جمالية الزمان – عبد الحق لمهى

الحمد لله رب العالمين مجمل الكون بخلق الليل والنهار والشمس والقمر، جاعل الضحى والعشي من بديع صنعه الذي تفرد به، والصلاة والسلام على من كان الزمن خير ما ينفق في معرفته.

وبعد،

خلق الله الكون كله وأحسن في تنظميه حتى يصير جميلا جذابا أنيقا يشد الناظرين إليه نظر رؤية وتأمل، “فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”المؤمنون، 14، كيف لا وهو الخلاق العليم” إنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ” الحجر، 84

ومما لا شك فيه أن الزمان خلق مما خلق الله تعالى، ونقصد بالزمان هنا في هذا الصدد ” اليوم والليل مجتمعين”.

وقد عرف اليوم تعاريف كثيرة نقتصر منها على ما جاء في بعض معاجم اللغة:

  • اليَوْمُ :زمنٌ مِقدارُه من طُلوع الشمس إِلى غروبها.” (معجم المعاني الجامع ـ معجم عربي عربي)
  • وعرف الليل :”اللَّيْلُفي لسان الشرع: من مَغرِبها إلى طلوع الفجر ويقابل النَّهارَ”(معجم المعاني الجامع ـ معجم عربي عربي)

ومن صور الجمال التي أبدعها الذي في الزمان ما يلاحظه الإنسان منذ مطلع النهار؛ من بزوغ الشمس الذي يعني النور والضياء وما يترفع عنه من الايضاح، إيضاح يتعرف الانسان معه على معاني الوجود بشتى تجلياته، إبصارا بالعين المجردة إن كان من أهل النظر السليم وبالقلب إن كان ممن فقد البصر قال تعالى “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” الحج 46.  فبينت الآية أن العمى الحقيقي هو عمى القلوب فمن فقد حاسة البصر وكان قلبه متعلقا بالله لا شك أنه يبصر حقائق الكون من حوله، كذلك شاءت قدرته جل وعلا.

وفي مقابل النهار (النور)  يأتي الليل ومعه الظلمة التي تختفي حالها منارات الايضاح كما كانت بالنهار، وكأنه سبحانه يريد من الانسان ألا يفوت فرصة التأمل في الكون نهارا حيث الشمس ساطعة معينة على الرؤية، وحتى لا يفهم أن النهار ذهب بجمال الليل، نقول:  إن الله جعل الليل سكنا قال تعالى: ” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ”  يونس، 67.  ففي الليل السكينة والراحة والهدوء بعدما جلبه النهار من مشقة وعنت حيث العمل والحركة، فهذه واحدة من صور جمال الليل، كما أن الإنسان عندما يخلد لنومه يضمن راحة جسمه واستجماع قوته وفي ذلك استعداد لإقبال النهار من جديد حيث استئناف النشاط والحركية وطلب الرزق، في الأغلب الأعم، وإلا فهناك من جعل عمله ليلا لضرورة من الضرورات.

وخلال النهار نفسه يجد الإنسان نفسه بين العمل والكسب بشتى الوسائل، فبين فلاح وعامل وموظف وتاجر… كل أولئك يكدحون من أجل الرزق الحلال، وفي غمرة السعي الدؤوب هذا لابد وأن النفس يطرأ عليها ما يطرأ من الضعف والتغيير الذي قد يضعف من قوة الإيمان  فلأجل ذلك وغيره من المقاصد شرعت الصلاة طمأنينة وإراحة للنفس، جاء في “الحَديثِ يقولُ رَّجُلٌ من خُزاعةَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: “يا بلالُ، أَقِمِ الصَّلاةَ، أَرِحْنا بها”، أي: ارْفَعْ أذانَ الصَّلاةِ وأَقِمْها؛ لِنَستريحَ بِها، وكأنَّ دُخولَه فيها هو الرَّاحةُ مِنْ تَعَبِ الدُّنيا ومَشاغِلِها؛ لِمَا فيها مِنْ مُناجاةٍ للهِ تعالى وراحةٍ للرُّوحِ والقَلْبِ، ولا عَجَبَ في ذلك؛ فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم هو القائلُ: “وجُعِلتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ”، وطَلَبُ الرَّاحةِ في الصَّلاةِ يَصْدُرُ ممَّنْ كان خاشعًا فيها ومُحِبًّا لها، وإنْ كانت ثَقيلةً على البعضِ؛ كما قال اللهُ: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].” موسوعة الدرر السنية ـ الموسوعة الحديثية”.

إن الحياة عمل ومشقة وتعب وراحة بالصلاة فكل ذلك وجه من أوجه الجمال في اليوم، فلو فرضنا استمرار الإنسان في عمله دونما عبادة تريحه وتعيد له قوة الروح ليضمن حيوية جديدة لسئمت النفس وتذمرت في ذلك تذمرا شديدا لا ينفع معه كل الأدوية المهدئة للأعصاب وما شاكلها، والله اعلم .

ولا تقف صور الجمال والزينة لليوم والليل عند ما ذكر، بل تتعداه الى مظاهر أخرى حيث نرى أن الأسرة وأفرادها يتفرقون مؤقتا كل إلى شغله وعمله، يسيحون في الأرض ثم يشاء الله جمعهم في أوقات من اليوم يأنس بعضهم بعضا، ومن ذلك ما شرع من العورات الثلاث التي يسكن فيها الزوج لزوجه فجعلت وقتا مقدسا في الشرع “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ” النور،58.  فمن الاية يتضح ان الله شرع وقتا إلزاميا تحصل فيه المؤانسة والمتعة بين الأزواج، ليحصل الاستقرار العاطفي والنفسي، وتشبع الرغبات الفطرية في الأنس، فقد جعل لهذا الوقت حرمة وأحاطها بتشريع يضمن حفظها. وهذا لعمرك من أبهى صور الجمال في الزمان.

ولا ننسى ذكر ما يحصل في الصلاة من صور الجمال حيث اجتماع المؤمنين وأدائهم الصلاة جماعة ليتحقق لهم التعبد لله من جهة، وسؤال بعضهم عن بعض وتفقد بعضهم أحوال بعض كذلك أراد الشرع حقيقة، ولذلك نجد الشرع يحث على صلاة الجماعة في المساجد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضلُ مِن صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً)؛ متفق عليه

وأخيرا، فما ذكرناه وغيره مما لم يسعفنا الوقت ذكره، نظن أن من جماليات اليوم والليل باعتبارهما أفرادا من الزمان، ومما يضفيان عليه رونقا وزينة خير وأعظم بها من زينة.

والحمد لله رب العالمين.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى