تأملات رمضانية: هلال رمضان، ورؤية الفقيه والفلكي

كلما اقترب شهر رمضان، إلا وتجدد الحديث عن مطالع هلال رمضان، ورؤية هلال رمضان، والسؤال عن السر الكامن وراء الاختلاف في تحديد اليوم الأول من الصيام بين مختلف دول العالم… وهل الحاجة اليوم باتت ضرورية في استدعاء خدمات علم الفلك المتخصص في رصد الكواكب وحركية النجوم؟.

وإذا كان هذا الموضوع لم يعد مطروحا اليوم، بالحدة التي كان يطرح بها خلال سنوات الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي، إلا أنه سؤال يختزن الرغبة المشتركة لأبناء الأمة الإسلامية في تقوية مطلب الوحدة والاتحاد في ممارسة مختلف الشعائر والمناسبات الدينية؛ فالأمة الإسلامية هي جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

هذا الاختلاف راجع إلى الأصل الفقهي الذي تعتمد عليه كل دولة في مراقبة الهلال، وهو ما يصطلح عليه باتحاد أو اختلاف المطالع، وهو يعن، في الأول، أن الهلال إذا تمّت رؤيته في بلد من البلدان، فإن رؤيته تُلزم جميع القاطنين في البلدان الأخرى، وأما اختلاف المطالع فيعني أن لكل بلد رؤيته الخاصة به، ولا تلزم أي بلد آخر.

وإذا كان هذا الاختلاف مفهوما ومتفهما لدى العلماء والفقهاء، فإنه ليس كذلك عند عامة الناس، حتى إنه هناك بعض التفاصيل لا يقبلها منطق هؤلاء الناس ونجد صعوبة في تبريرها، مثل أن توجد قبيلتان متجاورتان؛ على الحدود المغربية والجزائرية، على سبيل المثال، وتُطل إحداهما على الأخرى، وإذا نادى مناد من إحداهما يسمع صوته في الأخرى… فالقبيلة الجزائرية كان أول صيامها لرمضان هو يوم الثلاثاء 13 أبريل2021هـ ، والقبيلة المغربية بدأ صيامها يوم الأربعاء 14 أبريل2021هـ .

من حدث اختلاف أو اتحاد المطالع،وأهمية انفتاح الفقيه على خدمات الفلكي، تظهر التأملات الآتية:

االتأمل الأول:

إن الاختلاف الوارد على مطالع رؤية الهلال، هو اختلاف قديم، وخصوصا بعد توسع نفوذ “دولة المسلمين”، ووصول الدعوة الإسلامية إلى العديد من الأراضي، في زمن الخلفاء الراشدين، والأمويين والعباسيين… وهو اختلاف يحكمه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته”، أي أن تصوموا لرؤية الهلال، وتفطروا لرؤيته، وفي ذلك فتح الباب أمام التقدير والترجيح للفقهاء والمتخصصين في رؤية الهلال، بحيث لم يحدد إلزام رؤية أحد لأحد، ولا رؤية بلد لبلد آخر، وإنما الأمر محمول على السعة والاجتهاد في التقدير… وهو ما ينبغي على المسلمين أن يتعاملوا مع هذا الأمر  بانه اجتهاد وتقدير، وفي الاجتهاد لا نجد إلا الأجر والثواب ولا نجد عكس ذلك، فلماذا يتم العتاب، وتوجيه التهم والنفاذ الى النوايا والسرائر، في كون أن المتحكم في هذا الاختلاف هو السياسة والرغبة في تشتيت كلمة الأمة الإسلامية، بدل الانتصار الى منطق الوحدة؟.

االتأمل الثاني:

إذا كان حلم كل مسلم هو أن يصل المسلمون إلى تحقيق وحدة كاملة؛ وحدة تقوي الانتماء وتحيي معاني الشعور الجمعي، وتبني المستقبل للأمة الإسلامية بجميع إمكاناتها ومواردها وفرصها… إلا أن واجب الوقت اليوم هو السعي نحو تعميق وحدة المسلمين داخل كل بلد، وداخل كل قطر، اعتبارا لتوافر مجموعة من الثوابت المشتركة، وهي أولوية ضرورية للتخفيف من حدة الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، في أمور؛ الأصل فيها أنها تخضع لتقديرات وترجيحات، فإذا جاز قبول اختلاف في تحديد فاتح رمضان واختلاف في تحديد فاتح شوال بين الدول والأقطار، فكيف نقبل ذلك داخل الأسرة الواحدة، وداخل المدينة الواحدة والقرية الواحدة؟.

االتأمل الثالث:

كلما أقبل شهر شعبان على الانتهاء، إلا وتجدد النقاش عن دور علم الفلك، وهو العلم المتخصص في دراسة حركية النجوم والكواكب، ورصد مساراتها، وسيرها، ومواقيتها وغيابها وظهورها… وهو بهذه الوظيفة أصبح مؤهلا أكثر من غيره في تقديم هذه الخدمة للفقهاء والجهات المكلفة بمراقبة الأهلة، فإذا كانت بعض الاجتهادات الفقهية مازالت تأخذ بالمفهوم التاريخي “للرؤية”، من حديث “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ” وحديث:  “لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكمم فأكملوا العدة” ، فإن هذا المفهوم ينحصر في الرؤية بالعين المجردة، وإذا تعذر رؤيته بالعين المجردة، فالحل هو إكمال عدة شعبان في ثلاثين يوما، وبالتالي يصبح فاتح رمضان هو اليوم الموالي، حتى ولو أكد علماء الفلك أنه ليس كذلك.

وفي مثل هذه المواطن، لا يمكن إلا التأكيد على قاعدة الجمع أولى من الترجيح، وإذا ما حصل خلاف بين رؤية الفقيه ورؤية الفلكي، فالمنطق العلمي والتطور الذي حصل على مستوى تتبع الكون، ورصد مكنوناته وأفلاكه بأحدث أجهزة الرصد وأدق التكنولوجيات الفلكية، تقضي بترجيح هذا المنطق…كما أنه لم يعد مقبولا اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن نحتكم إلى الجزء الثاني من الحديث:”فإن غم عليكمم فأكملوا العدة”، لأن العلمية والتقنية الحديثة أزاحت الغُمة وفتحت البصيرة.

صالح النشاط

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى