فضل الإحسان إلى الجار وحسن التعامل مع الناس – الحبيب عكي

من المفارقات الغريبة، أنه بقدر ما يعاني المسلمون من آفات عديدة تجعل من حياتاهم مضطربة في العديد من الجوانب وغير عادية في الجوانب الأخرى، وبقدر ما تستوجب منهم معالجتها من بين ما تستوجب مد جسور التواصل والمحبة والأخوة، وربط حبال الود والتشاور والتعاون كما في قوله تعالى:” وتعاونوا على البر والتقوى” ، بقدر ما قد تجدهم بعيدين عن مثل ذلك ومداخله فبالأحرى حوامله ومسالكه.. إطاره وبرامجه.

فهؤلاء قد تجدهم ينفون عن الإسلام كل شيء تشتم منه رائحة المقاومة والجهاد، وهو ذروة سنامه التي تتحقق لهم به النصرة والعزة، وهؤلاء ينفون ويحاربون كل من دخل في تنظيم أو أي ائتلاف يحاول توحيد المشاعر والجهود وهدم خنادق الفرقة والحدود.

وهكذا تفشت الفرقة والطائفية والمذهبية والعصبية بين الناس حتى في الحي الواحد وفي البيت الواحد فبالأحرى الوطن الواحد والأمة الواحدة، حتى لكأنك قد تجد المسلمين في أي بيئة كبيرة أو صغيرة لا  يكادون يتفقون على شيء ولو تيقن لهم أنه شيء مهم سيؤدي بهم إلى طريق الرفعة والتحرر والنهوض بهم وحماية أنفسهم وأبنائهم ورد كيد الأعداء عنهم وعن بلدانهم، بل بالعكس قد تجد منهم من يذهب مع ذلك العدو في مخططه وحروبه التي يخوضها ضد الأمة أو ضد جزء منها، إن لم يخضها هو نيابة عنه غطرسة وبالمجان.

فتجد دولة إسلامية تقود حربا عشواء ضد جارتها المسلمة المسالمة، وهو منكر وفظاعة هذا العصر الحديث كما حدث بين إيران والعراق، وبين العراق والكويت، وبين السعودية واليمن، إلى التدخل السافر للبيترودولار في سوريا وليبيا والسودان ولبنان وغيرهما من دول الربيع العربي الثائر الهادر، و كما يقال، الحروب تبدأ من العقول والمشاعر قبل المصالح والأوطان.

 أيها السادة، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع قد أوصانا بالسمع والطاعة والبيان والشهادة “اسمعوا مني أبين لكم.. ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد”، ألم تكن توجيهاته الربانية صلى الله عليه وسلم لتقينا وتنقدنا من هذه المعضلة الكبرى والطامة المعاصرة وهو يرسي قواعد التعامل السليم والعادل بين الناس و يقول:

1-“أيها الناس، إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد” ؟.

2- أيها الناس، إن ربا الجاهلية موضوع، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن مآثر الجاهلية – يَعني أعمالها- موضوعة، أعمال الجاهلية كلها موضوعة، وقد أحسن التعبير عنها “جعفر بن أبي طالب” أمام الملك الحبشي “النجاشي” فقال: ” أيُّهَا الْمَلِكُ؛ كُنَّا قَوْمًا أهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلَ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ.. حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وَأمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ… وَأَمرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهانَا عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَّعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ… فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ…وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ”؟.

3- أيها الناس، إنَّ الشيطان قد يئسَ أن يُعبدَ في أرضكم، ولكنه قد رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. يعني من أعمال الجاهلية من الوأد والسبي.. إلى السحر والشعوذة.. إلى الخمر والميسر.. إلى السفور والميوعة.. إلى النشل والاستلاب.. إلى التحرش والزنا.. وغير ذلك من الشرك وعبادة الأصنام والشهوات؟.

4- أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حقٌّ؛.. وحقكم عليهن ألا يُوطِئنَ فُرُشَكم غيرَكم، ولا يُدخِلنَ أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم،.. فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهنَّ خيرًا، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

5- أيها الناس، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحد، كلكم لآدمَ، وآدمُ من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عَجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

6- أيها الناس، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، من ادَّعى لغير أبيه، أو تَولَّى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين..

وقد استهلت الخطبة نفسها، بقوله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس، اسمعوا مني أبيِّن لكم، فإني لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في مَوقفي هذا”، دلالة على وجوب استحضار بعد الآخرة في أمركم، فالموت يترصدكم في كل أمركم، وكفى بالموت واعظا.. وكفى بالموت مقوما.. قد يكون المرء يتغلب على خصمه قوة جسدية أو حجة لسانية أو عصبية قبلية أو تنفذا ومسؤولية..، ولكن الله لا تخفى عليه خافية، ولا يقبل من الظالم صرفا ولا عدلا، وكل ظالم عنده ضعيف حتى يقتص منه، وكل ومظلوم ضعيف عنده قوي حتى يقتص له، وكلهم ملاقيه يوم القيامة فموفيه حسابه.

