الأبعاد الاقتصادية لشهر رمضان – محمد دمان ذبيح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد،
إن الحديث عن شهر رمضان هو حديث عن سيد الشهور، ويكفيه فضلا وشرفا أنه شهر القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
وشهر رمضان شهر يحمل العديد من الأبعاد التي تنعكس إيجابا على الفرد والمجتمع معا، وعلى مستوى جميع الأصعدة، وسأحاول بإذن الله تعالى في هذا المقال المتواضع أن أركز على بعض الأبعاد الاقتصادية لهذا الشهر الفضيل، والمتمثلة في زيادة الإنتاج، وترشيد الاستهلاك، وتحقيق عدالة التوزيع، وذلك لأهميتها القصوى في تحقيق التنمية بأنواعها، ومتطلباتها المختلفة.
أولا: رمضان وزيادة الإنتاج
تسعى جميع الدول إلى تعظيم معدلات الإنتاج، وذلك لما لهذا الأخير من دور بارز في تحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد المحلي، وهذا فضلا عن القضاء على مختلف المشكلات الاقتصادية، والاجتماعية كالبطالة، والفقر، وغيرها.
ويعتبر الصيام في رمضان وسيلة مثلى لتعظيم الإنتاج، ولم يكن بأي حال من الأحوال كما يظن البعض بأنه سبب للخمول، والكسل، وانخفاض الإنتاج، ذلك لأن الصيام يعمل على خلق توازن نفسي، وجسمي للصائم، وهو سيؤدي وبلا شك إلى زيادة القدرة على الإنتاج، والعطاء.[1]
هذا إلى جانب كون الصيام مدرسة لتربية النفس على الصبر، والرقابة الذاتية، والاتقان، والإخلاص في العمل، وعدم تضييع الأوقات فيما لا ينفع، وهذا ما سيترتب عنه الكثير من الآثار الإيجابية للعملية الإنتاجية، سواء على مستوى الاقتصاد الجزئي، أو على مستوى الاقتصاد الكلي.
ولعلها المفاهيم، والمعاني الربانية التي تجسدت في سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعا، الذين حققوا أعظم الإنجازات، وأعظم الانتصارات في هذا الشهر الفضيل، وهو ما يدل على أن رمضان شهر لزيادة العطاء، ومضاعفة الجهود، وتعظيم الإنتاج ماديا ومعنويا.
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام، هناك العديد من النصائح، والتوجيهات التي يجب الأخذ بها في شهر رمضان، وهذا من أجل إنتاجية أعلى، وأداء أفضل خلال ساعات الصوم، وأهمها:
- تناول وجبة سحور كافية، من دون إفراط في تناول الطعام، ولا تفريط في الوجبة نفسها، مع الحرص أن تكون غنية بالكربوهيدرات والبروتين، والفواكه، والخضار، وكثيرا من الماء.
- ضبط ساعات النوم مع الذهاب إلى الفراش مبكرا، بحيث لا يكون الاستيقاظ للسحور أمرا صعبا.
- الحصول على فترات راحة منتظمة، خاصة مع تقدم اليوم، وزيادة الشعور بالجوع، وتتضمن الاستراحة غسل الوجه بالماء، والاستراحة لبعض الوقت من العمل.
- التخطيط المسبق للعمل لزيادة التركيز، وترشيد الطاقة، بحيث يتم التخطيط لإنهاء المهام الصعبة أولا، مع ترحيل المهام السهلة على مدار اليوم، وترك الأسهل لساعات العمل الأخيرة.
- تجنب الكافيين خلال السحور، أو بعد الإفطار، لأنه يتسبب في زيادة الجفاف، وخفض مستوى السوائل في الدم، مما يزيد الشعور بالعطش.
- مراجعة الأداء، والإنتاجية يوما بعد آخر مع تقييم النفس بصدق وتدوين المستوى من أجل محاولة تصحيح الأوضاع في الأيام التالية. [2]
ثانيا: رمضان وترشيد الاستهلاك
لا شك أن الاستهلاك غير الرشيد، أو المفرط خاصة في واقعنا المعيش أصبح يمثل خطرا كبيرا يهدد البشرية جمعاء، ذلك لأن هذا النوع من الاستهلاك تترتب عنه الكثير من الآثار السلبية التي تستنزف الموارد بكل أنواعها، وتوسع الفجوات الطبقية بين جميع أفراد المجتمع.
لذلك نجد الإسلام قد وضع العديد من الضوابط لترشيد العملية الاستهلاكية، ومن بينها ضابط مراعاة الأولويات، وضابط عدم الإسراف والتبذير[3] ، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الاعراف: 31]، وقال أيضا: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” كلُوا، واشربُوا، وتصدقُوا، والْبَسُوا في غيرِ إسرافٍ ولا مَخيلة “.[4]
وشهر رمضان موسم تتجسد فيه معاني الوسطية والاعتدال في أجمل صورة ، فهو شهر للإنفاق والجود والكرم، والإحساس بالآخرين ، وليس شهرا للإسراف والتبذير، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.”[5]
وبالتالي فشهر رمضان يتعلم منه الفرد الاستهلاك العقلاني والرشيد، فلا يستهلك إلا في حدود حاجته، وطاقته، بعيدا كل البعد عن مظاهر الترف، والبذخ القاتلة، وصور الديون، والقروض المهلكة، وهو ما سينتج عنه توفير الكفاية لجميع أفراد المجتمع، هذا إلى جانب الحفاظ على الأسعار الطبيعية للسلع، والخدمات بسبب هذا الاستهلاك الرشيد، لأن هذه السلع والخدمات تزداد أسعارها كلما زاد الطلب عليها خاصة إذا كان هذا الطلب مبالغا فيه، أو بشكل عشوائي دون ضوابط، أو قيود تحكمه، أو تنظمه في هذا الإطار.
ثالثا: رمضان وتحقيق عدالة التوزيع
إن عدالة التوزيع من أهم المبادئ التي يزخر بها الاقتصاد الإسلامي، ذلك لأن هذه العدالة في توزيع الدخول والثروات ستعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والاجتماعي، والحد من التفاوت بين جميع أفراد المجتمع، قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 07]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّهَ قدْ فَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ”.[6]
والإسلام قد فرض العديد من الأحكام الشرعية التي تحقق هذه العدالة التوزيعية، والمرتبطة ارتباطا وثيقا بشهر رمضان وهي: زكاة الفطر، والفدية، والكفارة، إضافة إلى الجود، والكرم، والصدقات التطوعية ..[7]
أما زكاة الفطر، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “فَرَضَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ علَى العَبْدِ والحُرِّ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأَمَرَ بهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ.”[8]
وأما الفدية التي فرضها الشارع عن العاجز عن الصيام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ [البقرة: 184].
وأما الكفارة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَ: هَلَكْتُ! قَالَ: وما شَأْنُكَ؟ قَالَ: وقَعْتُ علَى امْرَأَتي في رَمَضَانَ، قَالَ: تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اجْلِسْ. فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ -والعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ- قَالَ: خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ به. قَالَ: أعَلَى أفْقَرَ مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: أطْعِمْهُ عِيَالَكَ.”[9]
ومن هنا فإن زكاة الفطر، والفدية، والكفارة، والصدقات التطوعية آليات شرعية، متعلقة بشهر رمضان، هدفها إعادة توزيع الدخول والثروات لصالح الفقراء، والمساكين، والمحتاجين، وهذا ما سيؤدي إلى زيادة القوة الشرائية، والطلب الكلي، وبالتالي تنشيط الحركية الاقتصادية في المجتمع، لأن زيادة العرض الكلي مرتبطة ارتباطا طرديا بزيادة الطلب الكلي كما بين ذلك علماء الاقتصاد، وهو ما سيعزز في الأخير الاستقرار المالي، والتنموي في المجتمع.
وفي الأخير أقول: إن زيادة الإنتاج، وترشيد الاستهلاك، وعدالة التوزيع تعد من أهم المقاصد الشرعية لهذا الشهر الفضيل، وفي الوقت نفسه فهي تعبر ومن خلال هذا الشهر على وجه الخصوص عن منظومة متكاملة تعمل على تحقيق التوازن، والاستقرار في المجتمع، وبالتالي الوصول به إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، والمتحضرة.
*****
الهوامش
[1] للمزيد انظر : عبد الناصر حمدان بيومي ، الأبعاد الاقتصادية لصيام رمضان، https://forum.albaraka.site/
[2] هذه النصائح قدمتها جامعة “كنت” في بريطانيا إلى طلابها المسلمين، من أجل الحفاظ على قدراتهم العملية ، وزيادة الإنتاجية.
[3] محمد دمان ذبيح ، مدخل إلى دراسة الاستهلاك، دراسة مقارنة، ص : 10 ومابعدها.
[4] رواه النسائي برقم 2559.
[5] رواه البخاري برقم 3220.
[6] رواه البخاري برقم 1496.
[7] للمزيد انظر : أحمد إبراهيم منصور ، عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية -رؤية إسلامية مقارنة-، ص : 177 وما بعدها.
[8] رواه البخاري برقم 1503.
[9] رواه البخاري برقم 6709.




