مقالات رأي

جدلية الدعوي والسياسي عند الحركة الإسلامية المغربية بين النظرية والممارسة – عبد الرحمان العلوي

شغل موضوع علاقة الدعوي بالسياسي عند الحركات الإسلامية في العالم، بال الكثير من المهتمين والدارسين، واختلفت حدة هذا الجدل القديم الجديد (الدين والسياسة) باختلاف الأزمنة والأمكنة والتغيرات السياسية والمجتمعية. كما تباينت زاويا النظر لهذه العلاقة الجدلية، باختلاف المرجعيات الفكرية المثيرة لها؛ سواء من طرف التيارات العلمانية (التي تسعى إلى إقصاء الدين من الحياة السياسية ) أو غيرها ممن ترى في الحركة الإسلامية المشاركة خصما سياسيا قويا، أو حتى من داخل التيارات الإسلامية على اختلاف مشاربها.

وقد كان لنتائج ما بعد الربيع العربي، ووصول تيارات إسلامية إلى السلطة أو المشاركة فيها (مثل جماعة الإخوان المسلمين بمصر وحركة النهضة بتونس وحزب العدالة والتنمية بالمغرب..) بالغ الأثر في عودة هذه الإشكالات إلى الواجهة.

 وسنقتصر في هذه الدراسة على حالة الحركة الإسلامية المشاركة بالمغرب؛ من خلال تجربة حزب العدالة والتنمية ( الشريك الاستراتيجي لحركة التوحيد والإصلاح). فكيف تبنت هذه الحركة منهج المشاركة السياسية؟ هل تعتبر العمل السياسي مدخلا للإصلاح فقط؟ أم على العكس من ذلك ترى أن فعلها السياسي (الحزبي) هو غاية نشأتها وبالتالي تعتبر الدعوة وسيلة لذلك؟ أم أنها رسمت لنفسها مسارا مغايرا لكل تجارب المنطقة، وسعت منذ البداية لنشأة تنظيمين مستقلين (الأول للدعوة والتربية والثاني للسياسة وتدبير الشأن العام)؟

أصل وتأريخ المشاركة السياسة

يرجع تاريخ الحديث عن المشاركة السياسية وفق التوجه الجديد لمعظم أبناء الحركة الإسلامية المغربية –  التي ستجمعهم فيما بعد فكرة حركة التوحيد والإصلاح- إلى سنة 1986 و 1987؛ بعد أن قاموا بمراجعات مهمة تخلوا فيها عن نموذج التغيير السياسي الذي تؤمن به الشبيبة الإسلامية (المطيعية بتعبير الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله)، وتخليهم عن العمل السياسي كآلية من آليات التغيير حينها. يقول الدكتور المقرئ أبو زيد الإدريسي: “فبدأ الحديث عن صيغة ما من المشاركة في الحياة السياسية، وأن الانتخابات محطة مهمة في تاريخ الشعوب،  وأنه مهما كان فيها من تزوير وعبث بإرادة الناخبين، ومهما كانت انتقاداتنا عن السياسة في المغرب والأشكال التي بها تدار الأمور، إلا أننا ينبغي أن ننفع ديننا وننفع مشروعنا بهذه الواجهة التي بقيت إلى ذلك الوقت مغيبة تغييبا كاملا عن فكرنا وسلوكنا. كان صاحب الفكرة الأولى هو الأستاذ عبد الإله بن كيران فهو الذي بدأ يتحدث مع اقتراب حمى انتخابية.. وبدأ يحدثنا عن ضرورة الاستفادة من مدرسة العمل السياسي والمشاركة السياسية،(…) لكن الذي صاغ الورقة السياسية هو الأستاذ سعد الدين العثماني..”[1]. وقد خلصت هذه الورقة السياسية إلى ثلاث تصورات[2] وهي:

  • المشاركة في تأسيس حزب والنزول في الانتخابات.
  • التحالف مع حزب من الأحزاب القائمة إذا تعذر إنشاء حزب سياسي أو تم رفضه.
  • التحول إلى جماعة ضاغطة إذا تعذر التحالف مع حزب سياسي قائم.

وتنزيلا لهذه التصورات، بداية تم تأسيس حزب التجديد الوطني؛ الذي رفض من طرف وزارة الداخلية، بعدها تم اللجوء إلى الخيار الثاني، والبحث عن حزب قائم للانخراط فيه، فبدأ الحوار والتواصل مع حزب الاستقلال؛ الذي رحب بالإسلاميين بين صفوفه بشرط الانخراط الفردي وليس بشكل جماعي تعاقدي بين تنظيمين.

وبعدها تم طرق باب الدكتور عبد الكريم الخطيب سنة 1992 من خلال حزبه “الإتحاد الوطني للقوات الشعبية” (الحزب الاشتراكي العروبي)، الذي رحب بالإسلاميين بعد أن وضع شروطه الثلاث (الإسلام والملكية ونبذ العنف) كشروط لممارسة العمل السياسي، فتم التوافق بين الطرفين وبدأت الاستعدادات لانتخابات 1993، لكن جهات معينة اتصلت بقيادة حركة الإصلاح والتجديد حينها وطلبت إرجاء مسألة المشاركة في الانتخابات إلى وقت لاحق، معللة ذلك بالمصالح العليا للبلاد. ويبدو أن السياق الإقليمي آنذاك وخصوصا الانقلاب الذي حصل في الجزائر على نتائج وصول الإسلاميين للسلطة كان له أثر في طلب إرجاء مسألة المشاركة.

وسيظهر جليا من خلال المرحلة الموالية لهاته الفترة، أن قادة حركة الإصلاح والتجديد – على وجه الخصوص- لن يتراجعوا عن فكرة المشاركة السياسية؛ بعدما اقتنعوا بضرورة وأهمية العمل السياسي كمدخل أساسي من مداخل إصلاح الدولة والمجتمع، بشكل متدرج وناعم. كما ستتكاثف  الجهود وتتزايد اللقاءات والحوارات على ورقتين مهمتين (الورقة السياسية وتطوير آليات الاشتغال داخل حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية) والأخرى؛ وهي ورقة الوحدة (أي توحيد الجماعات الإسلامية وعلى رأسها حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي)، وهو الأمر الذي سيتوج سنة 1996 بإعلان الوحدة تحت اسم “حركة التوحيد والإصلاح” من جهة، وتأسيس “حزب العدالة والتنمية” وفق “مبادئ واختيارات” جديدة (نصت على المرجعية الإسلامية للحزب وعلى البعد الهوياتي والقيمي) خلفا لحزب عبد الكريم الخطيب من جهة أخرى.  عقب ذلك سينخرط الحزب الإسلامي الجديد في معترك الحياة السياسية – وفي فترة حساسة جدا تعيشها البلاد على وقع “السكتة القلبية” بتعبير المرحوم الحسن الثاني أواخر عهده-  بنفس جديد ودماء جديدة، وسيلج الانتخابات البرلمانية لسنة 1997، ويحصل على 9 مقاعد برلمانية رغم ضغف تغطية الدوائر التي ترشح فيها؛ والتي كانت بنية مبيتة – أقصد ضعف التغطية- من وزارة الداخلية من جهة، والتي تسعى إلى تجريب أبناء الحركة الإسلامية المغربية بأقل الأضرار، كما أن حزب العدالة والتنمية جعل مشاركته تتحقق بشكل تدريجي.

المدخل السياسي  في الإصلاح عند حركة التوحيد والإصلاح

يعتبر العمل السياسي مفتاح من مفاتيح إصلاح المجتمعات أو إفسادها، هذا لا شك فيه، لأن القرار السياسي ينعكس على جميع مجالات الحياة ( المساجد، الدكاكين، الحانات، الصلاة، الزكاة، حفظ القران الكريم، الأرزاق، الحريات والحقوق الدنيوية للناس، كما يتحكم في الإعلام والتعليم…إلخ)[3]. وهذا ما يؤكد ما أشرنا إليه أعلاه، أن الحركة الإسلامية المغربية انخرطت في العملية السياسية بوعي تام بأهمية هذا المدخل في الإصلاح، وباعتباره – المدخل السياسي- مجالا حيويا للدعوة، سيوفر فضاءات عمومية رحبة للتدافع المجتمعي وتعزيز الفكرة الإصلاحية من داخل المؤسسات.

كما أن حركة التوحيد والإصلاح كانت تستثمر فترة الحملات الانتخابية وما بعدها لحزب العدالة والتنمية، فيما تسميه ب “العائد الدعوي”. يقول المهندس محمد الحمداوي (الرئيس السابق للحركة): (إن من ‘أسباب نزول’ المشاركة السياسية الأساسية، اعتبارها محطة دعوية، تسهم في تمكين أفراد جدد من “فقه دينهم” بعد الانتماء السياسي أو التصويت الانتخابي، والقيام بجهود “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل الخيرات والاستباق إليها، وترسيخ قيم وأخلاق جديدة في العمل العام،…وفق هذه الرؤية وعلى هداها، نتطلع إلى إسهام مشاركتنا السياسية في تجديد الفعل السياسي، ووصله بمنظومة القيم المرجعية للأمة والوطن، وأيضا في تطوير الثقافة السياسية للمجتمع، بعد أن نجحت في إقناع الناس بالمشاركة الإيجابية، وقطع الطريق أمام خطابات اليائس والتيئيس)[4].

إن مكونات المجال الحيوي الأصلية لمشروع حركة التوحيد والإصلاح، تقوم على ثلاثية الدعوي والمدني والسياسي.[5]

وهنا يجب الانتباه إلى أن العمل السياسي في فكر حركة التوحيد والإصلاح، لا يقصد به العمل الحزبي الصرف فقط، وإنما الأمر أشمل وأوسع من ذلك؛ فهي ترى أن السياسة (الجزئي) داخلة في الدين (الكلي) ولا يمكن فصل أحدهما على الآخر، فالدين ليس علاقة عمودية بين العبد وربه، بل تتعدى ذلك إلى علاقة غيرية بين المسلم وغيره من الكائنات الأخرى (حتى النباتات والحيوانات)، وعلاقة ثالثة جوانية؛ أي بين المسلم ونفسه (تراعي حقوقها وحاجاتها بما أمر الله تعالى)، ومن خلال العلاقة الثانية التي تربط المسلم بغيره، تسعى حركة التوحيد والإصلاح إلى تخريج مواطن صالح في نفسه، مصلح في مجتمعه، مسلم رسالي يقع أثره الطيب أينما وجد، وحيثما حل وارتحل.

وليس معنى ذلك أنها هي من ستمارس العمل السياسي بشكل التدبير اليومي للشأن العام، بل فوضت ذلك لحزب العدالة والتنمية وفق استراتيجية العمل بالتخصصات، وإنما معناه أن الحركة لن تبقى مغيبة ومكتوفة الأيدي – حتى بوجود حزب سياسي شريك- اتجاه القضايا السياسية للبلاد (من قبيل الإصلاحات الدستورية، وتعديل القوانين؛ كالقانون الجنائي وقانون الأسرة، وكذا فيما يتعلق بقضايا الأمة كفلسطين والتطبيع أو حتى القضايا القيمية والهوياتية؛ كلغة التدريس والحريات الفردية والخمر والمخدرات..). وهذا ما خلص بها الأمر خلال مسار تطورها إلى أن أنتجت مفهوما جديدا للعلاقة التي تربطها بحزب العدالة والتنمية وهو؛ وحدة المشروع عوض وحدة التنظيم.

 تمايز الدعوي و السياسي في تجربة العدالة والتنمية؛ حقيقة أم وهم؟

لقد اعتمدت حركة التوحيد والإصلاح خيار الفصل (بين الدعوي والسياسي)، الذي يقضي باستقلالية الهيأتان عن بعضهما، مع التأكيد على التنسيق والتشاور، وهو ما نص عليه قرار مجلس الشورى الانتقالي المنعقد سنة 1998م، والتي نص على أن الهيئتين مستقلتان كل منهما عن الأخرى، وأن الجامع بينهما التشاور والتعاون والتنسيق.  وقد تطورت هذه العلاقة سنة 2004 إلى التمايز في ظل الشراكة الإستراتيجية بين الهيأتين فيما يعرف بوحدة المشروع بدل وحدة التنظيم. وقد اتخذ مجلس الشورى قرارا في هذا الشأن في يوليوز2004 في ورقة صادق عليها مجلس الشورى، ومما جاء فيها: “التوجه نحو التمايز في الوظائف والخطاب والرموز لتستعيد الحركة تميزها واستقلال شخصيتها المعنوية”[6]

تنبني أطروحة “وحدة المشروع عوض وحدة التنظيم”، على مبدأ الاستقلالية التنظيمية بين المؤسسات المشاركة في المشروع المندمج، وأيضا على الشراكة الواضحة في ضوء معايير ومؤشرات محددة ومعلنة.[7] وعليه فلا مجال – يضيف الحمداوي- للكلام أن العدالة والتنمية هو الجناح السياسي لحركة التوحيد والإصلاح ولا أن الحركة هي الدرع الدعوي للحزب، بل هما شريكان في مشروع أوسع.[8]

هذا من الناحية النظرية، لكن المتتبع للحركة الإسلامية المشاركة في العملية السياسية، ولممارستها اليومية؛ يجد ضابية ولبسا في تلمس خيوط وحدود العلاقة التي تجمع الشريكين (الدعوي والحزبي)، حيث إذا ما رجعنا إلى خطاب كل منهما لا تكاد تجد فرقا في طبيعته الدعوية ومنهجه الإصلاحي… كما أن الرموز والقيادات كانت إلى عهد قريب تجمع بين عضوية المكتب التنفيذي للحركة وبين الأمانة العامة للحزب، بل هناك من كان يجمع بين صفة عضوية المكتب التنفيذي وعضوية الحكومة بعد انتخابات 2011 (مثل الوزيرين محمد يتيم ومصطفى الخلفي)، هل هو ندرة في القيادات والأطر؟ أم هو تكتيك استراتيجي لبقاء علاقة التنسيق والتوجيه من أعلى هيئات تنفيذية؟ لكن في المؤتمر الأخير للحركة في غشت 2018، عملت الحركة على تجسيد التمايز على هذا المستوى، حيث لم يعد أي عضو من أعضاء المكتب التنفيذي يجمع بين عضويته في قيادة حركة التوحيد والإصلاح وعضويته في قيادة حزب العدالة والتنمية.

وتأسيسا على ما سبق يبدو جليا أن خيار التمايز كان حاضرا منذ البدايات الأولى للمشاركة السياسية؛ (على الأقل نظريا)، رغم أن الحزب كان لا يزال في حاجة ماسة إلى الاحتضان والدعم (البشري والمالي)، وقد كادت الأحداث الإرهابية في 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، أن تعصف بالأخضر واليابس في هذه التجربة الفتية، بعدما استغلت التيارات العلمانية والأحزاب المنافسة الظرفية للنيل من التيار الإسلامي المشارك -على وجه التحديد- وتحميله مسؤولية ما وقع من أحداث إرهابية، خصوصا بعدما حققه من نتائج برلمانية في انتخابات 2002، وبدأ يشكل زحفا قويا داخل اللعبة السياسية، ويملك حاضنة شعبية مجتمعية من جهة ثانية. وهنا يؤكد (أحمد الريسوني)؛ أن الأحداث كان لها دورا في تسريع فكرة التمايز (التمايز الوظيفي، والتمايز في الشخصية والتمايز القانوني[9].

وأعتقد أنه آن الأوان، لكل من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية أن يقييما علاقتهما الإستراتيجية، خصوصا في بعدها الدعوي والسياسي؛ وذلك لأن لكل مرحلة خياراتها وأهدافها، وخصوصا أن تجربة حزب العدالة والتنمية لولايتين تشريعيتين (10 سنوات من رئاسة الحكومة)، قد أرخت بانعكاساته السلبية على الحزب نفسه (وهذا أمر طبيعي) مادام الأمر يتعلق بتدبير سياسي واجتهاد بشري، لكن الأخطر من هذا هو الانعكاس والتأثير الذي سيلحق بالدعوة ورموزها داخل الحركة الإسلامية المشاركة.

هوامش:

[1] : ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية، بلال التليدي، حوار مع الدكتور أبو زيد الإدريسي، الجزء 4، الطبعة 1، سنة 2010، ص83.

[2] : نفسه، ص 83-84، بتصرف.

[3] : الحركة الإسلامية المغربية صعود أم أفول، أحمد الريسوني، سلسلة حوارات، منشورات ألوان مغربية، مطبعة النجاح الجديدة 2004، ص 66-67، بتصرف.

[4] : الرسالية في العمل الإسلامي استيعاب ومدافعة، محمد الحمداوي، منشورات حركة التوحيد والإصلاح، الطبعة الأولى 2008، ص57.

[5] : نفسه، ص 45.

[6] : مقال حركة التوحيد والإصلاح المغربية وخيار التمايز مع حزب العدالة والتنمية إلى أين؟، محمد عليلو، موقع alislah.ma، 5 مارس 2021 ، زيارة الموقع بتاريخ 14 مارس 2021.

[7] : الرسالية في العمل الإسلامي، مرجع سابق، ص 62.

[8] : نفسه، ص 61.

[9] : الحركة الإسلامية المغربية صعود أم أفول، مرجع سابق، ص 73.

أخبار / مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى