بين نداء الطفولة ونداء الروح – الزهرة الكرش

كنا أطفالا تملأ براءتنا العالم، ضحكاتنا، قهقهاتنا، لعبنا بل حتى بكاؤنا كان ينثر عذوبة خاصة على من حولنا. بدأنا نكبر تدريجيا وبدأت البراءة تتلاشى هي الأخرى تدريجيا، فما عادت شقاوة الأطفال تليق بنا وما عاد الصفاء يسكننا، غاب الطفل لكن روحه ظلت في أعماقنا.

كبرنا وكبرت مطالبا، كبرنا وكبرت همومنا. أصبحنا نشتاق للطفل داخلنا عله يستيقظ من سباته ليحيي الحب فينا، ليعيد الطهر إلى نفوسنا والابتسامة الصادقة إلى شفاهنا.

أحن إلى قاموس طفولتي حيث لا حزن ولا يأس ولا خوف ولا هموم، فكله فرح وأمل وشجاعة وصفاء. أحن إلى الطفل داخلي لأستعيد طعم الحياة وأرى ألوانها، لأستعيد سعادتي التي ضيعتها بين ثنايا أفكاري التي غلب عليها السواد. أشتاق إلى البساطة والعفوية ففكرة ساذجة أو قطعة حلوى قد تكون كفيلة بأن تحدث تحولا عميقا بداخلي لانتقل من حالة البكاء إلى القفز من شدة الفرح والسعادة.

جلست أتأمل ذكريات طفولتي فوجدتني أبتسم بلا تكلف فمجرد التفكير فيها غير مزاجي. فتساءلت ما لنا بعدما كبرنا أصبحنا نعقد البسيط ونهول ما لا يحتاج التهويل. هل ترانا كبرنا لنزداد سعادة أم لنزداد شقاء؟ ما لنا نعطي أمورا لا تستحق حيزا أكبر من تفكيرنا واهتمامنا ووقتنا؟ مالنا أهملنا الأهم لنعكف على الأقل أهمية؟

تأملت العالم الذي نعيش فيه فأدركت أن تعالينا وتضخيم الأنا داخلنا حول عالمنا إلى بركة من دماء، إلى كم هائل من الحقد فأينما وجهت وجهك تجد الحروب والتدمير والتشريد والتهجير والاقتتال، فقلت ليتنا نكبر ونفس الطفولة يكبر فينا لكان عالمنا عالما مختلفا يملؤه الحب والتسامح، فلا أحقاد تملأ القلوب ولا حب مبالغ فيه للذات يعمي الأبصار ولا تفرقة بحسب اللون او الجنس او العرق. سيكون عالما تزين سماءه الألوان ونغمات موسيقاه ضحكات وابتسامات وتصفيق.

لا أدري آشتقت لطفولتي أم لنفسي والصفاء الذي كان يسكنها؟ حاولت جاهدة الإجابة عن هذا السؤال، وفجأة وجدت هاتفا داخلي يناديني قد تكونين اشتقت للطفلة التي تسكنك لكني أنا أيضا اشتقت لك، اشتقت لقلبك العامر بالإيمان ولنفسك التواقة للقرب من الرحمان، اشتقت لخلواتك التي تلهبني إيمانا، اشتقت لصلواتك التي تسقي ظمئي، اشتقت لتسبيحك الذي يحلق بي عاليا بين السحاب، اشتقت لدعائك الذي يهزني فلا أسمع صوتا غير صوتك الذي تخنقه العبرات.

أنا روحك تناديك لتلتحمي معها ولا تسافري بعيدا فنصبح كما الأغراب رغم أنه يجمعنا جسد واحد، حينها أدركت أننا نشقى بهجرنا لأرواحنا وتعلقنا بأجساد قيمتها تصبح صفرا حين تنسلخ عنها.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى