تقارير ودراسات أكاديمية: فرض الفرنسية في التدريس يفاقم الهدر المدرسي والفشل التعليمي

أكدت تقارير ودراسات أكاديمية وتقييمات ميدانية أن إجبار التلاميذ على دراسة المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية بالمغرب تحول إلى عائق بنيوي.
ويتسبب ذلك الإجبار في تفاقم أزمة الهدر المدرسي. ويدفع بعشرات الآلاف من التلاميذ سنويا نحو الانقطاع عن الدراسة والفشل التعليمي.
عائق بنيوي ونزيف مدرسي سنوي
وأوضحت الأبحاث الوطنية والدولية (من بينها دراسة صادرة عن مجلة Frontiers in Psychology ) أن فرنسة المناهج العلمية أفرزت اختلالا عميقا في المنظومة التعليمية.
وحسب الدراسة المسومة بـ”الفرنسية في التعليم المغاربي: لغةٌ مُعقَّدة تُعيد إنتاج الفشل وتستنزف الاقتصاد”، فقد بلغت أعداد المنقطعين عن الدراسة زهاء 300 ألف تلميذ سنويا.
وجاء ذلك نتيجة فرض لغة تدريس أجنبية لا يستوعبها الغالبية العظمى من المتعلمين. وهذا يعرقل تحصيلهم الدراسي، ويحول المدرسة العمومية من أداة للارتقاء الاجتماعي إلى آلية لتكريس الفرز والتمييز الطبقي.
حاجز لغوي مصطنع وإرباك بيداغوجي
وأشارت الدراسات التحليلية للسياسات اللغوية إلى أن الإشكال المحوري لا يرتبط إطلاقا بالقدرات الذهنية للمتعلمين. وفي طليعة تلك الدراسات؛ دراسة “السياسة اللغوية وإشكال اختيار لغة التدريس بالمغرب” المنشورة بمجلة المعرفة
و يرتبط الإشكال بالحاجز اللغوي المصطنع، الذي يفرض عليهم عبئا مضاعفا يتمثل في مصارعة شفرات اللغة الأجنبية، والمصطلحات المعقدة في الوقت ذاته، الذي يفترض فيه أن يستوعبوا المادة العلمية الشاقة.
وأكّدت المعطيات عن عدد من الدراسات الرسمية أن 70 في المائة من تلاميذ الثانوي الإعدادي يجدون صعوبات حقيقية في فهم لغة الدرس. بينما يصل 41 في المائة من تلاميذ الابتدائي إلى السلك الإعدادي دون امتلاك الحدود الأدنى من الموارد اللغوية بالفرنسية. وهذا يجبر 46 في المائة من المدرسين على الشرح بالدارجة المغربية تجنباً للتعثر الشامل.
ومن بين هذه الدراسات الرسمية، نجد دراسة “طاليس” (TALIS) الدولية للتعليم والتعلم الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، وتقرير البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات (PNEA) الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
إحباط نفسيّ وتدهور التحصيل في المواد العلمية
وتترتب على الإرباك البيداغوجي؛ مشاعر حادة من الإحباط وفقدان الثقة بالنفس لدى المتعلمين. وتسببت في تدني نسب التحكم في المواد العلمية.
وكشفت الدراسة الميدانية للباحثة ليلى الزهاوي (جامعة ابن طفيل) حول المسالك الدولية بسيدي سليمان، أن 52 في المائة من التلاميذ يواجهون صعوبة بالغة في مادة علوم الحياة والأرض بسبب تعقد المصطلحات الفرنسية. وتنتهي هذه التراكمات السلبية بالتكرار المتكرر والانقطاع المباشر .
تكريس التهميش الاجتماعي وإقصاء أبناء العالم القروي
وسلطت الأبحاث الميدانية الضوء على البعد الاجتماعي الأليم لهذا الحاجز اللغوي. ومنها الدراسة الميدانية لمنطقة خنيفرة الخاصة بفيزيولوجيا الهدر المدرسي بالوسط القروي. وأكدت أنه يضرب بقوة في أوساط أبناء الفئات الهشة والمناطق القروية، التي تفتقر للدعم الأسري والموارد المالية.
وبينت دراسة بعنوان “السياسة التعليمية واللغوية في إفريقيا: حالة المغرب” للباحث محمد نافع العشيري، أن التعقيد التركيبي والإملائي للغة الفرنسية يُضاعف الفشل لدى أبناء العالم القروي والمهمشين الذين لا يتحدثون الفرنسية في بيئتهم اليومية، محولا التعليم إلى خدمة نفعية ونخبوية تميز مادية القادرين على تحمّل كلفة دروس الدعم والمدارس الخاصة.
ويأتي في مقابل ذلك، إقصاء أبناء الفقراء وطردهم مبكرا نحو الشارع أو سوق الشغل غير المنظم. وهو مايشكل نسبة تسرب بلغت 33 في المائة بين الفئة العمرية من 15 إلى 17 سنة.
وأكدت التقارير ذاتها أن دروس التعويض والدعم المكلفة لا تسهم إلا بقدر يسير في خفض نسبة الانقطاع (من 54% إلى 46%). وهذا يعطل أدوار المدرسة كرافعة تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي.
تجاوزات تشريعية ومطالبة رسمية بالعودة للغات الوطنية
وعلى الصعيد التشريعي والمستقبلي، نبّهت عدد من الفعاليات الأكاديمية والتكتلات التربوية إلى أن توسيع الفرنسة الإجبارية، وإلغاء خيار التدريس باللغة العربية؛ يمثل خرقا صريحا للفصل الخامس من الدستور وتجاوزا لمبدأ التناوب اللغوي المكتوب في القانون الإطار رقم 51.17 .
وأكدت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولية والرياضة في “كراسة مواضيع البحث التربوي ذات الأولوية (نسخة 2024)” وجود ارتباط بنيوي مباشر بين العجز اللغوي بالفرنسية وارتفاع معدلات الهدر.
وفعت هذه المعطيات بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى المطالبة العاجلة بمراجعة السياسة اللغوية المعتمدة.
وشددت هذه الدراسات على أن إنقاذ منظومة التربية والتكوين؛ يتطلب العودة للتدريس باللغة الوطنية لكونها لغة الفهم والتفكير السليم، مع إتاحة اللغات الأجنبية كأدوات تواصل وانفتاح، ضمانا لجودة التعليم، وصيانةً لحقوق المتعلمين، وإيقافا لهذا النزيف المدرسي الصامت.