منظومة تربوية وتدبيرية محكمة ومتكاملة ينبغي على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يطبقها مع نفسه ثم مع أهله وأبنائه فجيرانه ومعارفه الأقرب فالأقرب، قال تعالى: ” واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار الجنب والصاحب الجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم” النساء/ 36. الجار ثلاثا كما يقال:

  • من له حق واحد، وهو الجار غير المسلم وله حق الجوار والمواطنة بغض النظر عن الدين والمعتقد.
  • من له حقان، وهو الجار المسلم وله حق الجوار وحق الإسلام.
  • ومن له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم من ذوي القرابة، وله حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة.

وكيفما كان الجار، فقد ربط رسول الله واجب الإحسان إليه بمدى وجود الإيمان في صاحبه أو عدمه فقال: “والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن.. من لا يأمن جاره بوائقه. ” يعني شروره. كما رفع صلى الله عليه وسلم من قدر الجار حتى كاد يجعله للمرء وارثا فقال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” حديث صحيح.

هذا وقد جعل إذاية الجار مما يحرم صاحبه الجنة فقال في امرأة تذكر بكثرة صلاتها وصدقتها وصيامها إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: “هي في النار”، وفي امرأة عكسها تماما قال:” هي في الجنة”، والعجب العجاب أن يجعل رسول الله نفسه حاميا للجار فيقول: “من أذى جاره فقد أذاني.. من حارب جاره فقد حاربني”، وطبعا من حارب رسول الله فقد حارب الله وأن له قبل بذلك.

كيف تحسن إلى جارك في دوائره المتعددة وتؤدي بعض حقوقه الممكنة؟ بادره بالسلام وعش معه في سلام، ائتمنه من بوائقك يعني من شرورك، أجب دعوته إذا دعاك، شاركه أفراحه وأتراحه، احفظ أسراره، رد عنه الغيبة والنميمة في حضرتك، اسأل عنه عند غيابه وعده في مرضه، ساعده عند حاجته إذا كان في مقدورك، احترم عورته من النساء والبنات فهي من أعظم أنواع الزنا والبوائق، رب أولاده وانصح لهم بالخير كما تنصح لأولادك، لا تؤذيه بأزبالك أمام داره، أطعمه مما تيسر من مطعمك وفكهه من فاكهتك، ولا تؤذيه براحة شيك ولا بصراخك ولا مذياعك وتلفازك، تعاون معه على الممكن من أعمال البر والتقوى، اصبر على أذاه ما استطعت، لا تحرمه مما قد يتيسر لك من جلسات العلم وموائد العلماء.

وكيف لا تحسن إلى جارك وفي العديد من أحيائنا تتفشى الكثير من الثقافات والسلوكات الغريبة عن قيما وعاداتنا وكلها تنشر العديد من الظواهر الغريبة والمضرة بأبنائنا من فراغ، وبطالة وتهميش وفقر وهشاشة وجهل وانحراف وتنمر و”تشرميل” وعصابات ومخدرات وميوعة ولامبالاة ومكائد وخصومات وتطبيع مع مظاهر التخلف، ولا يمكن الحد من خطورة امتداد هذه الظواهر إلا بجهود الغيورين من أبناء الحي في إطار مدني متعاون سيعمل ليس فقط على التحسيس بخطورة هذه الآفات التي تقوض أسس العيش الكريم والسليم بيننا، بل أيضا إعطاء البدائل الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية اللازمة والممكنة بدل مجرد التشكي واليأس والانتظار.

إذن فالجوار فعلا، أهم مشروع وأفضله للحركة والتأطير والترافع والتدافع على مستوى الحي مهما كان التفكير وطنيا أو عالميا، فالحي يستوعب الجميع من أجل الجميع، فيا أيها المتعثرون في مشاريع القبلية المقيتة والمتخندقون في الصراعات الحزبية المفلسة، جربوا الاشتغال في ودادية الحي وجمعيته المدنية عندما تكون من الحي وإليه، شعارها خدمة الحي أولا، عبر إحياء فضائل التعايش المشترك بين الناس وقيم التربية على المواطنة والسلوك المدني، عندما تقوم بحملات التحسيس والنظافة والتشجير والتضامن الاجتماعي وغير ذلك من قضايا الحي واهتمام الجار براحة جاره.

الجار الإنسان والأهل والأبناء، الجار المنزل والإقامة، الجار الفضاءات والمؤسسات، إلى الجار الحي والمدينة، والجار الجهة والوطن، والجار القطر المجاور والقارة الجارة، دائما هناك قيم كونية وقضايا عادلة يمكن التعاون عليها بمفاهيم العالم القرية الصغيرة وبمفاهيم “خير الناس أنفعهم للناس” ومفاهيم “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، إلى مفاهيم” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” أخرجه مسلم. إلى مفاهيم “والله لأن يمشي أحكم في قضاء حاجة أخيه خير له من صيام شهر ومن الاعتكاف في مسجدي هذا شهرين” رواه الحاكم.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى