مقالات رأي

طائرات التطبيع ومسيرات المقاومة – أحمد أبو زهري

استطاعت المقاومة الفلسطينية امتلاك سلاح جديد مكّنها من النهوض بالقدرات الجوية بحيث تستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بـ”طائرات مسيرة” أعلن عن امتلاكها فعليًّا في عام 2014 أثناء معركة العصف المأكول، وقد ظهرت في مسرح عمليات المقاومة وهي تنفذ مهمات متعددة، كان منها تنفيذ طلعات جوية بغرض التصوير والاستطلاع فوق أهداف العدو، فقد حلقت طائرات “أبابيل” فوق مقرات للجيش الإسرائيلي والمدن المحتلة وأهداف استراتيجية مختلفة.

إسرائيل” بدورها عدّت الأمر سابقة خطرة وتطورا غير عادي في طبيعة الأسلحة التي تمتلكها المقاومة، ما دفعها لتغيير استراتيجياتها القتالية لتناسب التحدي الجديد كون المسيّرات يمكنها الوصول لكل الأهداف في ظل انكشاف القوات أمامها وتعرضها للخطر الشديد، لذلك وضع سلاح الجو في حالة تأهب لمتابعة هذه الطائرات طوال المعركة، وطلب من الجنود الانتباه للسماء، والتخفي قدر الإمكان، وإطلاق النار على هذه الطائرات.

وقد أعلنت كتائب القسام امتلاكها هذه الطائرات التي أطلقت عليها “أبابيل” مؤكدة أنَّ هذه الطائرات تم تصنيعها وتطويرها بمعرفة مهندسيها، مبينة أنَّ هذه الطائرة تحمل ثلاثة نماذج وهي A1A ذات مهام استطلاعية، وA1B ذات مهام هجومية، وA1C وهي ذات مهام هجومية انتحارية، وعرضت مشاهد حصرية التقطها هذه الطائرات أثناء مهماتها فوق الأهداف الإسرائيلية.

في حين أعلن جيش الاحتلال عن تمكنه من إسقاط إحدى هذه الطائرات بصاروخ، ويأتي ذلك في سياق حرص الجيش على إثبات جاهزيته أمام التهديد الجديد، وإظهار قدرته على مواجهة خطر المسيرات التي تمتلكها المقاومة، وإرسال الرسائل بأن الاحتلال لن يسمح بمرور هذه الطائرات وسيفشل مهامها، لكن المقاومة أحبطت أهدافه تماما، وواصلت مهماتها الاستطلاعية وطورت من أداء هذه الطائرات حتى أصبحت مصدرا للقلق والخوف لدى الجنود، هذا في ظل إدراك الاحتلال بأن القسام ما يزال يبذل جهودا كبيرة لتطوير تقنيات وإمكانات هذه الطائرات استعدادا لأي مواجهة قادمة.

وقد كشفت كتائب القسام جانبا خفيا من مشروعها الخاص المتعلق بتصنيع وتطوير طائرات بدون طيار من خلال تحقيق خاص بثته الجزيرة في برنامج ما خفي أعظم، وظهر في هذا التحقيق مشاهد حصرية للشهيد المهندس (محمد الزواري) يشرف على المشروع إلى جانب خبراء آخرين من القسام في قطاع غزة، الزواري هو مهندس تونسي تطوع للعمل في صفوف كتائب القسام، ونقل خبرات نوعية للمقاومة، وساهم في تطوير المشروع وتدريب العشرات.

وعدَّ الاحتلال أن دور الزواري خطر، ووجوده في غزة أصبح مهددا حقيقيا شكل خرقا لموازين القوى في الحرب الدائرة بين المقاومة والاحتلال، وأنه بات من الضروري وقف نشاطه وتعطيل مشروعه، ليقرر العدو تصفيته من خلال فرقه الخاصة التي تزرع الإرهاب في المنطقة والعالم، عبر إطلاق النار عليه بواسطة مسدسات كاتمة للصوت أمام منزله بمنطقة العين بصفاقس، وذلك في 15 ديسمبر كانون الأول 2016، وقد حملت حركة حماس الاحتلال المسؤولية الكاملة عن اغتياله.

المشهد نفسه تكرر في الجنوب اللبناني فقد نجحت مؤخرا طائرة مسيرة تابعة لحزب الله في اختراق أجواء الاحتلال ونقلت صورا ومقاطع خاصة أظهرت قاعدة (رويسات العلم) في مزارع شبعا المحتلة، وموقعا عسكريا سريا آخر يسمى (ثكنة براينط)، وقد حدث ذلك في ظل حالة الاستنفار القصوى التي يعيشها العدو في جبهة الشمال، ويأتي ذلك بعد تنفيذ الاحتلال لمناورة ضخمة حملت اسم (السهم الفتاك) والتي كانت تحاكي حربا متعددة الجبهات، وكان من أبرز أهدافها منع منظومات الطائرات الدرونز من تجاوز الحدود.

يأتي ذلك في ظل سعي أنظمة عربية للتطبيع مع الاحتلال وفتح الأجواء أمام سلاح الجو الإسرائيلي، وإبرام التفاهمات نحو تبادل الرحلات الجوية المختلفة من وإلى الكيان الإسرائيلي في إطار التعايش وتعزيز فرص السلام، لتصبح المطارات العربية ممرا للقتلة والمجرمين، وتنتقل الأجواء لتكون طريقا للعدوان، وفرصة لشن الهجمات على بلدان عربية وإسلامية، بعدما كانت محرمة عليهم.

وفي السياق، فإن مراهنة العرب على التقارب مع الاحتلال لن تحقق الحد الأدنى من طموحاتهم السياسية، فـ”إسرائيل” لا تقاتل نيابة عنهم وليست مستعدة لخوض حروب بالإنابة، ويمكنها التخلي عن حلفائها العرب في أي لحظة حين تتبدل الأولويات لديها، والطائرات الصهيونية لن تتردد في قصف أي هدف عربي يشكل تهديدا لمصالحها، كما أنها ليست معنية بتقوية هؤلاء الحلفاء؛ لذلك ستمنع أي صفقات سلاح يمكن أن تزيد قدرات العرب سواء الجوية أو غيره.

بينما ستبقى المقاومة ماضية في مشروعها التطويري للمعدات والأسلحة وعلى رأسها سلاح الجو حيث الطائرات المسيرة، دون أن تلتفت لحالة الانبطاح العربي، مستعينة بتوفيق الله ثم بعقول فلسطينية وعربية ساهمت وتساهم في تعزيز قدرات المقاومة، كون المقاومة هي الأمل والملاذ الصحيح للانعتاق من الاحتلال والتخلص من سطوة ووصاية الاستعمار، لذلك فالأبواب مفتوحة لكل من يريد أن يلتحق بالركب ليزيد من زخم هذا المشروع الذي يشكل تحديا مزعجا وتهديدا مباشرا للاحتلال.

 

ملحوظة: “مقالات رأي المنشورة على موقع الإصلاح لا تعبر بالضرورة عن رأي الجهة الناشرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى