حاجة الداعية إلى الهمة العالية – الحسن الإفراني

تمهيد

تتعدد أخلاق الداعية وتتنوع، ويعتبر خلق أو صفة علو الهمة من أهم تلك الصفات التي تنهض بالفرد أولا قبل أن تنهض بالعمل الإسلامي ثانيا، ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. (الرعد 11) إنه علامة على اليقظة الدعوية، ودليل على حيوية الفكرة الإسلامية للنهوض والتقدم بالأمة نحو الأمام، والعودة بها إلى جادة الصواب، باتحاد القوى الفاعلة والفاضلة.

فما المقصود بعلو الهمة؟ وما خصائصها؟ وما مظاهر حضورها في الكتاب والسنة والتجارب البشرية؟ وما الطريق المؤدي إلى تمثلها وتحققها؟

1-  تعريف الهمة العالية

ميز ابن القيم بين الهم والهمة، فقال:” الهم مبدأ الإرادة والعزم، والهمة نهايتها”؛

ويقول الجرجاني: ” الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر. والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له ولغيره.”

وإذا أردنا أن نجمل القول قلنا بأن الهمة العالية تحيل على” النية الصادقة، والإرادة القوية الرفيعة، والرغبة الأكيدة في التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل لفعل الشيء وإتقانه”، البحث عن هدف عال وليس عاد…

ويقال علو الهمة هو طلب المراتب السامية والسامقة، ودنو الهمة وهو ضعف النفس عن طلب المراتب العالية… واستعظام القليل من العطايا والإعتداد به، والرضى بصغائر الأمور… قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا، لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة.”

2- خصائص الهمة العالية

– صفة من صفات النفس الإنسانية الداخلية، لأنها نية وإرادة وعزم؛

– محلها القلب، إلا أننا نرى ترجمتها وآثارها في السلوك الإنساني:

– هي الدافعة الباعثة للأخلاق وللأفعال الإنسانية؛

– تعلو وتدنو، أي تنشط وتفتر؛

– تدفع الإنسان إلى الكمال في كل ما يصدر منه سلوكا وعملا؛

– تجعل الفرد رساليا أينما حل وارتحل؛

– تجعل الفرد أنشط بكثير من غيره؛

– تجعل الفرد يفكر معك في البرنامج، ولا يتركك، بل ينخرط معك في التنزيل والتقييم…حرصا على تجويد العمل..

3- الحث على علو الهمة في القرآن الكريم

أثنى الله على أصحاب الهمة العالية في القرآن الكريم وصورهم بأفضل الأوصاف، وفي طليعة هؤلاء الأنبياء أولو العزم من الرسل، وفي مقدمتهم إمام الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم ” فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل”.

 وهذه همة نوح عليه السلام:” قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا،  فلم يزدهم دعائي إلا فرارا…”(نوح 6).

وهمة المؤمن المشار إليه في سورة يس الذي دفعته لتبليغ الدعوة لقومه:” وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون، وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون…”

4- الحث على علو الهمة في السنة النبوية الشريفة

في حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما:” أن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها.”

وقال صلى الله عليه وسلم:” من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.”

5- قصة بليغة

 كان كافور الإخشيدي وصاحبه عبدين، فجيء بهما إلى قطائع بن طولون أمير الديار المصرية وقتها ليباعا في أسواق العبيد، جلس كافور وصاحبه يتحدثان، وبدأ كل منهما يسأل الآخر عن أمنيته وطموحه، قال صاحبه: أتمنى أن أباع لطباخ، لآكل ما أشاء وأشبع بعد جوع. وقال كافور: أما أنا، فأتمنى أن أملك مصر كلها، لأحكم وأنهى، وآمر فأطاع.

وبعد أيام، بيع صاحبه لطباخ، وبيع كافور لأحد قادة مصر. وما هي إلا أشهر حتى رأى القائد المصري من كافور كفاءة وقوة، فقربه منه. ولما مات مولى كافور، قام هو مقامه، واشتهر بذكائه وكمال فطنته حتى صار رأس القواد، وما زال يجد ويجتهد حتى ملك مصر والشام والحرمين.

بعدها مر كافور يوما بصاحبه، فرآه عند الطباخ، يعمل في جد وقد بدا بحالة سيئة، التفت كافور إلى أتباعه فقال لهم:” لقد قعدت بهذا همته فكان ما ترون، وطارت بي همتي فصرت كما ترون، ولو جمعتني وإياه همة واحدة، لجمعنا مصير واحد.”

6- الدعاة إلى الله ومطلب الهمة العالية

يقول أبو الأعلى المودودي رحمه الله:” إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامها –على الأقل- مثل التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنا له مريضا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئا يسد به رمق حياة أولاده فتقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي. واسمحوا لي أن أقول لكم: إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وأمهاتكم، فإنكم لا بد أن تبوؤا بالفشل الذريع.”

ويقول حسن البنا رحمه الله:” وددت أن أبلغ هذه الدعوة للطفل في بطن أمه.”

ويقول محمد الغزالي رحمه الله وهو يعبر عن الحالة الفريدة عن علو الهمة عند الإمام حسن البنا، فكتب عنه يوما في مقال:(حسن البنا: العالم المربي):” لقد جاب الآفاق وهو يذكر بالله ويعرف بدينه، وأحسبه قد قضى تسعة أعشار عمره مسافرا يضرب مناكب الأرض، لا يقصد من حله وترحاله إلا بعث أمة وإحياء تاريخ.”

7- طريق الداعية لتحصيل الهمة العالية

أولا: اللجوء إلى الله تعالى وطلب العون منه سبحانه

ا- الدعاء: سلاح الدعاء مع يسره، إلا أن الإنسان العاجز، ضعيف الهمة يفوت عليه ولا يحصله، كما بين ذلك عليه الصلاة والسلام” أعجز الناس من عجز عن الدعاء.” وقال كذلك.” إذا تمنى أحدكم فليكثر –أي من الدعاء- فإنما يسأل ربه عز وجل.”

ب- التقوى: يقول الشيخ محمد الخضر حسين:” ومن تفقه في التقوى عرف أنها الوسيلة الكبرى للعظمة الصادقة، فإنها بذل الإنسان جهوده وسعيه في طريق الفلاح، ومن تقوى الرجل الذي رزق ألمعية متوقدة، وهمة سامية، أن يقتحم الأخطار، ويقذف نفسه في معالي الأمور.”

ج- الذكر: فقوة القلب وطمأنينته وسكونه متعلقة بالذكر: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب.”

د- التوكل: فالتوكل يستأصل جراثيم اليأس، ومنابت الكسل:” فإذا عزمت فتوكل على الله.”

ه- الإخلاص: وهو الإطار العام لكل ما سبق، يقول ابن القيم:” لقاح الهمة العالية النية الصالحة…والفقه كل الفقه هو الفقه في مذاهب الإخلاص.”

ثانيا: طلب العلم والبصيرة في الدين

قال تعالى:” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين.” (يوسف 108) وقال تعالى:” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون…”(الزمر 9) وقال عز من قائل:” إنما يخشى الله من عباده العلماء.” (فاطر 28).

وقيل لبعض السلف: بم أدركت العلم؟ قال: ” بالمصباح والجلوس إلى الصباح.” “وقيل لآخر: بم أدركت العلم؟ فقال: ” بالسفر والسهر والبكور في السحر.”

ثالثا: الشعور بمسؤولية الدعوة

الداعية ذو الهمة العالية يخوض معركة الحياة بحزم وعزم وإيمان راسخ وثقة في الله بأنه سينصره وسيذلل له جميع الصعاب مهما بدت له وعورتها، فلا يفتعل الأعذار للتخلص من الواجبات، ولا يختلق الأسباب للتنصل من المسؤولية التي أوجبها الله عليه” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون.” (آل عمران 104) فينهض بأعباء وأعمال الدعوة بعزم دون تردد، ببذل ماله، وفتح بيته، والتشمير على جهده، وحرصه على حضور حلق الذكر، وموائد الفكر، والمشاركة في الأعمال التى يدعى إليها، والقيام بالمسؤوليات التي تنسجم مع الرؤية الدعوية والتربوية والحضارية، والالتزام بأنظمة التنظيم الدعوي واتباع توجيهاته وتنفيذ قراراته، والحرص على حضور لقاءاته التنظيمية والتربوية والدعوية الداخلية والمفتوحة…القيام بكل ما سبق بقوة التنافس في الخيرات إلى المسابقة في القربات. وطريق ذلك كله الاعتناء بالوقت، واليقظة بما يدور حولنا بفكر ثاقب، وحذر شديد، واتقاء للشبهات، فإن كان عبد الله ناصح علوان رحمه الله قد حذر من عقبتين تقفان أمام الدعاة حددهما في الوظيفة والزواج، فإن العقبات الجديدة –في نظرنا- تتحدد في السلطة والمال والانكفاء على الذات ومواقع التواصل الاجتماعي… إن المطلوب منا إذن بكلمة واحدة هو اليقظة. يقول ابن القيم:” وإذا استحكمت اليقظة أوجبت له الفكرة، وهو تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسا له.”

خاتمة بمثابة معالم

وأخيرا فإن أعلى درجات علو الهمة تأتي من ضرورة توفر حافزين ودافعين أساسيين هما:

1- وجود قضية: وهذا البند يستدعي ضرورة وجود مباديء، فمن لا مبدأ له لا تصور له، كما وأنه لا رسالة له، إنها تحتاج إلى قيم جامعة تمتح منها، يمكن إجمالها أساسا في قيم الانتماء وقيم الصلاح وقيم الاستقامة وقيم العطاء وقيم النهوض وقيم الحرية والمسؤولية وقيم الانفتاح…أما القضايا الأساس التي نراها محفزة للانخراط في العمل الدعوي بكل جوارحنا فتتجلى في استكمال الاستقلال ونيل الكرامة ونشدان الإصلاح والتقدم الحضاري…

2- أو ضياع “مقدس”: فالعالم الإسلامي في غالبه الأعم يعاني من الأزمة الفكرية، والتخلف الحضاري، وعدم اعتبار الزمن، واستشراء مظاهر السلبية، وسيادة الروح الاستهلاكية، وهيمنة اللامعنى والتفاهة، وضعف أو غياب الإحسان في العمل، وتخلف الأنظمة التعليمية، وهجرة الأدمغة، وسلب الأراضي (فلسطين…)، وتفسيمها (السودان…)، وعودة تيار الفساد والاستبداد، وزواج المال والسلطة، والانتقال من تجفيف ينابيع التدين إلى تلويثها (دعوات إلى تغيير أحكام الإرث، الدعوة إلى الشذوذ الجنسي، الدعوة إلى الإباحية الجنسية، تقنين القنب الهندي، التطبيع/التماهي مع الكيان الصهيوني…)

وختامها شعر، يقول أبو الطيب المتنبي:

إذا غامرت في شرف مروم          فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير          كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء أن العجز أمن          وتلك خديعة الطبع اللئيم

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى