غير مصنفمقالات رأي

دة هيرات تكتب : نشر  وثائق “إبستين”.. مجرد قضية أخلاقية أم صراع نفوذ وضغط؟

دة فاطمة الزهراء هيرات

تثير عودة قضية “جزيرة إبستين”، إلى الواجهة عدة تساؤلات، كواحدة من أكثر الملفات تصدرا للمشهد السياسي الدولي، والتي لا يمكن اعتبارها مجرد قضية جنائية أخلاقية، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية وقانونية هزت النخبة والرأي العام الدوليين.

هذه القضية التي بدأت معالمها منذ سنة 2005، حيث كان أول تحقيق رسمي لشرطة فلوريدا، تم بعدها توقيع “صفقة عدم الملاحقة” الشهيرة، سنة 2008، والتي حمت جيفري ابستين لسنوات، وأعيد اعتقاله سنة 2019، بعد تحقيق صحيفة “ميامي هيرالد” الذي أعاد إحياء القضية للعلن، وهي نفس السنة التي الإعلان عن وفاته الغامضة، والتي يشكك فيها الكثير.

وفي نونبر 2025، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قانونا يلزم وزارة العدل بنشر جميع الوثائق المتعلقة بقضية إبستين، والذي من خلاله تم الإفراج عن (3.5 مليون صفحة) من بين صفحات أخرى لازالت لم تنشر بعد..

وهنا لا بد أن نذكر أن قانون “شفافية ملفات إبستين” (Epstein Files Transparency Act – EFTA) هو تشريع فيدرالي أمريكي حاسم تم إقراره في 12 نوفمبر 2025، حيث نجح النائب “توماس ماسي” في جمع 218 توقيعاً عبر “التماس إفراج” لإجبار مجلس النواب على التصويت، بعد محاولات سابقة لعرقلته. وفي 18 نوفمبر، وافق مجلس النواب عليه بأغلبية 427 صوتاً مقابل صوت واحد فقط معارض، وفي 19 نوفمبر، وافق عليه مجلس الشيوخ بالإجماع، ووقع عليه الرئيس دونالد ترامب القانون في نفس اليوم ليصبح نافذاً.

ويلزم قانون  (EFTA) وزارة العدل الأمريكية (DOJ) بنشر وإتاحة جميع الوثائق والسجلات المتعلقة بجيفري إبستين وغيسلين ماكسويل للجمهور، بشكل كامل، بتنسيق رقمي قابل للبحث والتنزيل. وفك السرية عن أي ملفات استخباراتية أو قضائية مرتبطة بالقضية قدر الإمكان، مع تقديم قائمة غير منقحة (تتضمن الأسماء الحقيقية دون حجب) لجميع المسؤولين الحكوميين والشخصيات السياسية البارزة المذكورة في الملفات إلى اللجان القضائية.، في إطار إقرار وتأكيد شفافية الكونغرس الأمريكي، كما حدد القانون مهلة 30 يوماً لبدء النشر، وهو ما أدى إلى خروج الدفعات الكبرى في ديسمبر 2025 ويناير 2026.

في هذا السياق، تم نشر هذه الوثائق المتوفرة على صفحة وبيانات وزارة العدل الأمريكية، وشملت، من خلال، وسائط متعددة، أكثر من 2000 مقطع فيديو و180 ألف صورة، تتضمن لقطات من كاميرات المراقبة في زنزانة إبستين ومن منازله، كما تم الكشف الكامل، أيضا، من خلال هذه الوثائق، عن “مانيفست” الطائرات الخاصة (لوليتا إكسبريس) دون تشفير للأسماء التي كانت محجوبة سابقاً تحت مسميات مثل “John Doe”. حيث يستخدم هذا المصطلح، في القضاء الأمريكي، “John Doe” (للرجال) أو “Jane Doe” (للنساء) كبديل للأسماء الحقيقية لحماية خصوصية الأشخاص طالما لم تثبت ضدهم تهمة، أو إذا كان الكشف عن هويتهم قد يسبب ضرراً غير مبرر قبل صدور قرار المحكمة….

وقد ركزت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي في هذا الإطار، وبشكل كبير على الفضائح الجنسية واستغلال القاصرات وتعذيب الأطفال وأكل لحوم البشر…التي كانت تقوم بها شبكات نفوذ كبيرة جدا من قادة سياسيين دوليين ودبلوماسيين ورجال أعمال، تلتها استقالات رفيعة المستوى، من بين أهمها استقالة مستشار الأمن القومي في سلوفاكيا “ميروسلاف لايتشاك” في يناير الماضي، واستقالة اللورد البريطاني “بيتر ماندلسون” من مجلس اللوردات في فبراير.

وهو ما يؤكد فرضية “الابتزاز الدولي” ذو الأصل الاستخباراتي، حيث تشير أغلب الفرضيات والتصريحات التي تم الترويج لها من قبل مسؤولين أن إبستين وشريكته غيلان ماكسويل كانا يعملان لصالح الاستخبارات الإسرائيلية، وأنهما كانا يعملان في إطار مهمات رسمية أوكلت لهما، فعلى سبيل المثال وحسب تصريح لألكسندر أكوستا وزير العمل الأمريكي السابق الذي أشرف على تسوية إبستين عام 2008، أن إبستين كان “فوق مستوى صلاحياتهم”، وأنه قيل له حينها إن إبستين “ينتمي للاستخبارات” ويجب تركه.

وبذلك يُعتقد أن الجزيرة كانت تُستخدم لتوريط شخصيات عالمية في مواقف مخلة لتوجيه سياساتهم مستقبلاً، وبذلك تحول هذا الملف من قضية جنائية محلية إلى قضية “أمن قومي وعلاقات دولية” بسبب طبيعة الشخصيات المتورطة والشكوك العميقة في أن نشاط “ابستين” كان واجهة لعمليات استخباراتية تهدف إلى “ابتزاز الدول” عبر قادتها وصناع قرارها.

حيث كانت استراتيجيته هي توفير بيئة آمنة للقادة السياسيين لممارسة سلوكياتهم، يسميها البعض ب”فخاخ العسل”، ثم العمل على توثيقها بكل الوسائل المتاحة، واستخدامها لاحقا كورقة سياسية في المفاوضات الدولية أو توجيه سياسات دول معينة، أو ضمان الدعم المطلق لها، أو الحصول على أسرار تكنولوجية وعسكرية ومعلومات استباقية عن صفقات سلاح أو تحركات اقتصادية كبرى.

وابتزاز الدول هنا، لم يكن دائما بطلب الأموال، بل في غالب الأحيان بطلب “مواقف”، ومن الوسائل أيضا وردت صيغة الضغط لتعيين أشخاص معينين في مناصب حساسة (مثل البنوك المركزية أو وزارات الخارجية). وفي المجال التشريعي من خلال تمرير قوانين تخدم مصالح شبكات مالية دولية مرتبطة بإبستين، أيضا ملفات تمويل مختبرات في MIT وهارفارد، كان إبستين يسعى للوصول إلى أبحاث حساسة (ذكاء اصطناعي، هندسة وراثية)، مما يمنحه قدرة على ابتزاز المؤسسات الأكاديمية التي تمثل عصب التقدم التكنولوجي للدول. وملفات كثيرة مرتبطة بهذا السياق، ويمكن القول أنها كلها قضايا تعكس حجم النفوذ الدولي لهذا الفعل.

هذا بصفة عامة، ولا يمكن الخوض في كل تفاصيل ما نشر، فما خفي أعظم، لكن السؤال المطروح الآن، هل يمكن اعتبار نشر وثائق ابستين بريء في هذا التوقيت، كيف يوقع رئيس دولة على قرار يفضح ممارساته وسلوكياته الشاذة في توقيت حساس، وعالم دولي متوتر ومتحول (مجلس السلام، إيران، جرينلاند، …إلخ)

قناعتي أنه في عالم السياسة، لا يوجد شيء اسمه “توقيت بريء” تماما، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل ملفات جيفري إبستين. مما يؤكد أن هذا يخضع لحسابات معقدة تتجاوز مجرد “الرغبة في الشفافية”.

وهنا لابد أن نأخذ بالتحليل مجموعة من الأسباب تجعل هذا الحدث أو الذي يسميه البعض “فضيحة”، مع تحفظي على هذا المصطلح، فالدارس لمن يمتلك أدوات النفوذ الدولي اليوم، يعلم أن المنظومة الغربية الحاكمة دائما تتميز بالدموية والسادية، سواء كانت بشكل حكومي رسمي ومعلن (حروب، جرائم إبادة، …)، أو سرية، فقد سبقت ابستين عدة فضائح من هذا النوع، على سبيل المثال لا الحصر: فضيحة “بروفومو” (بريطانيا – 1963) والتي تعتبر “الأم الروحية” لفضائح الجاسوسية والجنس، فضيحة “مارك دوتوروك” (بلجيكا – 1996)، قضية “جيمي سافيل” (بريطانيا – كُشفت في 2012)، قضية “فرانكلين” (الولايات المتحدة – الثمانينيات) وهي قضية غامضة ومثيرة للجدل تشبه تفاصيل “الجزيرة”. فدائماً ما كانت هناك شبكات تستخدم الفضائح الأخلاقية كوسيلة للسيطرة على السلطة.

وهنا نعتبر أن قضية إبستين ليست فريدة من نوعها، لكنها “الأخطر” بسبب التقاطع بين الجنس، المال، والسياسة الدولية، كما أن “التكنولوجيا” وقانون “الشفافية” (EFTA) منعا دفن الحقيقة كما حدث في القضايا القديمة.

فمن بين أهم أسباب نشر الوثائق، في الوضع الراهن، حسب عدد من المحللين والباحثين، هو

أولا صرف الانتباه عن أزمات أخرى (Distraction)، والذي يُستخدم ك”تكتيك التغطية” أحياناً عبر إلقاء قنبلة معلوماتية (مثل أسماء “لوليتا إكسبريس”) لشغل الرأي العام عن ملفات ساخنة أخرى، كالأزمات الاقتصادية الطاحنة، وأزمة المديونية التي تعرفها كبرى دول العالم في الوقت الحالي، أيضا الحروب والنزاعات الدولية التي تورطت أو كادت أن تتورط فيها هذه الدول.

أيضا العمل على تحقيق ما يسمى بالاغتيال السياسي المعنوي، وتصفية الحسابات السياسية بين النخب، التي أصبحت أوراقا سياسية محروقة، لاسيما في المحطات الانتخابية، التي تعرفها الولايات المتحدة. وكذا إظهار الاستسلام للضغط الشعبي والرأي العام والمنظمات المدنية ووسائل الإعلام الضاغطةففي إطار نظرية “التنفيس” (The Safety Valve)، يتم التضحية ببعض الساسة لتهدئة الغضب الشعبي المنتفض ضد قضايا أكثر خطورة.

وهذا ما تؤكده كذلك عملية النشر المتقطع  والمجزئ للحقيقة، والتي بدأت بنشر المانيفست (قائمة الركاب)، ثم نشر مذكرات الموظفين، ثم رفع الحجب عن الأسماء… وستتلو ذلك عمليات نشر أخرى، فهذا التقطيع يضمن بقاء القضية كأداة ضغط مستمرة لسنوات طويلة بدلاً من حرقها في يوم واحد.

خلاصة القول، قضية إبستين ليست مجرد قضية أخلاقية، بل هي صراع نفوذ وضغط على “البعض” من الذين حاولوا الخروج عن “النص” أو المألوف، مفادها: “نحن نملك ملفاتكم”. وفي نفس الوقت رسالة للعالم بأننا من نتحكم في العالم ونملك قواعد “قانون الغاب المنظم”، نملك المال والقدرة على شراء الشرعية واتخاذ القرار في مصائركم كذلك.. يتبع

الدكتورة فاطمة الزهراء هيرات

 

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى