الطاعة والعبادة في رمضان – نورالدين قربال

مهما قارنا الشهور كلها مع رمضان لن نقر إلا بأن رمضان له خصوصيته. صحيح أننا نتوق إلى استمرارية قيم رمضان إلى الأيام كلها. ولكن تلك حكمة الله في خلقه والخير دائم ومستمر إلى يوم القيامة.

إننا نعيش طبعا في شهر الصيام نفحات وفتوحات رمضانية. نختبر فيها المكتسبات والتراكمات التي راكمتها البشرية من خلال العطاء الرباني، انطلاقا من صفة الرحمان التي تهم كل المخلوقات، وصفة الرحيم التي تشكل إضافة نوعية لأهل الصواب والإخلاص.

إن هذه النفحات تؤهل الصائم للمصالحة مع التاريخ، وحقيقة الوجود بأبعاده الكونية والاجتماعية والإنسانية في إطار جدلية المعتقد والسلوك. والطاعة والعبادة.

فالطاعة تتعلق بالدنيوية مؤطرة بالديننة من خلال العلاقة الوطيدة بينها وبين الصيام، والتجاوب الفعلى والعملي مع القرآن الكريم، والجود والعطاء، والرقي في سلم التقرب إلى الله عز وجل. وتوسعة الأرزاق وحضور البركة، والتقوى والتعلم. ومن تم فالطاعة التزام سلوكي ناتج عن اعتقاد سليم للفوز بتأشيرة الدخول إلى جنان الرحمان والاستمتاع برؤيته تعالى لأنها باب كبير من أبواب جنة النعيم.

ومن آليات الطاعة الاستعانة بالله تعالى، والعمل بأحكام الكتاب والسنة. إن الطاعة استقامة، تحمل مفاهيم عامة وخاصة، ولها ثمرات في الدنيا والآخرة. أهمها الإيمان بالله والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر، والفهم والاجتهاد، والانقياد.

رغم كل ما ذكر في حق الطاعة، فإن العبادة أخص من الطاعة، لأنها في عمقها تتناغم مع الغاية من الخلق. وإن كان من الصعوبة التمايز بينهما، لأن الطاعة نتيجة طبيعية لإخلاص العبادة، والعبادة الفلسفة المؤطرة للطاعة. لذلك تتميز في علاقتها بالخالق بالحب والتذلل، وهي حصريا لله عز وجل، أما الطاعة فمفتوحة على جميع الأبواب المستوعبة للإيجابية، والعقلانية والخضوع الإيجابي للباري المبدع. ولازم العبادة هي الطاعة.

وحتى لا تبقى هذه المعالم الكبرى نظرية، فهناك شروط طبيعية الواجب احترامها نحو:

  • الإخلاص والاستغفار طريقان للفتح الرباني المبين.
  • عمارة الأرض بالفكر والقلم والعلم والحكامة في التنزيل والتيسير، والشعور بالحلاوة والطلاوة أثناء إقامة الصلاة، وقراءة القرآن.
  • الطاعة والتجاوب مع الحديث النبوي الشريف، والتفقه في الدين والحياة،
  • إدماج الذات في خدمة الآخر، والتعاون مع الغير على فعل الخير مما يتطلب التصالح مع الذات.
  • الطاعة المساهمة في خدمة الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا.
  • التجاوب الدائم مع القيم الرمضانية انطلاقا من منظومة التجديد للفهم السليم لعظمة الإسلام. وبديهي أن الوعي بالذات مرتبط بالوعي الجمعي.

نخلص مما سبق أن رمضان فرصة سنوية لتجديد التعاقد مع الخالق، لبناء دائم إلى يوم الدين. وهذا هو عين اليقين. حيث تنسج جدلية بين الذات، والإيمان والعزيمة، والشجاعة مع استحضار البعد التربوي لهذا الخير الرباني الموجه للإنسان والإنسانية في أبعادها المعنوية والمادية.

شهر رمضان زمن مفتوح على الخيرات إلى يوم الدين، يتجاوز الزمن الطبيعي، إنه دورة حضارية إيمانية، متجددة ممتدة إلى مجيئ اليقين ويوم الجزاء، مدرسة القرأن والإيمان والتقوى والرحمة والجود والعطاء والفوز بالداريين. فاللهم ارزقنا النية الصادقة والعزيمة القوية لاستثماره في أبعاده العقدية والعملية.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى