضوء على هذه الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وبيان خطورة الفساد وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أجرى موقع الإصلاح حوارا مع الدكتور صالح النشاط أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء.

السؤال الأول: وجود إتفاقية أممية، هل هذا يعني أن الفساد يمكن أن يهدد السلم والأمن الدوليين؟

الجواب: بكل تأكيد، فالقول بوجود اتفاقية أو معاهدة دولية؛ فهذا يعني وجود رغبة في درء ما من شأنه أن يهدد السلم والأمن الدوليين، وبالتبع، يمكن الجزم بأن الفساد يهدد وبكل قوة، السلم والأمن الدوليين، خصوصا وأن العالم اليوم أصبح مفتوحا، ولم تعد للحدود الجغرافية أية معنى في زمن تلاشي مفهوم الدولة القُطرية، كما أن العالم اليوم يعرف تداخلا كبيرا في المصالح المشتركة، والتي تتقاسمها الدول فيما بينها، أو فيما بين الشركات العابرة للقارات، أو مصالح الضغط العالمية، أو رغبات الأفراد المتعارضة…

وهو ما دفع  بهيئة الأمم المتحدة إلى أن تتشكل لديها قناعة بأن الفساد في كل صوره وأشكاله يمكن أن يؤثر سلبا على السلم والأمن الدوليين، ومنها وجود بعض الشركات الأجنبية والتي تسمح لها قوانينها الداخلية بدفع رشاوى للحصول على صفقات أجنبية في دول معينة. الأمر الذي ينتج عنه تدخل مباشر أو غير مباشر في الاختيارات الوطنية السيادية لدولة ما من قبل شركة تابعة لدولة أخرى… فضلا على أنه إذا وجدت دولة تتساهل مع المفسدين أو توجد في سياساتها  وقوانينها ثغرات تشجع على الفساد، فإن هذه الدولة تصبح مهددة للأمن والسلم في العالم، وتفقد الاحترام والتعاون  الدوليين.

السؤال الثاني: ما هي أبرز صور الفساد التي تناولتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وما هي أغراضها وانعكاساتها؟ 

الجواب: تطرقت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعديد من مظاهر الفساد وأشكاله وصوره،  وأهمها: الرشوة، واختلاس المال العام، والاتجار بالنفوذ، والفساد في صفقات الدولة ومؤسساتها وغيرها من صور الفساد المالي والإداري. وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصدرت اتفاقية لمكافحة الفساد، فقد ألزمت كل الدول الأعضاء بالعمل على اعتماد هذه الاتفاقية ونشرها.

أما من جهة بيان أغراض هذه الاتفاقية، فالمادة الأولى من هذه الاتفاقية أجملت ذلك في ثلاث إجراءات: ترويج وتدعيم التدابير الرامية إلى منع ومكافحة الفساد بصورة أكفأ وأنجع؛ وترويج وتيسير ودعم التعاون الدولي والمساعدة التقنية في مجال منع ومكافحة الفساد، بما في ذلك مجال استرداد الموجودات؛ وتعزيز النـزاهة والمساءلة والإدارة السليمة للشؤون العمومية والممتلكات العمومية.

ونظرا لخطورة الفساد على الاقتصاديات الوطنية والعالمية معا، تنبه المنتظم الدولي إلى تسييج كل الممارسات المشوبة بالفساد باجراءات وقائية احترازية، لأنها تحمل انعكاسات سلبية على تنمية الدول، وإستدامة السلم والأمن الدوليين، فالفساد يعمل على طرد الحسن وإحلال السيء مكانه، وهذا يعني قتل التنمية، ووأد المبادرة والمنافسة والشفافية… وبالتالي تصبح القوانين والاجراءات شعارات فارغة في دولة أسيرة للفساد والمفسدين.

السؤال الثالث: ماذا عن انعكاس الفساد في إسناد المناصب العمومية؟

الجواب: تطرقت اتفاقية مكافحة الفساد إلى هذا الموضوع، فبالنسبة لتولي الوظائف العامة؛ ورد تحت عنوان: الترشيح للمناصب العمومية: حيث نصت المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، على أن كل دولة طرف تنظر أيضا في اعتماد تدابير تشريعية وإدارية مناسبة، بما يتوافق مع أهداف هذه الاتفاقية ووفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، لوضع معايير تتعلق بالترشيح للمناصب العمومية وانتخاب شاغليها(…) وتنظر أيضا في اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية المناسبة، بما يتسق مع أهداف هذه الاتفاقية ووفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، لتعزيز الشفافية في تمويل الترشيحات لانتخاب شاغلي المناصب العمومية،  وتسعى كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، إلى اعتماد وترسيخ وتدعيم نظم تعزز الشفافية وتمنع تضارب المصالح. فالتساهل مع المفسدين العابثين في اسناد وتولي الوظائف العامة لمن لا يستحقونها، وتهميش الكفاءات، ليعد أمرا موذنا بخراب الدول ومهددا بسلمها وأمنها وتنميتها.

السؤال الرابع: وماذا عن التلاعب في تدبير الممتلكات والمشتريات العمومية؟

الجواب: يعتبر تدبير الممتلكات والمشتريات العمومية وإدارة الأموال العمومية من المجالات التي يمكن أن تطالها أيادي المفسدين، وفي هذا الصدد، نصت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على  مجموعة من التدابير والاجراءات الكفيلة بمحاربة الفساد في هذه المجالات، ومن ذلك  إنشاء نظم اشتراء مناسبة تقوم على الشفافية والتنافس وعلى معايير الموضوعية في اتخاذ القرارات، إضافة إلى إقامة نظام فعّال للمراجعة الداخلية، بما في ذلك نظام فعّال للطعن، ضمانا لوجود سبل قانونية للتظلّم والانتصاف، كما أن كل دولة طرف في هذه الاتفاقية تتخذ ما قد يلزم من تدابير مدنية وإدارية، وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، للمحافظة على سلامة دفاتر المحاسبة أو السجلات أو البيانات المالية أو المستندات الأخرى ذات الصلة بالنفقات والإيرادات العمومية.  والهدف من هذه الاجراءات هو تشجيع الشفافية وتقويتها في المنظومة القانونية الداخلية، ومحاربة كل صور الفساد والعبث في الأموال العمومية، فكثيرا ما أصبحنا نسمع ونقرأ عن اختلاسات وممارسات مشينة لحرمة المال العام، وذلك من خلال  صفقات عمومية وهمية، أو مصممة على المقاس… وهذا يعني أنه إذا لم تستطع القوانين الداخلية أن تحد من الفساد، فالمدخل السياسي يبقى أهم عنصر  في محاربة هذا الفساد.

السؤال الخامس:  أين تتجلى أهمية المدخل السياسي في مكافحة الفساد؟

الجواب: نحتاج في محاربة الفساد، إلى التأكيد على دور المدخل السياسي وأهميته، وهو يشكل خطوة إضافية في توصيف ظاهرة الاعتداء على المال العام، وذلك من خلال التعامل مع الفساد كإفراز وانعكاس للاختلالات المجتمعية، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بدل الاكتفاء بإبراز الفساد كمشكلة اقتصادية بحثة، ذات طبيعة حيادية لا تتعلق بخيارات المجتمع وسياساته العامة. كما أن مكافحة الفساد ليست بالعملية التي تتصف بالسهولة، وخاصة إذا بلغ حدا معينا من التشابكات المعقدة بين عدة أطراف حكومية وغير حكومية، وفي هذا التوجه يمكن إعادة التأكيد على صوابية المعالجة الشاملة لظاهرة الفساد التي تستحضر المدخل السياسي والشرط المجتمعي وتفكيكهما، لفهم عمق ظاهرة الفساد الممارسة في أغلب دواليب الإدارة.

إن أهمية المدخل السياسي في محاربة الفساد وتضييق شرايينه، يتجلى في صناعة سياسات وقوانين لا تسمح بوجود ثغرات لممارسة الفساد، وتضرب بيد من حديد على كل المفسدين والعابثين بحرمة المال العام، وهذا ما يجعل من فكرة أن تبني أية آلية أو إحداث أي تغيير مؤسساتي بهدف مكافحة الفساد هو في النهاية قرار سياسي.

الإصلاح

-*-*-*-*

ذات الصلة:

في اليوم الدولي لمكافحة الفساد، الأمم المتحدة ترفع شعار “التعافي تحت راية النزاهة”

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى