فرحة مستحقة: دروس بليغة ومعاني رفيعة وإشارات بديعة

بسم الله الرحمٰن الرحيم

عاش المغاربة البارحة مساء يوم الثلاثاء فرحة عمَّت صغيرَهم وكبيرَهم، رجالَهم ونساءَهم، مَلكَهم وشعبهم. وهي فرحة مُستحقّة لما تُمثِّله للمغاربة من إنجاز انتظروه منذ عقود، فجاءت اللحظة التاريخية التي تَجسَّد خلالها مجهود فريق من الشباب الخلوق المتألق والطموح، بقيادة مدرب وطني كفء نشأ في رحم هذا الشعب، وآمن بقدرات فريقه وعطاءاتهم وإمكاناتهم. وهي مناسبة للوقوف عند هذا الحدث الرياضي واستخلاص ما فيه من دروس وعبر بليغة، ومعاني وقيم رفيعة،ومن إشارات بديعة، حَرِيّ بنا وبكل راغب في تحقيق نجاح وتقدم في باقي ميادين الحياة ومجالاتها، أن يستحضرها ويبني عليها:

  1. النصر: اتخاذُ أسبابٍ وتعلق بالله وتوكل عليها

ذلك ما أظهره السلوك الفطري الذي عبر به المنتخب الوطني عند فرحته بالفوز، وهو السجود بين يدي الله، كما جسّده الدعاء الذي تناقلته شاشات التلفاز من اللاعبين والمشجعين بالتوفيق والنجاح للمنتخب المغربي، بل ويعبر عنه مفهوم “النية” الذي دعا الناخب الوطني فريقَه للتحلي به واستحضاره، وهو مفهوم بليغ في الثقافة المغربية، يُعبّر عن تمثلات المغاربة للحضور الغيبي في عالمهم المادي، أي الاعتقاد الجازم واليقين الصادق في عون الله وتوفيقه بعد الأخذ بالأسباب والاستعداد والإعداد، وفي هذا يقولون في المثل الدارج “دير النية وبات مع الحيّة”. فهي إذن مفاهيم تثبت رسوخ القيم المرجعية الرفيعة في قلوب المغاربة وعقولهم، وإيمانهم العميق والثابت بدينهم، وحضور كل ذلك في تصرفاتهم وعلاقاتهم، وفي مختلف مجالات حياتهم.

  1. الطموح:إيمان بالقدرة على الإنجاز وإرادة قوية للفعل

جسّد ذلك مفهوم الحُلم الذي عبّر عنه المدرب الوطني المغربي، فقد زرع ببساطة أسلوبه وقوة إيمانه طموحا لدى أفراد الفريق من خلال تعزيز إيمانهم بالقدرة على الإنجاز والنجاح، والفوز في مباريات صعبة حظوظ المنتخب المغربي فيها ضعيفة على الورق. لكنّ الإيمان بالقدرة على تحدي الصعاب خَلق الفارق، وولّد لدى عناصر الفريق المغربي تركيزا في الميدان، وقوة واستماتة في الدفاع على القميص الوطني كل من موقعه وثغره. وهي رسالة تؤكد أن الإرادة القوية، والجد في العمل، والتحفيز الصادق والقاصد، عوامل من شأنها المساهمة في شحذ الهمم والعزائم وفي الصبر على المشاق لصناعة الفارق في ميادين التضحية والبذل والعطاء، وتحويل الحلم إلى إنجاز وحقيقة في الواقع.

  1. الوطن:حب واستعداد للتضحية من أجل رفعته

تمثل ذلك في الروح “القتالية” بمصطلح الرياضيين، التي أبان عنها المنتخب في ساحة الميدان، حيث الرغبة والحب الشديدان للانتصار والاستماتة في الدفاع عن”القميص” الذي يرمز للوطن. وقد عبر عن ذلك أيضا الجمهور الذي آزر المنتخب هناك، والشعب الذي عاش معه بكل وجدانه هنا، في مدن المغرب وقراه ومداشره.. كما عبر عن ذلك بعض اللاعبين الذين اختاروا تمثيل بلدهم المغرب،بدل حمل قميص بلد المهجر الذي ترعرعوا ونشأوا فيها. وفي كل هذا تأكيد لحقيقة الروح التي تسري في جسد كل مغربي وتعبير عن استعداد المغاربةلخدمة وطنهم والدفاع عن ثوابته، والسعي لنهضته كل من موقعه وفي مجال فعله؛ بوطنية صادقة وإرادة قوية من منطلقات الهوية والمرجعية الوطنية، خاصة إذا أزيحت من أمامه عوامل التثبيط وقتل الإرادة والعزيمة من فساد وتغييب للكفاءات والطاقات.

  1. الأسرة: بناء متين بالمودة والرحمة والمسؤولية

كان في حضور أفراد أسر اللاعبين لمؤازرة أبنائهم إشارة بديعة وإضافة نوعية في هذه المحطة الرياضية، أبانت عن مقدار التضحيات والجهود التي يعبّر الأبناء عن تلقّيهامن آبائهم وأمهاتهم، والدورالمسؤول لأسرهم في دعم مساراتهم ونجاحاتهم، وأظهرت مقدار بر الأبناء بالوالدين تجسيدا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ.» ([1])،

إن في تقبيل رؤوس الآباء والأمهات صورا بديعة معبرة عن طبيعة العلاقة المتينة التي تربط المغاربة بوالديهم وأسرهم، وعن حضور الأسرة ومكانتها في وجدانهم.وهي قيم رفيعة ودروس بليغة،ورسالة لكل من يسعى جاهدا في تقويض بنية الأسرة المغربية القائمة على الأسس والقيم الإسلامية، بأن الأسرة كانت وستظل ذلك البناء المتين بالمودة والرحمة،الصامد بروح المسؤولية؛الذي لن يُهدّ أمام دعوات التفكيك والتهوين من مكانتها ووظيفتها في التنشئة والتربية ونهضة الوطن وتماسكه واستقراره. وهي رسالة أيضا للذين يجتهدون في الأخذ بأسباب الأرض ويُقصّرون في الأخذ بأسباب السماء، أن الله سبحانه وتعالى يبسط للمرء في رزقه بصلة الرحم، فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سرهُ أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه»([2])، البسط في الرزق بمعناه الواسع الذي يدخل فيه نجاح المرء وتيسير سبل ذلك له.

  1. فلسطين: قضية وطنية حاضرة في عمق التاريخ والوجدان المغربي

إن حضور علم فلسطين والشعارات المساندة لشعبها، رسالة للمطبّعين الذين يمنّون النفس بضمور قضية فلسطين في قلوب المغاربة، ويعتقدون أن ما وقع من تطبيع مرفوض سيُنسي الشعوب قضاياهم وقضايا أمتهم، وسيسهل مأمورية الكيان الصهيوني في اختراق عقولها وقلوبها كما اخترق بعض ساستهم. فقضية فلسطين كانت وستبقى قضية “وطنية” ثابتة لدى المغاربة إلى جانب قضيتهم الأولى الصحراءالمغربية، ورفع العلم الفلسطيني من طرف اللاعبين والجمهور المغربي والأهازيج والشعارات المساندة للقضية رسائل تؤكد أن قضية فلسطين راسخة في وجدان المغاربة، وثابت من ثوابتهم وعنصر من عناصر هويتهم. فهل يلتقط المعنيون هذه الإشارات البديعة لمراجعة حساباتهم والرهان على شعوبهم في التحرر والاستقلال والتقدم.

  1. الإسلام والعروبة:مقومات انتماء عريق ومكونات انصهار عميق

تابع كافة العرب والمسلمين إلى جانب المغاربة نجاحات المنتخب المغربي بكل فخر واعتزاز، فإطلالة عابرة على القنوات العربية والمواقع الإلكترونية تكشف عن حجم الفرح الكبير، والمؤازرة العالية من جماهير الأمة للمنتخب المغربي، وفرحهم لفرحنا وسعادتهم بسعادتنا، في فلسطين وقطر واليمن والسودان ومصر والجزائر. وهو ما يعرّي ويكشف الحملات المغرضة والمعزولة التي تحاول صنع عداوات بين الشعوب العربية والإسلامية، فالأمة جسد واحد وقلب واحد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ؛ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى»([3]).

لقد سعد المغاربة والعرب وعموم المسلمين بهذا الفوز التاريخي الذي صنعه جيل من الشباب المتعلق بربه، والمعتز بوطنيته، والمؤمن بقدراته، وهي محطة تبعث الأمل في غد تمتد فيه النجاحات في كافة مجالات الحياة ومن منطلق القيم والثوابت التي جسدها هذا الجيل في هذه المناسبة الرياضية العالمية.

فهنيئا للمغاربة بهذا الانتصار الذي نسأل الله أن يستمر ويتواصل، وهنيئا لنا بهذه القيم السامقة المؤسسة للنصر والجالبة للخير والفرح في مختلف المجالات، وما أحوجنا للنية الخالصة وللمعقول والثقة في إمكاناتنا من أجل مغرب متقدم ورائد في مختلف المجالات والميادين الميادين وعلى كلّ الأصعدة.

 

 

[1]الراوي: عبدالله بن عمرو،المحدث: ابن حبان،المصدر: بلوغ المرام، الصفحة أو الرقم: 4344 ، خلاصة حكم المحدث: صحيح، التخريج:خرجه الترمذي (1899)، وابن حبان (429)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7830) واللفظ له.

[2]البخاري الفتح10(5986) ومسلم (2557).

[3]الراوي:النعمان بن بشير،المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم:5849، خلاصة حكم المحدث: صحيح، التخريج: أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586) واللفظ له.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى