مقالات رأي

رؤية المفكرين والفلاسفة لحقيقة صوم رمضان – عبد الرحيم مفكير

يعتبر الصوم عبادة من أسمى العبادات وأجلها؛ فهو مدرسة روحية لتهذيب النفس والحث على الفضائل السامية، وغرس القيم النبيلة، كما أنه شعيرة قديمة وجدت في كل الأديان سواء كانت أديان وضعية أو سماوية فهو ليس مجرد الجوع والعطش والحرمان من الملذات، وليس أيضًا فلسفة للوصول إلى خرق العادة كما هو موجود عند بعض أصحاب الديانات الوضعية، كما أنه لا يمت إلى نظرية اللذة في الألم بأي صلة.

فكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإن الله أفرد له الأجر العظيم والمكانة الرفيعة، ومن غاياته التقوى، والتربية والتهذيب والتماسك بين الفقراء والأغنياء، والإحساس بالجوع ومعاناة المهمشين والذين لا يجدون قوت يومهم، وفيها ليلة أفضل من ألف شهر.

وشهر رمضان، شهر الصيام، والقيام، والصبر، والتقوى، والبذل والعطاء، والجود،وكان فيه نبينا عليه السلام أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، وفيه تقام صلاة التراويح، ويختم المسلمون كتاب الله، ويتدبرون معانيه، ويعكفون عليه قراءة وتفسيرا وتدبرا وقياما. وتحس تغيرا في حياة الناس وعاداتهم، حيث نصبح أمام صورة مصغرة لمجتمع الرحمة والتضامن والتماسك، ويتغلب فيه الكثيرون عن شهواتهم وعاداتهم السيئة، وتكثر فيه صلات الرحم. وهو مناسبة لتجديد الصلة بالخالق سبحانه والتقرب إليه بالطاعات والطمع لما فيه من الأجر والثواب.

وفي رمضان اجتمعت عبادات وقربات ففيه الصلاة، والصوم وسنة القيام، والصدقة، وزكاة الفطر، وصلة الرحم، وتعهد القرآن، والمحافظة على الجماعة، وصلاة العيد، والتزين بأحسن اللباس، وتزين المساجد، والإكثار من النوافل، وغيرها من أعمال البر.

وسنقف على بعض أقول المفكرين والفلاسفة ورؤيتهم لحقيقة صوم رمضان، ومنهم مصطفي صادق الرافعي،ومحمود عباس العقاد-وعلى عزت بيجوفيتش، ونبين أسرار وحكمة صوم رمضان عند بعض الفلاسفة المسلمين الإمام أبو حامد الغزالي، والفيلسوف ابن سينا.

الصوم ثورة روحية عند الرافعي

كان ذلك حديث الرافعي عن صوم رمضان في أشهر كتبه (وحي القلم) ولقد أطلق تعبير يحمل دلالات كثيرة، ومعانٍ غزيرة أنه تعبير الثورة، بما تحمله من تغيير في السلوك والأخلاق، فالصوم من وجهة نظر الرافعي ثورة روحية لما يتضمنه من تهذيب للنفس، وجعل الناس سواسية ومتساوون، يصبغهم بشعور واحد، ومشاعر واحدة، يصمون في وقت واحد، ويفطرون في وقت واحد، وهذا له دلالة واحدة وهي المساواة والشعور بحالة نفسية واحدة، تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح، يعلم الرحمة ويدعوا إليها، فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة وهي تلك التي بها يحدث مساواة الغني بالفقير، ومن هنا الصوم يحدث الهدوء النفسي، ويهيأ الأرواح لتتخلص من علوقها الأرضي متجهة إلى عالم أقرب وأطهر وأسمى، متخذه لطاقتها معراجا تعرج به نحو السماء.ليس هذا فحسب بل يصف الرافعي الصوم بتعبير بليغ وبياني رائع يأخذ بالألباب، ويعطي القلب شحنة إيمانية تسري في الوجدان.

هذا التعبير هو أن الصوم فقر إجباري: وفي هذا السياق فالصوم فقر إجباري لأن الرافعي يرى أن هذا الحرمان من الطعام والشراب ومن شهوات الجسد ليس المقصود منه تعذيب النفس الإنسانية أو قهرها إنما شرع لغاية اجتماعية أعظم، فهو يجعل المرء يجوع ويترك شهوته لكي يحقق المساواة والوحدة بين أفراد الأمة.

إن الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضا ليتساوى الجميع في بواطنه سواء منهم من ملك المليون من الدنانير ومن لم يملك شيئا.

ليس هذا فحسب بل هو فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، إن الحياة الصحيحة هي التي يتساوى فيها الناس في الشعور. وتتعدد فوائد الصوم ولعل من أبرز هذه الفوائد هو وجود ألم في عملية الصوم، والذي يراه الرافعي له سر عظيم، هذا الألم النفسي والجسمي الناتج عن الامتناع عن الطعام والشراب إنما هو منشأ الرحمة. ولذا فإن من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم للصوم. ويعرج الرافعي بعد ذلك للحديث عن شهر رمضان المعظم الذي له مكانة كبيرة في قلوب المسلمين، لا ينازعه في هذه المكانة أي شهر آخر، ولما لا وهو الشهر الوحيد الذي ذُكر في القرآن، ونزل فيه القرآن، وبه ليلة هي أعظم ليلة من ليالي الدنيا وخير من ألف شهر، وهي ليلة القدر.

ويصف الشهر بقوله إن أيامه قلبية في الزمن، كما أن أيامه هي بمثابة ثلاثين حبة تؤخذ كل سنة لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم. ولعل من أبلغ العبارات والوصف الجميل عند الرافعي هو الحديث عن رؤية الهلال وما له من فرحة غامرة تسيطر على النفوس، وتشيع في القلوب الفرحة، وكيف أن رؤية الهلال هي تثبيت للعزيمة وإعلاء من شأنها، واستعداد لبداية الكفاح من أجل صوم هذا الشهر الفضيل.  وفي نهاية الحديث عن الصوم عند الرافعي نرى أنه يقوي العزيمة، ويهذب النفس ويقوي الروح، ويعلم الصبر.

الصوم وتجلياته عند العقاد

لعلنا نشير هنا إلى أن العقاد كتب عن صوم رمضان وهذا الشهر في: عدد رمضان من مجلة الهلال عام 1955، وفي كتابه (الإسلام دعوة عالمية) يشير فيه إلى أن حكمة الصيام في الأديان الكتابية كانت محصورة في أغراض معدودة، وهي تعذيب النفس والتكفير عن الخطايا والسيئات، وتربية الأخلاق على نحو من الأنحاء. أما الدين الإسلامي فهو الدين الكتابي الوحيد الذي فرض كتابه الصيام فترة معروفة من الزمن على نحو معروف من النظام.

ولا خلاف بين الأئمة أن الحكمة المقصودة بهذه الفريضة هي تقويم الأخلاق وتربيتها، ومن هنا فان الخلق الذي يعم الأغنياء والفقراء ويستفاد من فريضة الصوم هو الإرادة، فالإرادة لأزمة في كل تكليف وفي كل تبعة وفي كل فضيلة، فلا قوام للفرائض والفضائل جميعا بغير هذه الإرادة. وهي لازمة للفقير لزومها للغني. ومن هنا يصف العقاد شهر رمضان بالفريضة الاجتماعية، وأن أدبه أدب الإرادة، وحكمته حكمة الإرادة، والخلق في الدين، وأن الخلق يجب أن يكون له تبعات وتكاليف، وأن من ملك الإرادة فأن زمام الخلق بين يديه. وأن رمزية شهر رمضان أنه فريضة اجتماعية على آحاد المكلفين، وهو موعد معلوم من العام لترويض الجماعة على نظام واحد من المعيشة، وعلى نمط واحد من تغيير العادات، وليس أصلح لتربية الأمة من تعويدها على هذا النظام وتغيير العادات شهر في السنة تتلاقي فيه على سنن واحدة في الطعام واليقظة والرقاد.

الصيام التزام اجتماعي عند بيجوفيتش

في كتابه الشهير (الإسلام بين الشرق والغرب) يشير بيجوفيتش إلى أن المسلمين اعتبروا الصوم خلال شهر رمضان مظهرًا لروح الجماعة، ولذلك فأنهم حساسون لأي انتهاك علني لهذا الواجب، فالصيام ليس مجرد إيمان، وليس مجرد مسالة شخصية تخص الفرد وحده، وهذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان الأخرى.

الصوم في الدين الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة، إنه مظهرًا من مظاهر الالتزام الاجتماعي. ويقول عن تجربته الشخصية مع الصوم أنه قضى في سجن فوتشا ذي الجدران العالية مدة ست سنوات، كان يشعر أن حالته تسوء عندما يتغذى جيدًا، وأن الجوع كان يساعده على رفع المعنويات بشكل أفضلمن هنا فالصوم له أسرار عظيمة وفوائد كثيرة لعل من أبرزها هو محاولة سيطرة الروح على الجسد، ومن هنا يدعو بيجوفيتش الأمة أن تتبنى تجربة الصوم في أيام معدودة، في حياتها بأسرها لكي تحقق النظام والمحافظة على الصلاة وتعلم الصبر واليقين.

لقد اعتبر المسلمون الصوم خلال شهر رمضان مظهرا لروح الجماعة ولذلك فإنهم حساسون لأي انتهاك علني لهذا الواجب، فالصيام ليس مجرد مسألة إيمان، ليس مجرد مسألة شخصية تخص الفرد وحده، وإنما هو التزام اجتماعي، هذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان.. إن الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة بل حتى المتعة في حالات معينة، إنه أكثر الوسائل التعليمية ــ طبيعية وقوة ــ التي وضعت موضع الممارسة الإنسانية إلى يومنا هذا.

الصوم يمارس في قصور الملوك وفي أكواخ الفلاحين على السواء في بيت الفيلسوف وفي بيت العامل وأعظم ميزة فيه أنه يمارس ممارسة حقيقية.

  • الصيام في سجن فوتشا الرهيب:

ويمضي بيجوفيتش في سرده الرائع لمعاني الصيام وأسراره وأثاره الإيجابية التي يجب أن تنعكس في واقع الفرد والجماعة حيث يقول متحدثا عن تجربته الشخصية عن الصوم: (عندما قضيت في سجن فوتشا ذي الجدران العالية والقضبان الفولاذية ما يقارب ستة أعوام من ( 1983م ـ 1988م ) كنت في لحظات الاكتئاب التي تحيق بالإنسان في مثل هذه الأوضاع أشعر بأن حالتي تسوء عندما أتغذى جيداً .

الجوع كان يساعدني ويرفع معنوياتي دائماً وبشكل أفضل من أي أمر آخر، لأن الفراغ في الروح وامتلاء المعدة هي من أسوأ الاختلاطات لماذا الأمر هكذا؟ التفكير بهذا يمكن أن يؤدي إلى أن تعرف حقيقة الصيام الذي يمكننا أن نعرفه بقدرة إنسانية سامية فالإنسان والحيوان يأكلان ويتغذيان لكن الإنسان وحده يستطيع الصيام، فإذا كان الغذاء يتم بموجبه الاحتياج لبعض قوانين الطبيعة فالصيام أعلى تعبير عن الإرادة أي فعل الحرية من وجهة نظري فليس السبب الطبي هو المعنى الكبير للصيام.

  • محاولة لسيطرة الروح على الجسد:

لقد خلصت إلى قناعة بأننا يمكن أن نعرف الصيام أيضاً بأنه أوضح محاولة لسيطرة الروح على الجسد وهو الذي يحافظ على هذا النصر ويحميه ثم إننا يمكن أن نبحث في الصوم عن أسرار عظيمة ومعانٍ جليلة وفوائد جمة أخرى ولكنها تبدو مرتبة بشكل ظاهر، العلاقة بين الجسد والروح وسمو الروح هذا السمو يبقى من أول وأهم معاني الصيام.

  • تساؤلات تبحث عن إجابة:

 ولا يكتفي بيجوفيتش بسرد معاني وأسرار الصيام بل يطرح أسئلة هامة جدا عن غياب الآثار المرجوة للصوم فيقول: لقد كنت خلال السجن وبعد خروجي وأثناء رئاستي للجمهورية (البوسنة والهرسك) أتساءل: لماذا لا تكون شعوبنا الإسلامية التي تقوم صلاتها على النظافة وترتبط بالمراجعة الدقيقة للوقت مثالاً للدقة والنظافة؟!

ولماذا لا تصبح شعوبنا الإسلامية التي تصوم رمضان وتمتنع عن الطعام والشراب لمدة ثلاثين يوماً في العام مثالاً للمبدئية؟؟

لماذا لم تحولهم التجربة الصعبة والقاسية (صوم رمضان) خلال أربعة عشر قرناً من النظافة والدقة والمبدئية إلى طبيعة أخرى أو حتى إلى ذهنية دائمة؟! وبوضوح أكثر لماذا لم يتحول التزامنا بالنظافة والتوقيت الدقيق للصلاة والصبر على الجوع شهراً كل عام إلى التزام جماعي بالنظافة واحترام الوقت وإدراك أهمية الصبر في مختلف مجالات حياتنا؟!

الغزالي و أسرار الصوم

لعل من أبرز الفلاسفة المسلمين الذين تحدثوا عن الصوم وأسراره وفضائله هو الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” في الفصل الرابع من الكتاب تحت عنوان “أسرار الصوم”. يقول: “الحمد الله الذي جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة، وفتح لهم أبواب الجنة وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكينة، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها”. وفي هذا السياق يقسم الصوم إلى ثلاثة أقسام: 1-صوم العوام وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوات.

2-صوم الخصوص: وهو كف السمع و البصر و اللسان و اليد و سائر الجوارح عن الآثام.

3-صوم خصوص الخصوص: هو صوم القلب عن الهضم الدنية و الأفكار الدنيوية.

من هنا يتضح أن للصوم أقسام لعل أرفعها وأسماها درجة هو صوم خصوص الخصوص، لأن به يصوم المرء أن كل شيء ما عدا الله، ويتعلق القلب بالله، وتتطهر النفس من علائق المحسوسات. لذا يرفعه الغزالي على باقي أنواع الصوم.

الصوم دواء عند الفيلسوف ابن سينا

ابن سينا من الفلاسفة المسلمين الذين أعطوا للصوم اهتماما كبيرا ووصفه كعلاج ودواء في بعض الحالات المرضية. فهو يرى أن الصوم عبادة بالإضافة إلى كونه علاج ودواء أيضا، بل كان يفضل الصوم على الدواء ويقول إنه الأرخص ويصفه للغني والفقير. وكان يفرض الصوم ثلاثة أسابيع في كثير من الحالات الطبية والمرضية التي تعرض له. ويرى أن الصوم عاملًا مهما في علاج الجدري والزهري.

مما سبق نرى أن الصوم يمثل مدرسة روحية تهذيبية، يعمل على سمو الروح والأخلاق، ويغرس الفضائل النبيلة، ويطهر الروح والنفس، ويرقى بهما إلى معراج أرقى من المحسوسات.

———————————

هوامش:

مصطفى صادق الرافعي: وحي القلم.

العقاد: الإسلام دعوة عالمية، منشورات المكتبة العصرية،بيروت.

علي عزت بيجوفيتش: الاسلامى بين الشرق و الغرب،تقديم.عبد الوهاب المصيري،ترجمة.محمد يوسف عدس،دار الشروق،القاهرة،1980م.

الغزالي: إحياء علوم الدين،دار المعرفة،بيروت،ج1

 

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى