أفلا نستجيب…؟؟

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد ألا إله إلا الله رب العالمين ، وأن محمدا عبده ورسوله خير الخلق أجمعين صلوات ربي وسلامه صلاة وسلاما دائمين وعلى صحابته الغر الميامين ،

أما بعد :

على مقربة سويعات من شهر رمضان شهر التوبة والأوبة… يرجو المسلم  فيه مغفرة، يرجو فيه قبولا، ويرجو فيه حاجات تاقت إليها نفسه، وعجزت يده عن منالها، فكان السبيل إلى نيلها هو التوسل إلى الله ببعض ما يحصل له في شهر رمضان من الانكسار وما قد يوفقه الله عز وجل فيه من الصالحات.

ولقد أرشدنا هذا الدين إلى اغتنام الفرص لنغنم، وأرشدنا إلى التعرض للنفحات لنفلح. وإن مما نتعرض له من نفحات إلهية ورحمات ربانية  في شهر رمضان أن الله  تعالى جعل الصيام فرصة للقرب والثواب والدعاء والاستجابة .

يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة : “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون “.

سأحاول الوقوف على بعض كنوز هذه الآية الكريمة مبرزة ما تيسر لي من لآلئها وأتفكه بما طاب لي من ثمرها وهي الشجرة الغناء المثمرة، و ذأستظل بها من قر الغفلة والضلال وهي الشجرة الوارفة الظلال، وسأبسط بعض ما طاب لي منها ولست بالتي تحقق لها السبق وإنما أنا ناقلة لخير السابقين لعله ينفع من يقرؤه فيكون لي اجر نقله إلى من هو أصلح مني، وإليكم بعض الثمرات   :

1 – بالصيام  يتحقق القرب من العلي القدير : لقد جاءت الآية الكريمة في سياق الحديث عن آيات الصيام وفي سياق الحديث عن أحكامه لتقرر ذلك القرب من الخالق سبحانه الذي يتحقق بالصيام في لفتة عجيبة -كما يقول صاحب الظلال، سيد قطب عليه رحمة الله – إلى أعماق النفس وخفايا السريرة، نجد العوض الكامل الحبيب من مشقة الصوم والجزاء المعجل على الاستجابة لله .. هذا الجزاء في القرب من الله وفي استجابته لدعائه، قرب يتجلى أيضا في جواب سؤالهم :”فإني قريب “فلم يقل جوابا على : وإذا سالك عبادي ….قل فإني قريب، وفي ذلك  إشارة إلى شدة القرب بينه تعالى وبين عباده فهو يسمع كلامهم ويجيب دعاءهم ولا حاجة لوسيط بينهم ينقل كلامهم ويكون بينهم وبين ربهم حتى لو كان  هو رسول الله إليهم صلوات ربي وسلامه عليه، إنه جل في علاه تكفل بسماع دعائهم ولم يقم الحوائل والوسائط بينه وبينهم .

2 – قرب جالب لاستجابة الدعاء : فإني قريب : قريب منهم، ليس بينه وبينهم حجاب ولا شفيع ولا ولي يبلغه دعاء عباده المؤمنين إذا سألوا عنه، وما عليهم إلا أن يتوجهوا إليه حنفاء مخلصين له الدين .

قال ابن كثير عليه رحمة الله : “وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر”.

وقال الشيخ السعدي رحمه الله : ” لأنه تعالى الرقيب الشهيد المطلع على السر وأخفى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة ولهذا قال : (أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) والدعاء نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسالة والقرب نوعان قرب بعلمه من كل خلقه وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق ….”

3 – من لطائف القرب إضافة العباد إليه سبحانه : ” عبادي ” وفيها من الدلالات والإيحاءات والود ما يسكب في قلب المؤمن من الثقة واليقين وفيها الإيناس ما ينسي المؤمن مشقة الصيام توحي إليه بالملاذ الآمن والجناب الرضي والقرار المكين .

إنهم عباده : يسألون عن ربهم ولا غنى للعبد عن خالقه وعونه حتى يستقيم أمره ويحسن حاله وفي هذا من الإشارات الكافية للحث على الدعاء والافتقار لله سبحانه وإظهار شدة الحاجة إليه، وفيه أيضا تشريف للعباد وإعلاء قدرهم فنسبهم إليه والمراد به المؤمنون وحدهم دون سائر الأنام .

إن الله سبحانه قد ابتدأنا بالإنعام وتفضل بالمن والإكرام دون أن نسأله فجعل لنا السمع والأبصار واختصنا برسالة الإسلام وغير ذلك من العطايا فسبحانه الكريم المنان، ولا يزال يتودد إلينا بالعطاء ويفتح لنا خزائن رحمته ففتح لنا باب الدعاء وحث عليه في هذه الآية الكريمة ، جاء ختامها بالأمر بالإستجابة : ” فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون”، فليطيعوني ما دمنا نطلب إجابة الدعاء فأدبنا مع الله سبحانه إذ دعانا إلى منهجه أن نستجيب، ينعم علينا ويكرمنا ويتفضل علينا ويفتح لنا كنوز خيراته ويرشدنا لاستفتاحها بالاستجابة أفلا نستجيب ؟؟

يقول الحق تبارك وتعالى : “يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون .”سورة الأنفال 24

فهل نستجيب كما استجاب الأنبياء عليهم السلام وأحسنوا الاستجابة، واستجاب الصحابة رضوان الله عليهم وتمثلوا حقيقة الاستجابة الكاملة لله وللرسول قولا وعملا، فكرا وسلوكا بعد أن كانوا يعيشون في ضلال وتخبط وعندما أتاهم الداعي تبدلت أحوالهم واستقامت سيرتهم حتى صاروا : خير “أمة أخرجت للناس ” …أم يوشك الله أن يحول بيننا وبين قلوبنا ..بل إننا يجب أن نسرع الاستجابة، فإن داعي الله قد دعا وهبت نسمات القبول فهل نبادر ونسرع قبل أن نحرم.

إن الاستجابة دليل صدق الإيمان ……..والاستجابة رشد ورشاد وهداية

والاستجابة لأمر الله حياة : وعلى قدر الاستجابة تكون الحياة، وكلما زاد العبد السرعة في الاستجابة كلما زاده الله هداية وتوفيقا : “إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ” سورة الإنعام.

يقول صاحب الظلال عن الاستجابة لأوامر الله وهو يصف هذه الدعوة الإلهية بأنها دعوة للحياة الدائمة المتجددة، لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ، إنها دعوة إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول… ويدعوهم إلى منهج للحياة ومنهج للفكر ومنهج للتصور .

وعلى قدر استجابتك يكون القلب حي مع الله، إن الاستجابة هي طريق الجنة : “للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبيس المهاد “سورة الرعد 18.

فلنستجب …لننجو فالاستجابة نجاة في الدنيا والآخرة : “استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله .” سورة الشورى47

فلنسارع بالاستجابة لأوامر الله لنكون من الأحياء الراشدين مستجابي الدعاء، ولنكون على خطى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لا نرضى دون الحسنى هدفا ومقصدا .

سويعات تفصلنا عن رمضان…إنه  داعي الله قد أقبل ودعا فهل نلبي ؟؟

جعلني الله وإياكم ممن سيستجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كلثوم بندية 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى