تأملات رمضانية في نداء: “يا باغي الخير أقبل”

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومَرَدَة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي  منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عُتقاء من النار وذلك كل ليلة”(الترمذي)، هذا الحديث يدعو الى اغتنام شهر رمضان في الطاعات والمبرات، ويدعو كل الناس إلى الإقبال على فعل الخير، لأن الخير متأصل في النفس البشرية، وتتجلى دواعيه في أحوال الناس، وحاجاتهم.

إن نداء “يا باغي الخير أقبل” يوحي بالتأملات الآتية: 

التأمل الأول:

يا باغي الخير أقبل” نداء مفتوح لكل مؤمن بفعل الخير، وهو تأكيد على أن ابتغاء الخير هو سلوك فطري كامن في النفس البشرية، ويتحقق بمجرد إيقاظ الفطرة السليمة، واستدعاء نبض الحاجة المجتمعية الى مد يد العون والتعاون بين الناس… فباغي الخير قد يُقبل وقد لا يُقبل، إلا أنه في رمضان لا يمكنه إلا أن يُقبل، مادام أن رمضان قد اختصه الله تعالى بإيقاظ الرغبة في فعل الخيرات،  وانقياد الأنفس إلى المبرات، وهو ما يجعل هذه الأنفس مقبلة على أن تتدرب وتتأهل أكثر وتتعود على الخير في رمضان، لتبقى وفية لهذا الخير خارج رمضان…وحتى في حالة الإعراض عن الخير سلوكا وممارسة، أو نقص خزانه في النفس، فإن نداء الخير سيظل مطمورا ومردوما فيها ينتظر لحظة تسلل إشعاع الخير إليها، فتحيى الرغبة وتتجدد مرة أخرى برمضان، أو بدونه…

التأمل الثاني:

يا باغي الخير أقبل” هو ابتغاء الخير من أجل اتقاء للشر، حتى لا تتسع دائرته، وتكبر مساحته، فكثير من الناس يشتكون زيادة المنكرات والشرور والجرائم في المجتمع، وقليل منهم من يقدر أنه بمقدوره أن يسهم في التخفيف من حدة هذه الزيادة… لأن الشر في عمقه هو رد فعل عن سلوك تخلف أهل الخير عن خيرهم، ومحاكاة للنزعة في أن يعيش الإنسان فوق قدره وأعلى من شأنه.

وذهبت بعض الكتابات الفلسفية في اتجاه أن الشر متأصل في النفس البشرية، وأن الطبع الغالب في البشر هو الميل نحو الحدة والتصلب والتغلب، وأن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”… وهو ما وجدته المدرسة الجنائية الإيطالية شرطا لتبرير جنوح الأفراد وما يرتكبونه من شرور، إلا أن هذا المنحى تم تطويره وتدويره في اتجاه إبراز تأثير الواقع الاجتماعي والاقتصادي على السلوك العام للأفراد، وأن الشر الكامن في الإنسان إنما هو انعكاس لواقع غير متوازن.

 إن رمضان، وما يحمله من دلالات وإشارات لتشكيل رأي عام جمعي يقوم على وحدة الشعور وتبادل الخيرات والمنافع، هو شهر كفيل بإحياء ما اندرس من معاني الخير المتأصلة في النفس البشرية.. فالإقبال على ابتغاء الخير هو السلوك الذي يشيد الحضارات، ويقيم العلاقات، ويديم المعروف بين الناس، ولهذا كان الحض عليه والتشديد على ضرورته وأهميته في المجتمعات، مصذاقا لقول الله تعالى: “فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (48) سورة المائدة.

التأمل الثالث:

يا باغي الخير أقبل” نداء مفتوح إلى كل إنسان يريد أن يكون من المسارعين إلى الخير، والمبادرين إلى فعل الخيرات، فرمضان هو شهر مفتوح أمام الناس لتليين قلوبهم، وإحساسهم بالآخرين، وتدفق معاني الرحمة من أيديهم، فالخير مسكون في العالمين، كل العالمين، الذي شملته رحمة الله تعالى، في قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، والله تعالى هو رب العالمين، وهذا يقتضي التسليم بأن إنتاج الخير ليس حكريا على عالم المسلمين، وإنما يسع كل العوالم الممدودة الصلة بهدي السماء، ويوجد في كل النفوس البشرية.

التأمل الرابع:

يا باغي الخير أقبل” هو فعل للخير، وتمليكه للغير، فنحن أمة الاقتداء والاتباع والتقليد، وكلما رأينا شخصا يبتغي الخير ويقبل عليه إلا وأيقظ فينا شوقا وتشوفا إلى صنع صنيعه،  ولنا المثل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل، الذين جاؤوا يسألونه عن أهل الدثور والذين ذهبوا بالأجور تطلعا إلى مزيد من فعل الخيرات، وعدم الارتهان إلى الواقع الذي قد يكبل الإرادة، ويعيق الرغبة في فعل كثير من المبرات. إلا أن التوجيه النبوي قد وضع الأمور في موضعها الحق، وبين أن الخير تتعدد طرائقه، وتتنوع وسائطه، ويتعين فعله، أو الدلالة عليه، وتمليكه للغير لفعله والدلالة عليه… “إن لكم بكل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً، وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٍ بالمعروف صدقةً، ونهيٍ عن منكرٍ صدقةً، وفي بُضْعِ أحدكم صدقةً (حديث في صحيح مسلم).

بقلم : صالح النشاط

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى