ترياق الهدوء – حسن يشو

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ” إنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ: الحِلْمُ، والأناةُ”[1].

أوصيك يا طالب العلم وأيها الداعية إلى الله بالهدوء واعلم أن ثمة مصطلحات ذات علاقة وطيدة بالهدوء على غرار الحلم والأناة، والتعقل والرزانة ورباطة الجأش والتؤدة والبصيرة.

في المعجم العربي ترد مادة (هَدَأَ) يَهْدَأُ هَدْءًا وهُدُوءًا: بمعنى سَكَن، يكون في سكون الحركة والصَّوْت وغيرهما. وتقول العرب: “لا أهْدَأَهُ الله” أي: لا أسْكَنَ عَناهُ ونَصَبَه. هدَّأت الأمُّ ولدَها: إذا أزالت ما به من غضب وانفعال وجعلته يهدأ ويسكن. ومنه هدّأ الدَّواءُ ألمَ المريض، وكذا هدَّأ من رَوْعه: سكّنَ فَزَعَه. وهَدَأَ رَوْعُهُ: خَفَّ بَعْدَ هَيَجَانٍ وَثَوْرَةٍ.

وقد حمل الهدوء في جذوره العربية معاني الاطمئنان والاسترخاء والانشراح والسكون والسعادة وعدم الخوف؛ وهو ما نريده من طالب العلم حتى يكمل مشواره التحصيلي، ونريده من العاملين في حقل الدعوة من الدعاة والمفكرين والقادة وصناع القرار على أن يترزنوا ويتعقلوا ولا يشتطوا عن سواء السبيل ويفقدوا صوابهم؛ لأن الدعوة الإسلامية تحصد الشوك من أناس متعجلين وشخصيات قلقة لا تستقر على حال، فما أحوجنا إلى هدوء العاطفة ورصانة العقل فنتائج الهدوء إذًا لا تخفى؛ فالهدوء مكسب سلوكي راق، وثقافة وحضارة، وغنيمة كبيرة بل هي غاية في الإيجابية والريادة والإشعاع.

 واعلم يا أُخيّا أن الهدوء يزيد المرءَ جاذبية وأناقة ومنزلة، وأنه سمة ظاهرة من سمات النجاح، وينمُّ عن شخصية قوية متماسكة، بل أضحى هو العنوان البارز لكل الأحرار الواعين الرّاقين والمتحضرين!

وأما من يثور لأتفه الأسباب ويفقد صوابه ورشده عند أول احتكاك أو اختبار؛ فهو لا محالة ضعيف الشخصية وإن كان يحتوي على عضلات مفتولة قوية تكسو بدنه العملاق، لكن لا قيمة لأجساد البغال التي تسكنها عقولُ العصافير.

ولا تترك يا أُخيّا لسانك يسبق عقلك أبدًا، فالسكوتُ من ذهب حين يسَعُك السكوت؛ فالفم المطبق لا يدخله الذباب. فخير الكلام –إذًا- ما قلّ وجلّ ودلّ، وأكثرْ -يا رعاك الله- العمل بهدوء ولا فخر. واعلم أن لنا لسانًا واحدًا وأذنين اثنتيْن؛ لنتعلم الإنصات أكثر من الكلام، فحاجتنا لأدب الاستماع كحاجتنا تماما إلى أدب الكلام.

الهدوء لا يعني أبدًا ضربًا من البكم أو الصمم، أو عدم القدرة على الحديث، أو ضعفًا وترهلًا في الشخصية، بل هو في واقع الأمر عين العقل والحكمة؛ إذ يدل على العظمة والقوة والوعي، والقدرة على التحدث في الوقت المناسب؛ حتى لا يبتذل في أُتون ردود أفعال طائشة غير مسؤولة. وتأكد يا أخيّا أن الهادئ يتكلم بدقة ووضوح وإيجاز، وأن كلامه هادفٌ قاصد على خلاف المتوتر المنفلت، والعجول الزئبقي.

فإن كنتَ هادئًا فستشيع الطمأنينة في نفوس من احتكّ بك أو حضر مجلسك، وتجبرهم –لا محالة- على الأنس بك شاءوا أم كرهوا والإقبال على الحياة بانشراح وأمل. واعلم أن نقطةً من العسل تصيد من الذباب أكثر مما يصيده برميل من العلقم! حين تُعرف بهدوء الشخصية تكسب الأصدقاء من حولك بالثقة فيك والارتياح لجنابك والاستعداد للأخذ عنك والتأثر بأفكارك! فاقرأ إن شئت كتاب: “كيف تكتسب الأصدقاء؟” لديل كرنيجي فهو مفيد في بابه!

لا المال ولا العظمة أيها العاقل اللبيب يمنحانك السعادة، وإنما تمام السعادة تتجسد في الهدوء المصحوب بالعمل الجاد.

الهدوء –يا صاح- أسلوبٌ راق يستأثر به العظماءُ فلا يعرفه كل البشر.. ولو عرفوه لما تركوه؛ قصتهم قصة من جهل شيئا فعاداه، فلو عرف قيمته لالتحم به وتماهى معه ولَما تركه.

اعلم يا عزيزي أن الهادئ ليس مغبونًا على كل حال؛ فهو يفيد جدًّا من فراغه وأيامه؛ لأنه يعيش متمليًا من حاضره، ولا يرهق نفسه بأحزان الماضي، ولا بمخاوف المستقبل؛ فهو متثبتٌ قائم على قدم راسخة وساق!

الهدوء –خلافا لمن يعتقده بضاعة مبتذلة- يحتاج إلى الكثير من الإعداد والصبر والتحمل.. وأما الضجيج فيكفي لإتقانه والتفوق فيه أن تمتلك موهبة الصراخ!

إن الضجيج يا أخيّا يسيطر على كافة المنابر الإعلامية، ويرغي ويزبد في أغلب مواقع التواصل الاجتماعي، وآثاره لا تخفى في العوالم الزرقاء والخضراء والحمراء.. وأما الهدوء العاقل فلا منبر له بل معقله ومستقره نفسك التي بين جوانك فلا تقصر إذًا فيه وقم بين الفينة والأخرى بتغذيته، بل كل لحظة!

كثيرا ما يندم المرءُ على ردود الفعل الغاضبة، وأفعاله المشاكسة، ومواقفه الرعناء، ولكنه لا يندم أبدًا –حاضرًا ومستقبلًا- على الرزانة والتعقل والهدوء بل يزداد رسوخا وعمقا!

فاحرص -ما أمكنك الحرصُ- أن يكون بعض الوقت لأهلك وذويك ورحمك، وبعض الوقت لعملك وشغلك، وبعض الهدوء لنفسك، بل روِّضْ النفس على الهدوء؛ لإعادة ترتيب أمورك –كل أمورك الدراسية والحياتية والمهنية- ومحاسبة النفس على ما مرَّ بك، والتخطيط لتجاوز ذلك بهدوء؛ فهو دونما تردد الضمان لأمان مستقبلك المضيء حين تشق طريقك بهدوء إلى مرفأ السلام.

عند تراكم الأعمال واشتداد الهم والحزن وضغط التكاليف احترس على نفسك يا أُخيّا وفي لحظةٍ هادئة عليك أن تدَع كلَّ شيءٍ وتجلس في هدوء وتنتظر الطمأنينة؛ لتجد طريقها إليك فهو ترياق الانشراح.

الهدوءُ يخلصك من التوتر والضغط، وروتين الحياة المتتابع، وتراكم الأشغال وما يصحبها من كلل أو ملل!

الهدوء يمنحك التركيز، ويحميك من التشويش، إن حافظت عليه في المواقف الصعبة وعند الضغوط ستكون ثاقبًا في نظرك، متزنًا في قرارك، مطردًا في منهجك، منسجمًا مع قناعتك.

تنمو الموهبة مع الهدوء والسكون، وتنمو الشخصية بخوض معترك الحياة فلا مناص إذًا عن الهدوء والعمل الجاد!

وانظر يا أخيّا إلى الجزء المملوء من الكأس بامتنان، واعمل بهدوء على ملء النصف الفارغ!

وكن مثل الضوء في الظلام .. وكن أنت الهدوء في وسط الزحام.. وتعلّم الهدوء مع السَّحَر والناس نيام.. ومع فترة الفجر وما بعدها فهي أدعى لراحتك ومنطقك وتفكيرك.. ألم قل الله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء: 78].

واخْتل بنفسك بين الفينة والأخرى خلواتٍ صافية للتأمل والتدبر والقراءة والتعبد؛ فهي لحظات ولا أروع منها تحقق لك الهدوء والتوازن والتركيز، وتدفع في نفسك قوة هائلة لمواصلة الطريق على صعوبته ووعورة مسالكه وتحديات جميع عقباته.

واعلم يا أخيّا أن النجاح حقيقة هو على قدر الهدوء والاسترسال والعمل الجاد وعدم التكلف.

وتفاءل ما وسعتك النفس للتفاؤل؛ فالتفاؤل يا أخيّا يمنحك هدوء الأعصاب حتى في أحرج الأوقات. واعلم أن التفاؤل يجعلك متعلقا بفرج الله حتى ولو كانت التحديات كلها ضدك فالبحر أمام موسى والعدو خلفه ومع ذلك: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62].

واعتن بضميرك وأعماقك فهو عالمك الذي لا يعرفه الناس؛ لأن الضمير الهادئ هو الطريق للإنسان الإيجابي الهادئ، والمستقبل المزهر الحافل.

ولا تسكن في غير عشك، ولا تخض في غير ما تحسن، فلو سكتَ من لا يعرف لقلّ الخلاف، ومن خاض في غير ما يحسن أتى بالبلاوي، ولو تحدث الناس فيما يعرفونه فقط لساد الهدوء في أماكن كثيرة ومجالات كثيرة، وأزمنة كثيرة.

فإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقد ألف الإمام السيوطي كتابا وسمه بــ: “حسن السمت في الصمت” صدّره بحديث: “من صمت نجا”[2] أي نعم، ينجو الصامت من الخوض مع الخائضين، وينجو من ردة الفعل الحمقاء، وينجو من التوتر والاضطراب الذي يفقد الصواب، ويفضي إليه الكلام مع غير العقلاء الحكماء، فالهدوء الهدوء ينبغي أن يكون ملاذك يا أيها الطيب الغالي.

فما أكثر المتكلمين بإزعاج وما أقلّ السامعين بهدوء!

واعلم أن لسانَك حصانُك إن صنته صانك .. وإن أهنته أهانك.

 وكنْ مستمعًا جيدًا لتكون متحدثا لبقا؛ فلا يجب أن تقول كل مـا تعرف، ولكن يجب أن تعرف كلّ ما تقول.

واعلم أن الإنسان الناجح هو الذي يغلق فمه قبل أن يغلق الناس آذانهم، ويفتح أذنيه قبل أن يفتح الناس أفواههم.

واحرص دائمًا عندما تدخل في نقاش مع غيرك، على هدوء أعصابك؛ فعدم الهدوء مغامرة خاسرة ومرهقة للنفس، تخنقك وتزيد في الضغط، وتورث نوبات للقلب، وتقْلِي الخلق من حولك.

وتأكد أن العمل والهدوء وجهان لعملة واحدة، ففي العمل الجاد تشعر أنك تنجز وتتقدم، وأما مع الهدوء فتشعر بمنتهى السعادة علاوة على أنه يساعدك على حسن الإنجاز وعلى إنجاز أكبر في عملك.

ولا تكثر الكلام عن ماضيك فلا يفعل ذلك إلا من فقد حاضره، ولا الكلام عن كان أبي وإنما المرء من قال: ها أنذا.. بهدوء وروِيّة ورزانة. ولله در القائل:

كنْ ابن من شئت واكتسب أدبًا ** يغنيك محمودُه عن النسب

إن الفتى من يقول ها أنذا ** ليس الفتى من يقول كان أبي

فإن امتطيتِ الهدوء منهجًا في حياتك فلن تقبل ابتداء كل ما يعرض عليك من أفكار وآراء؛ لأنك ستقلب الأفكار من كل جانب وتقرر في آخر المطاف الرأي الوجيه بهدوء.

بالهدوء يا أخيّا أضمن لك اليقظة الدائمة التي تفضي إلى مزيد من التفهم والوعي والتدبر وتأمل العواقب واحتساب النتائج.

كل ما يروجه المتعجلون -الذين تدمرت فيهم خصلة الهدوء- لا يجد صدى في أفئدة الهادئين يا عزيزي، فلن تؤثر فيهم المفاجآت، والمعاكسات، وخيبة الأمل، وكافة الصدمات على اختلاف درجاتها فلن تزعزع كيان الهادئ، ولا تضعضع توازنه. فهو أصلا يتحاشى مواطن الضجيج والصخب، من غير أن يهدر طاقته في النواح والعويل والارتباك والشكوى، بل يتخذ بكل برودة أعصاب ورباطة الجأش: التدابير الضرورية لإدارة الأزمات، ومقاومة المفاجآت، وتحوير الأحداث وتطويعها للخير، ونزع ما فيها من أذى، وينصرف هادئًا إلى ما تبقى له من وسائل العمل الجاد والإنتاج النافع.

إن الهادئ لا يغامر في دهاليز غير مأمونة ولا رجعة له منها، ولا يوغل به العذاب في عتمة التشاؤم، وإنما يحتفظ بثقة في نفسه، ويستجمع قواه؛ لتلافي النتائج السيئة، وبناء مستقبل يرضى عنه.

فكن –إذًا- شجرة باسقة سامقة ضاربة بجذورها في الأعماق تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تكن ضعيف الشخصية كشجرة مقطوعة الجذور واهية تؤثر فيها أهون الرياح فتعصف بها!

والهدوء يا عزيزي يقتضي ما يلي:

العلم النافع:

من حصل علما ونفعه الله به في حياته كان هادئا؛ قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 7]. عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سَلوا اللهَ علمًا نافعًا، وتعوَّذوا باللهِ من علمٍ لا ينفَعُ”[3]. وعن معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، واللَّهُ المُعْطِي وأَنَا القَاسِمُ، ولَا تَزَالُ هذِه الأُمَّةُ ظَاهِرِينَ علَى مَن خَالَفَهُمْ حتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وهُمْ ظَاهِرُونَ”[4]. وعليه؛ فمن لم يحتمل ذلّ التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا.

الحكمة والفطانة:

الحكمة هي وضع الشيء في موضعه اللائق به والمناسب بحيث لو وضع في غيره لأفضى إلى نتائج سلبية وكذلكم الهدوء في اتخاذ القرار؛ قال الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [البقرة: 269].

عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمنُ كيِّسٌ، فَطِنٌ، حَذرٌ، وقَّافٌ، لا يَعجلٌ”[5]. قد قيل: “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحقُّ بها”، ومن أقوال الشعراء:

لا تحقرنَّ الرأي وَهْوَ موافقٌ ** حُكْمَ الصوابِ وإن أتى مِن ناقصِ

فالدرُّ وَهْوَ أعزُّ شيءٍ يُقتَنَى ** ما حطَّ قيمتَه هوانُ الغائصِ

حسن الخلق:

من تحلى بحسن الخلق كان في مصاف المتعقلين الهادئين؛ لذا كان الحبيب المصطفى مجمع الأخلاق في بعثته؛ قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]. عن النواس بن سمعان قال: “سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ”[6].

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ و في روايةٍ (صالحَ) الأخلاقِ”[7].

القوة وعدم العجز:

من امتلك القوة في بدنه وصحته ورزقه كان أدعى للهدوء من التوتر والثورة؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك “الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ”[8]. واعلم أن الرجل يكون أقوى بهدوء أعصابه وقدرته على مواجهة المشاكل واتخاذ القرار.

الصبر وتحمل الأذى:

من لا يملك ناصية الصبر انفلت كل شيء في حياته ولا محل للهدوء في واقعه؛ لذلك ذكر الصبر نيّفًا وتسعين مرة في القرآن الكريم؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران: 200]. عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها”[9].

عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبِرُ علَى أذاهُم خيرٌ منَ الَّذي لا يخالِطُ النَّاسَ ولا يصبرُ علَى أذاهم”[10].

ترك الغضب:

من استشاط غضبا استحوذ عليه الشيطان فلا يملك نفسه ولا يهدأ؛ عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رَجُلًا قَالَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أوْصِني. قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ»[11]. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ”[12].

الحلم والأناة:

إن الحلم والأناة صفتان لا مندوحة للهادئ عنهما؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ»[13]. لذا قيل: “ثَلاثَةٌ لا تُعرَفُ إِلاّ في ثَلاثة مَواطِنَ:

لَا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ،

وَلَا الشُّجَاعُ إِلَّا عِنْدَ الْحَرْبِ،

 وَلَا أَخٌ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَة”.

البصر النافذ والعقل الكامل:

وما أحوج الإنسان إلى البصر والبصيرة لإدراك العواقب، فمن لا بصيرة له كيف يكون هادئا!؟ للأثر في الباب: “إنَّ اللَّهَ يحبُّ البصرَ النَّافذَ عندَ ورودِ الشُّبُهاتِ ويحب العقلَ الْكاملَ عندَ حلولِ الشَّهواتِ”[14]. وفي رواية: “عند هجوم الشهوات”.

التيسير والتبشير:

من عرف بالتشدد والتعسير والتنطع لا يمكن أن يكون هادئا؛ عن أنس رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا»[15]. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثمًا، فَإنْ كَانَ إثمًا، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى”[16]. وعن أَبي هريرة – رضي الله عنه – قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»[17]. واعلم أنّ كلّ أمر عسير لا يبقى على حاله، وتأكد أنّ دوام الحال من المحال وهذه سُنة الكون.

الحياء:

إن الحياء خلق الأنبياء والأولياء الصلحاء والمؤمنين يجعل المرء هادئا في حياته؛ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أشَدَّ حياءً مِن العَذراءِ في خِدْرِها وكان إذا كرِه شيئًا عرَفْناه في وجهِه”[18].

عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الحَياءُ لا يَأْتي إلَّا بخَيْر”ٍ فقالَ بُشيرُ بنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ في الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقارًا، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً فقالَ له عِمْرانُ: أُحَدِّثُكَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتُحَدِّثُنِي عن صَحِيفَتِكَ[19].

الرفق:

إن الرفق سمة الهدوء في حياة الناس؛ عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ»[20].

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه»[21].

وعنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لاَ يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»[22].

وعنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ»[23].

الرحمة والعفو:

إن العفو مدخل كريم للسيطرة على النفس الأمارة بالسوء، ومدخل للهدوء والرزانة والتعقل؛ قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159]. عن علي بن أبي طالب قال: “اعْفُ عمَّنْ ظَلَمَكَ، وصِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وأحسنْ إلى مَنْ أساءَ إليكَ، وقُلِ الحقَّ ولَوْ على نفسِكَ”[24].

الإحسان:

لعل من أبرز سمات الهدوء الإحسان؛ عن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ»[25]. وعن عائشة قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحبُ إذا عملَ أحدكُم عملا أن يتقنهُ”[26]

السماحة واللين:

يتراوح المرء بين اللين والشد وبين الجزر والمد وبين الأخذ والرد؛ في أن من كان ليِّنًا هيّنًا امتلك إربه وزمام نفسه وكان هادئا بامتياز؛ قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ) [آل عمران: 159]. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قال: “رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى”[27]. عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ»[28].

الشورى والتشاور:

إن الذي يمتشق الشورى سلوكا ومنهجا لا يمكن أن يخيب أو يندم؛ وهو الطريق الأمثل للهدوء في المواقف الرصينة والقرارات الحاسمة؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الشورى: 38].

الثبات في الأمر:

إن الثبات على الدين بملازمته والاستقامة على قيمه ومبادئه، وعدم التقلب الذي هو من شأن التعجل والتسرع هو كفيل بضمان الهدوء؛ عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»[29].

قال ابن القيم: “فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضمَّ الثبات إلى العزيمة أثمر كلَّ مقام شريف وحال كامل، ولهذا في دعاء النبي الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ» ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر”[30].

 ——–

الهوامش:

[1] رواه مسلم برقم (17).

[2] أخرجه الترمذي برقم (2501)، وأحمد برقم (6481).

[3] أخرجه ابن ماجه برقم (3843)، وعبد بن حميد في ((المسند)) برقم (1091)، وأبو يعلى برقم (1927).

[4] أخرجه البخاري برقم (3116)، ومسلم برقم (1037).

[5] أخرجه أبو الشيخ في ((أمثال الحديث)) برقم (258)، والديلمي في ((الفردوس)) برقم (6544) مطولًا، والقضاعي في ((مسنده)) برقم (128) مختصرا.

[6] أخرجه مسلم برقم (2553).

[7] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (45).

[8] أخرجه مسلم برقم (2664).

[9] أخرجه مسلم برقم (223).

[10] خرجه ابن ماجه برقم (4032)، وأحمد برقم (5022) باختلاف يسير، والبخاري في ((الأدب المفرد)) برقم (388) واللفظ له.

[11] رواه البخاري برقم (48).

[12] أخرجه البخاري برقم (6114)، ومسلم برقم (2609).

[13] أخرجه مسلم برقم (17) و(25).

[14] ضعفه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: 5/134.

[15] أخرجه: البخاري برقم (69)، ومسلم برقم (1734).

[16] أخرجه لبخاري برقم (3560)، ومسلم برقم (2327).

[17] أخرجه البخاري برقم (220). «السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.

[18] صحيح ابن حبان برقم (2307)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

[19] أخرجه البخاري برقم (6117)، ومسلم برقم (37).

[20] أخرجه مسلم برقم (2592).

[21] أخرجه البخاري برقم (6927)، ومسلم برقم (2165).

[22] أخرجه مسلم برقم (2593).

[23] أخرجه مسلم برقم (2594).

[24] صحيح الترغيب برقم (2467) وقال الألباني: صحيح لغيره.

[25] أخرجه مسلم برقم (1955).

[26] رواه البيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1113)، وصحيح الجامع برقم (1880).

[27] أخرجه البخاري برقم (2076).

[28] أخرجه: الترمذي برقم (2488) وقال: «حديث حسن غريب».

[29] صحَّحه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم: [3228]، وحسَّنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.

[30] انظر طريق الهجرتين لابن القيم: 1/ 401.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى