الإدريسي يكتب: الأخوة في الله نعمة واجبة الرعاية

الحمد لله وبه نستعين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخاتم النبيئين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام، وبعد:

إخواني أخواتي: تعلمون رعاكم الله أن الآصرة التي تجمعنا والرابطة التي تنظم صفنا إنما هي الأخوة في الله. تلك الوشيجة التي ارتضيناها ابتغاء مرضاته سبحانه، ورجاء ما عِنْدَهُ من الجزاء الكريم والنعيم المقيم.

الأخوة أيها الأحباب منةٌ من الله على عباده المؤمنين، ومزية يختص بها من يشاء من أوليائه الصالحين، فليس ينالها إلا من اصطفاه ربه واجتباه:{واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}…

ثم إنها من حيث الفضلُ والشرفُ قسيمةُ الصحبة، فلا حزن علينا ولا أسى إن فاتنا أن نصحب نبيناصلى الله عليه وسلم في الدنيا إذا نحن ظَفَرْنا بشرف الانتساب إليه على سبيل الأخوة، لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: ” السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا، قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، قالوا: كيف تعرف من لم يأتوا بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال أرأيت أن رجلا له خيلٌ غرٌّ محجلة بين خيل دهمٍ بهمٍ ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض”؛ أي سابقهم إليه منتظِرُهُمْ عنده حتى يردوا علي فأسقيهم منه. فتأملوا إخواني أخواتي كيف جعل نبينا صلى الله عليه وسلم المؤمنين من أمته على قسمين، قسمٍ متقدمين وهم الأصحاب، وقسم متأخرين وهم الإخوان، وليس في الحديث دلالةٌ على أن من تقدم من الصَّحْبِ ليسوا إخوانا لنبيهم صلى الله عليه وسلم ولعموم المؤمنين، وإنما دلت تلك القسمة على اختصاص السابقين بوصف الصُّحْبَةِ دون اللاحقين، وإلا فالجميع إخوان لعموم قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} ولقوله تعالى بعد الثناء على المهاجرين والأنصار:{ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم }.

ولما كانت الأخوة في ذات الله على ذلكمُ القدرِ من الفضل والشرف، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يَتَوَدَّدُ إلى أصحابه بندائهم بها ونسبتهم إليها؛ فقد قال لعمر وقد أراد سفرا(أي عمرُ): ” أستودع الله دينك وأمانتك، لا تنسانا يا أُخَيَّ من صالح دعائك”. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لمن حضر معه جنازةَ رجلٍ من الأنصار: ” ادعوا الله لأخيكم فإنه الآن يُسأل”.

فَلِلْأُخُّوَّةِ إذن منزلة عظيمة في الدين، فهي مَرْتبةٌ سنية وخِصلةٌ مرضية، يسعى إلى بلوغ أُفُقِها صالحُ المؤمنين. والمؤمن اللبيب الحصيف يحرص الحرص كله على الدخول في سلكها والانخراط في زمرة أهلها. وإن لحقيقتها لنسماتٍ ونفحاتٍ، لم ترد على قلب قط إلا وَطَّأَتْ أكنافَه وألانت أركانَه وصيرته ودودا لإخوانه عطوفا عليهم، حريصا على نفعهم وجلب الخير إليهم ودفع الشر عنهم، متمثلا قولَ إمامِ المحبين صلى الله عليه وسلم: ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

ثم إن للأخوة أيها الأحبابُ مزايا وفضائلَ عدةً، ومن ذلك:

  1. أنها سبب للنجاة من فزع وأهوال يوم الدين، وطريقٌ إلى الظفر بالأمن والظل الظليل تحت عرش ربنا الودود سبحانه، لما في حديث الظل من قوله صلى الله عليه وسلم ” ورجلان تحابا في الله “.

2.وهي كذلك سبب للنجاة من عذاب جهنم، وسبيل لدخول الجنان في زمرة الإخوان، فقد روي أن رجلا دخل الجنة فجعل يبحث عن أخ له فلم يجده فغُمَّ لذلك وحزِن حزنا شديدا، فسأله ربه في ذلك وهو أعلم به، فقال العبد: أي ربي فلانٌ أخٌ لي لم أجده في الجنة، فأمره ربه سبحانه وتعالى أن يذهب فيخرجَ أخاه من النار، فذهب الأخ المشفق وتقحم النار ولم يصيبه من لظاها شيء، فأخذ بيد أخيه وذهب به إلى النعيم. وحين يرى أهل النار صنيع الأخ بأخيه تأخذهم حسرة عظيمة فيصيحون: {فما لنا من شفيع ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين } إنهم يتمنون العودة لا ليصيروا مؤمنين فحسب، ولكن ليدخلوا في سلك المؤمنين متآخين متحابين فتأملوا.

3.وبالأخوة والمحبة تُنال محبةُ الله تعالى لقولنا ربنا الكريم في الحديث القدسي: “وجبت محبتي للمتحابين فِيَّ”.

4.وهي كذلك سبب لرفع الدرجات في الجنان ونوال أعظم المكرمات لدى الرحيم المنان لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: “المتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم النبيؤون والشهداء”.

إن الأخوة أحبتي شجرة طيبة { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها }، وما من شجرة إلا وهي محتاجة إلى تعهد ورعاية كي تَيْنَعَ ثمارها وتدنوَ قطوفها، وأخوتنا إنما تطيب ثمارها ويعظم نفعها متى سُقِيَتْ بماء الودِّ، وشُذِّبت زوائدُها بآلة النصح، ولُفَّت جروحها بضماد الستر.

أيها الإخوة إن الانضمام إلى صف الحركة الإسلامية نعمة عظيمة، وإنه يجب علينا أداء الشكر عليها لبارينا تعالى، فبفضلها رُفعت عن أبصارنا غواشي الغفلة، وخرجنا من وهدة الجهل والجهالة، فهُدينا إلى خير كثير وانخرطنا في رسالة الأنبياء والمرسلين، وإنما يقع الشكر على هذه النعمة بالاستمرار عليها وعدم التنكب عن سبيل المرابطين على ثغورها { واتبع سبيل من أناب إلي }، { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }. فمن سره أن يلقى ربه رضيا مرضيا فليستمِرَّ على ما وُفِّقَ إليه من الخير. وليحذر أحدُنا من وساوس المثبطين ممن لا يرون لجهود الإصلاح مزيةً ولا فضلاً. فما المعتبر في هذا الشأن إلا إرادة ربنا سبحانه وتعالى القائلِ: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}، وهو القائلُ أيضا في سياق التحذيرِ من الانقطاعِ وعدمِ إتمام السيرِ إليه: { أفرآيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزيه الجزاء الاوفى وأن إلى ربك المنتهى}.  

 ولتعلموا رعاكم الله أن أقواما ممن انتحلوا الإفساد، وتأصل فيهم خلق الاستبداد، ما لبثوا يتربصون بالحركة الإسلامية الدوائر، لعلمهم أنها مؤهلة لقيادة عموم الناس إلى مواطن الخير، وأنها جادة في القيام برسالتها مهما كانت الظروف والأحوال، فما لبثوا لأجل ذلك يمكرون بها{ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله}. ومهما أحذق بنا من مكاره، فإن أخطر باب يمكن أن تؤتى منه الحركة إنما هو ضمائر أفرادها وما تطوي عليه صدورهم من يقين وحسن ظن بباريهم سبحانه وتعالى. فلنحدر إخواني أخواتي أن نؤتى من هذا الجانب فإنه لا فلاح لقوم ساء ظنهم بباريهم وضَعُفَ بوعده يقينهم.

إخواني أخواتي تعلمون وفقكم الله أن مدار أعمالنا على دعوة الناس إلى الخيرات والمشاركة قدر المستطاع في دفع ودرء المنكرات، وقد نوفق في ذلك فيجيء كسبنا على الوجه المطلوب، وقد تقع منا المخالفة من وجه ما، ولا ضير في ذلك ما حسن القصد وخلصت النيات، لأننا لا نعدو محل الاجتهاد المأجورِ صاحُبه على كل حال. وعليه؛ فما ينبغي أن تثنينا الأخطاء إن وقعت عن مواصلة السير إلى الله والمرابطة على ثغور الدعوة التي أقامنا الله تعالى بها؛ فإنه مما لا يخفى علينا، ونحن أبناء الحركة الإسلامية، أن الفقه الإسلامي ما وضع في الأصل، على اختلاف مدارسه ومناهجه، إلا ليستجيب لقضية نقل الأحكام من حيز الخطاب الشرعي الثابت بأدلته المعتبرة إلى حيز الواقع العملي المتعلق بكسب المكلفين وما يكتنفه- أي كسب المكلفين وعملهم- من إكراهاتٍ وما يحف به أحوالٍ وملابسات. فما بالنا نقسو على ذاتنا الجماعية ونأخذها بالعزائم دون الرخص، ولا نرضى منها الخطأ، أنسينا أن الذات فردية كانت أو جماعية لا تُحَمَّلُ من الأمر إلا ما تطيق. ألا فتترفقوا بأنفسكم أيها الفضلاء ولتعلموا أن مسيرة الإصلاح تحتاج إلى شيء من القصد في مسيرها، فَ”القصدَ القصدَ تبلغوا”.

إخواني أخواتي: إننا ولله الحمد مذ دخلنا صف الحركة ونحن نغنم من خيري الدنيا والآخرة، ومع ذلك فربما لقينا من إخواننا من يتضجر لبعض الخطأ الجائز علينا وعلى سائر البشر ممن لا عصمة لهم منه، وربما آل الأمر عند البعض إلى ترك الصف متعللا  ببعض الخطأ أو التقصير، وعلى التحقيق فإنما يكون ذلك لشهوة خفية تلبست بلَبوس النصح، وإلا فهل يكفي وقوع الثلمةِ والثلمتين في صفٍّ ما ليُترك بالجملة ويَزهدَ فيه أصحابه؟ وهكذا فمهما يَشِبْ كسبنَا من الأمر، فإنه يتعين علينا التحاور والتعاون حتى نجتاز ما يعرض لنا بشمل مجتمع وأغراض على الخير متفقة. ولنا فيما وقع  لرسولنا صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يوم أحد قدوة حسنة؛ فقد أشار صلى الله عليه وسلم عليهم بأن يَبْقوا بالمدينة ويتربصوا لعدوهم بها، ثم نازعوه رأيه الحصيف هذا، وتحمسوا للخروج، ثم لما حمي الوطيس والتحمت الصفوف ترك الرماة مواقعهم فنزلت بهم الهزيمة ونال العدو منهم ومن نبيهم صلى الله عليه وسلم ما نال. ومع كل ذلك لم يعنفهم بأبي هو وأمي، بل استغفر لهم وشاورهم فيما استقبلوا من الأمر مصداقا لقول بارينا عز وجل:{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر}. فلنحدر إخوتي من أن يتطرق إلينا شك في شيء من الأصول والقواعد التي أسسنا عليها مشروعنا الإصلاحي، ذلك أننا إنما اجتمعنا على إقامة الدين ما استطعنا وإصلاح المجتمع ما قدرنا، ولسنا نزعم معاذ الله أننا نمثل الإسلام كله أو أن الحق حِكْرٌ علينا لا يجاوزنا إلى غيرنا، وإنما هي تجربة بشرية وخِطَّةٌ اجتهادية قد نصيب بها وجه الصواب وذلك ما نبغي، وقد يعتريها بعض الخطأ سواء درينا بذلك أو لم ندر، والواجب على كل حال أن نقر الصواب وننوه وبه ونحفز القائمين به شاكرين الله تعالى على توفيقه، وأن نجتهد في تقويم الخطأ من غير عذل و لا تشهير ولا شقٍّ لعصا الوحدة أو تفريقٍ لشمل الاجتماع، ذلك أن أمور هذه الدنيا جارية على الامتزاج بين المصالح والمفاسد، وقَلَّ أن تجد مصلحةً محضة غيرَ محفوفةٍ بنوع مفسدة، وإنما المعتبر في ميزان الشريعة ما غلب من الأمر، أما النادر فشأنه أن يلغى ولا يلتفتَ إليه كما تقرر عند جمهور فقهائنا رحمهم الله.

فالموفق من هدي إلى تبين وجوه الصلاح واستفرغ وسعه في تحصيلها، وأُرشِدَ إلى ضروب الفساد وبَذَلَ الجهد في تقليلها. وليس يتمحض الخير والصلاح إلى في دار السلام جعلني الله وإياكم من ورثتها.

فلنكن أحبتي على بصيرة من أحوال الاجتماع البشري، ولنتفطن إلى سنن الله الجارية في الخلق ولتكن سير السابقين موعظة لنا وليتلطف بعضنا ببعض ولندفع السيئات بالتي هي أحسن متمثلين قولَ ربِّنا الرحيم: { ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون }. ولنعلم أنه ربما تعثرنا في سيرنا وضعفت منا العزائم أحيانا، فما علينا عندئذ إلا المسارعة إلى الأوبة والإنابة إلى ربنا تبارك وتعالى تماما كما فعل نبيُّ الله داودُ عليه السلام يوم امتحنه ربه بالقضاء بين ذينك الخصمين، فلما تبين له أنه قد أتى من أمره خلاف الأولى وجانب بعض الصواب فيما قضى، أسرع منيبا مستغفرا متبتلا:{وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب}.

وفقني الله وإياكم لصالح الأقوال والأعمال وحشرنا في زمرة خير الأنام. وصل اللهم وسلم وأنعم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

ذ. عبد الرحمان بن علي الإدريسي

الرشيدية، الجمعة 18جمادى الآخرة 1443هـ / الموافق لـ   21يناير2022

 

 

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى