دروس و عبر من موقف النبي صلى الله عليه وسلم من قصة الصحابي ماعز بن مالك

*الحمد لله رب العالمين* و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين * و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، 

* ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته و التابعين، وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين.

* أما بعد، من يطع الله و رسوله فقد رشد و اهتدى، و سلك  منهاجا قويما    و سبيلا رشدا ومن يعص الله و رسوله فقد غوى و اعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه  و يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله نسمعكم اليوم قصة صحابي من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، قصة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف  لنا منها كلها دروس و عبر، إنها قصة الصحابي ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه، فقد روي أن رجلًا من الصحابة اسمه هزَّال كانت له جارية زنا بها ماعز،فهو الذي دفع ماعزًا إلى الاعتراف بجريمة الزنا. فلما أصرَّ ماعز على الاعتراف بجريمته رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ماعزًا كان مُحصنًاـ أي متزوجا ـ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَدَعِ الأمر يمرُّ دون أن ينصح ـ هزَّالاً – والأمةَ من بعده- قائلًا:‏ «وَاللهِ! يَا ‏هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ». ولكن هل علمتم معاشر المسلمين بأسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع خطيئة كبيرة كخطيئة ماعز؟.يروي بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه فيقول: جاء ‏ماعز بن مالكٍ ‏إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛فقال: يا رسول الله ‏ ‏طهِّرني،‏ ‏فقال:‏‏ «وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ». قال: فرجع غير بعيدٍ، ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله ‏طهِّرني،. ‏فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم:‏ «وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ». قال: فرجع غير بعيدٍ ثمَّ جاء؛ فقال: يا رسول الله ‏طهِّرني. ‏فقال النَّبيُّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏مِثْلَ ذلك حتى إذا كانت الرابعة،قال له رسول الله:«فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فقال:من الزِّنا فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى قوم ماعز وسألهم: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا».فقالوا:ما نعلمُهُ إِلاَّ ‏‏وَفِيَّ ‏ ‏العقل من صالحينا فيما نُرَى(نظن) يعني سأل‏‏صلى الله عليه وسلم(الحاضرين):‏«‏أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أنَّه ليس بمجنونٍ فقال: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فقام رجلٌ ‏فَاسْتَنْكَهَهُ(أي شمه) ‏‏فَلَمْ يَجِدْ منه ريح خمرٍ.قال: فقال رسول الله‏ ‏‏صلى الله عليه وسلم: «أَزَنَيْتَ؟» فقال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: « لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟» قال: لا. فأُقِيمَ الحدُّ على ماعز كما قضت الشريعة، فرُجِمَ بالحجارة حتى الموت.

إننا نرى هنا موقفًا من أعظم مواقف العقل والحكمة والرحمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه موقف رجم لإنسان وهو أمر شديد ولا شكَّ.إنها كانت محاولات حقيقية من رسول صلى الله عليه وسلم لدرء الحدِّ والتجاوز عن ماعز، بل إنه ‏صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى حاول أن يجد له مخرجًا حتى بعد اعترافه بالزنا، يعني لعلَّ ماعزًا لم يَزْنِ حقيقةً، لعلَّه تأوَّل بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثـل قوله ‏صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ ‏آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ،وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ،وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ» (البخاري و مسلم عن أبي هريرة) ومن هنا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأسئلة محاولًا إخراجه من أزمة إقامة الحدِّ عليه.. هل يمكن أن تصل رحمة حاكم، أو عطف مسئول، أو رقَّة قاضٍ إلى هذا الذي نتحدَّث عنه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ثم إن هناك بُعْدًا آخر في غاية الأهمية دَفَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا النهج، وهو أنه ‏صلى الله عليه وسلم لا يحبُّ أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، فحديث الناس عن هذه الجريمة، وتداولُها بينهم، سيجعلهم يألفون الكلام عنها،وهي خطوة قد تقود إلى عدم استنكار الفعل لتكرار الحديث عنه، فهو صلى الله عليه وسلم يُريد بأسلوب نبيل السيطرة على زمام الأمور، حتى لا تفسد المجتمعات ولا تنهار.ولكن هل وَقَفَتْ قصة ماعز عند هذا الحدِّ؟! لا،هناك نقطتان مهمتان لهما علاقة وثيقة بموضوع قصة ماعز:أمَّا النقطة الأولى فهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ليلًا في اليوم الذي رُجِمَ فيه ماعز. لقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة نبَّه الناس فيها إلى أن الموقف المأساوي الذي تعرَّض له ماعز عندما رُجِمَ يجب أن لا يصرف الناس أو يُلهيَهم عن الجريمة التي تمت..لقد اعتدى ماعز على حرمة امرأة، واعتدى على حرمة البيت الذي خرجت منه، واعتدى على حُرمَة زوجها أو أبيها أو أخيها، واعتدى على حرمة المجتمع. إن هذه فاحشة مبيِّنَة لو تخيلها الواحد منا تَحْدُث مع بعض ذويه ومحارمه لطالب فورًا برجم الفاعل، ثم إن هذه الجريمة قد تُنتج طفلًا بريئًا – وهذا قد حدث فعلًا في قصة ماعز- سيظلُّ مُعَذَّبًا طيلة عمره، وسيعلم الجميع أنه ابن زنًا، وقد يُعيَّر بذلك ليلَ نهارَ، فلا يرفع رأسًا، ولا يطلب عزًّا، مع أنه لم يرتكب شيئًا. إن آثار جريمة الزنا وخيمة على المجتمع بكامله. لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية هذا الحدث الكبير ليُعلن أمام الجميع أن الحدَّ قد أُقيم رحمة بالمجتمع، ورحمة بالإنسانية، ولم يكن الغرض منه قسوة بإنسان، أو تشهيرًا بمذنب.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته: «‏أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ ‏‏نَبِيبٌ كَنَبِيبِ ‏التَّيْسِ! عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا‏ ‏نَكَّلْتُ ‏‏بِهِ».(التيس ذكر الماعزونبيبُهُ صوتُه عند الجماع) لقد كانت كلمات في منتهى التوفيق والروعة والحكمة! يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قاسية قد يتعرَّض لها أي إنسان في المجتمع، إنه يقول ‏صلى الله عليه وسلم تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا. إنهم عيالنا.. إنهم نساؤنا.. إن المصيبة تخصُّنا.. نحن الذين سندفع ثمن انتشار الرذيلة لا غيرنا.. ويُشير رسول الله صلى الله عليه وسلم – أيضًا- في كلمته أن الذي يفعل هذا الجرم الشنيع يفعله متشبِّهًا بالحيوانات: «لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ ‏التَّيْسِ». فقد تجرَّد في لحظة الفعل من كل مشاعر الإنسانية إلى البهيمية، فلا تأخذكم به رأفة..إنه ليس حقُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشخصي حتى يُفَرِّط فيه، أو يتنازل عنه، إنه حقُّ الله عز وجل أولًا، وحقُّ المجتمع ، وسوف يُنفِّذُه رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك ما هو كائن.. كانت هذه هي النقطة الأولى. أما النقطة الثانية كيف كان الوضع في المدينة المنورة بعد هذا الحدث المهم؟! وماذا كان ردُّ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدال الذي دار بين الناس بعد ذلك؟! يقول بُريدة رضي الله عنه عنه: فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ (أي في ماعز) قائلٌ يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته. وقائلٌ يقول: ما توبةٌ أفضلُ من توبة‏ ‏ماعزٍ ‏‏إنَّه جاء إلى النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فوضع يده في يده، ثمَّ قال: اقْتُلْنِي بالحجارة. قال: فَلَبِثُوا بذلك يومين ‏‏أو ثلاثةً، ‏ثمَّ جاء رسول الله ‏‏‏-صلى الله عليه وسلم- وهم جلوسٌ فسلَّم، ثمَّ جلس فقال: «اسْتَغْفِرُوا ‏ ‏لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ».‏ ‏قال: فقالوا: غفر الله ‏لماعز بن مالك. ‏قال: فقال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم:‏ ‏ «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ». الله أكبر! من عظيم رحمته ‏صلى الله عليه وسلم مع كراهيته الشديدة لفعل ماعز، ومع تحذيره من تكرار الأمر، مع كل ذلك لا يتردَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلن أمام الناس جميعًا أن الله تعالى قد غفر لماعز خطيئته! لا يتردَّد أن يطلب من الناس أن يستغفروا له! إنه لا يحقُّ للناس أن يخوضوا في عِرضه ما دام الحدُّ قد أُقيم عليه، وما دام قد أعلن توبته أمام الجميع.. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقف آخر يُدافع عن ماعز دفاعًا كبيرًا رحمةً له ورأفةً به.. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: سمع النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الَّذي ستر الله عليه فَلَمْ تَدَعْهُ نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب. فسكت عنهما، ثمَّ سار ساعةً حتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حمارٍ شائلٍ بِرِجْلِهِ؛ فقال: «أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟» فقالا: نحن ‏‏ذان ‏يا رسول الله. قال: «انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الحِمَارِ». فقالا: يا نبيَّ الله مَنْ يأكل من هذا؟! قال: «فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي

 نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ‏ يَنْقَمِسُ ‏فِيهَا!»نفعني الله و إياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين سبحان ربك رب العزة  عما يصفون،… 

الخطبة الثانية

* الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة  والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله ، وعلى جميع من تعلق بأذياله ، و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله و بعد : أيها المومنون بمناسبة تخليد اليوم العالمي لمحاربة العنف ضد النساء الذي يصادف 25 نونبر من كل سنة و مواكبة للحملة الوطنية التحسيسية السابعة عشرة لوقف العنف ضد النساء والفتيات التي ستستمر من 25 نونبر إلى 20 دجنبر2019 لا يفوتنا التحذير من ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضرب شيئا بيده قط لا امرأة و لاخادما و قال 🙁 ما أكرم النساء إلا كريم و لا أهانهن إلا لئيم) فاتقوا الله واستعينوا على ذلك كله بالإكثار من الصلاة و التسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق  و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره  و مقداره العظيم.صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات وتطهرنا بها من جميع السيئات، و ترفعنا بها أعلى الدرجات و تبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات، آمين. و ارض اللهم عن أصحاب رسولك وخلفاء نبيك القائمين معه وبعده على الوجه الذي أمربه و ارتضاه و استنه خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة  والأنصار منهم و المهاجرين، و عن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم،  و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لاتخالف بنا عن نهجهم القويم و سنتهم،(ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا  للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).

الخطبة من إنشاء عبد ربه الفقير إلى فضل الله و رحمته : ” ذ. سعيد منقار بنيس”

الخطيب بمسجد ” الرضوان ” لافيليت /عين البرجة/ الدار البيضاء

أستاذ العلوم الشرعية

بمدرسة العلوم الشرعية التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني

مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية للتعليم ثانوي متقاعد 

  البريد الإلكتروني: [email protected]

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى