التعايش السلمي من منظور إسلامي  – نورالدين قربال

نظم فرع جمهورية غينيا بيساو لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ملتقى علميا يدور حول التعايش السلمي ودوره الفعال في تحقيق الوئام الاجتماعي والثقافي بين الأديان. والحوار الديني جزء كبير من علاج المشاكل التي يعاني منها العالم اليوم، نظرا للارتباط الوطيد بالأديان عالميا.

وقد حاول اللقاء أن يوظف كل القضايا المطروحة والتي لها صلة وطيدة بالتعايش السلمي. ومن أهما الدلالة والتأصيل وترسيخ ثقافة التعايش ونشرها بالدول الإفريقية تخفيفا من الآلام التي تعيشها بسب تنافر قضية التعايش عند مجموع من الفئات للأسف الشديد.

وعندما نعزز التعايش المشترك نؤسس لمنظومة التسامح، والسلام والأمن والتعاون والتضامن وبناء الصرح الإنساني المطلوب. إن العلة من الخلق حسب النص القرآني هو التعارف بين الشعوب والقبائل. والتعارف يختزل كل أشكال الحرية والإبداع مما يحتم مناخا يسوده التعاون الإنساني والتضامن الآدمي. والبحث عن المشترك المؤسس للعيش المشترك والتعايش السلمي.

وإذا كان التعايش المشترك قيما فردية فإنه يتعزز جماعيا، وفكرة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة فكرة مهمة واستراتيجية لأنها تتيح الفرص للعلماء والمفكرين بلورة مجموعة من المقاربات الناضجة التي تساهم في التوعية والتحسيس بالتعايش المشترك. في أفق ديني وأخلاقي وإنساني. ويشكل اللقاء التاريخي بين أمير المومنين محمد السادس حفظه الله وقداسة البابا فرانسيس يوم 30 مارس 2019 درسا نموذجيا في هذا التعايش السلمي. وينص الدستور المغربي على أن الملك، أميرالمومنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.

نظرا لهذه الاعتبارات كلها اعتبر اللقاء مفتاحا علميا لتأصيل التعايش المشترك، والتعدد الديني، وطبيعة الخطاب الديني، الذي من الواجب استيعاب الابعاد الإنسانية، وتوظيف كل المؤسسات من أجل خدمة هذا الهدف الإنساني الكبير.الذي سيجنبنا مآسي متعددة يعيشها العالم اليوم.

إن التعارف العالمي يبنى على بنية تحتية ثقافية وفكرية وحضارية، وأخلاقية ومقاصدية، مع استثمار البعد الرقمي في نشر ثقافة التعايش والتعارف ونبذ كل أشكال الحقد والكراهية. ويبدو لي أن للمؤسسة دورا فعالا في خدمة هذا المشروع السلمي الحضاري الذي يجد فيه كل واحد نفسه وذاته.

 بعد المشاورات بين العلماء والمفكرين خلصت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة إلى أن مثل هذه الملتقيات مهمة واستراتيجية في بناء وئام اجتماعي وثقافي بين الجميع خاصة على مستوى الأديان. وهذه البنية الاجتماعية والثقافية تساعد الإنسانية في تفعيل البعد الديني المبني على الوسطية والاعتدال، والبعد الدبلوماسي الذي يركز على الطموح والوضوح، والبعد السياسي الذي يستهدف احترام مبادئ الاختيار الديمقراطي، والبعد الإعلامي المشتغل بنقل كل هذا في إطار القرار ملزم والتعليق حر.

إن إبداع هذه المؤسسات التي سخرت نفسها لخدمة الدين الإسلامي السمح في علاقته بالأديان الأخرى وتأطير الناس على هذا راجع للتنزيل الحكيم لمقتضيات إمارة المومنين التي تشكل ثابتا من ثوابت الأمة عبر العصور. والتي تركز دوما على البعد الاجتماعي بناء على التعاون والتضامن، ونشر قيم التسامح والأمن والسلم، وبالتالي فالتعايش ضرورة شرعية وحاجة اجتماعية وفكرية وتنظيمية، واعتمادا على ما ذكر نؤكد على القضايا التالية:

التأصيل الشرعي لمصطلح التعايش، من أجل فهم ماهية التعايش الديني، وترشيد الخطاب الديني وعقلنته، وبناء الحوار الحضاري، ونشر المعرفة الثقافية والاجتماعية، والتفاعل مع التحديات المعاصرة، وتأهيل إعلام متنور يفشوا السلام بين الناس، بالكلمة الطيبة، وبالصدق في القول والفعل، ومواجهة الكراهية والبحث دوما عن المشترك الإنساني.

إن الله تعالى خلق الناس شعوبا وقبائل من أجل التعارف وليس التطاحن. فهل صحيح أن الإنسان يخلق نقيا طبيعيا والمجتمع هو الذي يفسده؟ وإذا سلمنا بهذا تبقى التربية والتكوين، والمعرفة أسسا استراتيجية لإعادة الاعتبار لسنن الله الخالدة والتي يوافق فيها صريح المعقول صحيح المنقول. وهذا ما يعزز قيمة الاحترام بين كل الناس من أجل الناس. في أفق بسط القاعدة الأصولية الداعية إلى أن جلب المصالح مقدم على درء المفاسد.

إن هذا التراكم المعرفي غير المادي قمين بالرفع من مستوى التنمية المستدامة التي تركز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. إذن نتمنى أن يجتهد الجميع في تحقيق الوئام الاجتماعي والثقافي في إطار مبدأ التعاقد بين الجميع من أجل تعزيز العيش المشترك والتواصل الحضاري.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى