أحكام الصوم ومقاصده للدكتور الحسين الموس (2)

ندب الله تعالى عباده للصوم إجمالا  وجعله قربة من القرب. وخص شهر رمضان عن بقية الشهور بأن جعله موسما لأداء فريضة الصوم، مع ما يتضمنه من قربات وأعمال صالحة. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].  وإذا كانت مقاصد الصوم سالفة الذكر تصدق على رمضان بصفة خاصة، فإن لرمضان مقاصد إضافية، فهو دورة تدريبية على عبادات شتى، يشترك فيها المسلمون قاطبة، وفي أيام موحدة من هذا الشهر.

المقصد الأول: تعلم النظام والانضباط والوحدة

أول مقصد من مقاصد رمضان هو تعليم المسلمين النظام والانضباط، ففريضة الصوم لها زمن محدد هو شهر رمضان، وقد طلبت الشريعة من المسلمين مراقبة هلال شعبان لحسن ضبط توقيت رمضان[1]. وتجرى في كل دول العالم الإسلامي مراقبة الأهلة والإخبار بتحقق الرؤية، وتعيش الأمة الإسلامية جمعاء موسما للتطلع للهلال، والفرح والاستبشار بقدوم رمضان. وهكذا يتعلم المسلمون ضبط الشهور والأيام وحسن اغتنامهما. ثم بعد ذلك تأتي الدورة اليومية للصوم، حيث يلتزم المسلمون بمواقيت محددة للإمساك وأخرى للفطر، فيتحرونها ويسألون عنها بدقة. قال الله تعالى: {أحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. وكان النبي عليه السلام يعلم الصحابة الوقت الذي يمسكون فيه عن الطعام قبيل أذان الفجر. روى البخاري عن عائشة ، وعبد الله بن عمر – رضي الله عنهم – : أَنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال : « إِن بلالا يُؤذِّنُ بِلَيْل ، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابنُ أُمِّ مَكْتُوم»[2]. كما كان عليه السلام يرغب في تعجيل الفطر. وهكذا وخلال دورة شهر كامل يتعلم المسلمون الحفاظ على الوقت، واغتنام الدقائق في الصالحات والقربات، كما يتعلمون الانضباط للوقت، فلا يتقدمون ولا يتأخرون في مواعيدهم والتزاماتهم.

وقد كان العالم الإسلامي خلال فترات الخلافة الإسلامية يصوم أهل البلد بإعلان ثبوت الرؤية الشرعية من الجهات المختصة، وتُخبر بها بقية المناطق المجاورة. وبعد الاستعمار وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات أصبحت الرؤية مرتبطة بكل دولة إسلامية. وقد دعا بعض أهل العلم إلى توحيد المطالع، وبعضهم اقترح اعتماد الحساب الفلكي قصد الخروج من الجدل الذي يحصل كل سنة خاصة في دول أوروبا وأمريكا حول أول أيام رمضان. وقد يأتي اليوم الذي يتفق فيه المسلمون على توحيد صيامهم ولو عبر منطقتين كبيرتين كما يرى بعض خبراء الفلك[3]، ويومئذ يزداد فرح المسلمين بعالمية الإسلام وقدرته على جمع الناس وتنظيمهم في صف واحد.

المقصد الثاني: التعود على الطاعات والقربات والتدريب عليها.

من مقاصد شهر رمضان أيضا أنه دورة من أربعة أسابيع، يتدرب فيها المسلم الصائم على عدة أعمال صالحة، يمارسها بانتظام فتصبح ضمن عاداته اليومية يؤديها بسهولة ويسر.  وقد توصل خبراء التربية أن المدة اللازمة لاكتساب العادات الإيجابية أو التخلص من العادات السلبية هي قرابة شهر. وهكذا يأتي رمضان ضيفا كريما على المسلمين مرة في السنة، ويمكث بين ظهرانيهم مدة كافية للتعود على إتيان الصالحات، وترك الموبقات والمحرمات. وهكذا فالتكرار أسلوب تربوي ناجح، يتمكن الفرد من خلاله من تذليل نفسه وإخضاعها لإرادته من خلال التمرن والتعود لمدة كافية.

وقد اختار الشارع الحكيم شهرا في السنة لجميع المسلمين، على اختلاف مواقعهم وبلدانهم. وهو شهر قمري غير شمسي يتغير بتغير السنوات، فيكون حارا على بلدان رطبا على أخرى ويتغير مع مرور السنين ليتساوى المسلمون في مكابدة مشاقه. ومن جهة أخرى فإن الاشتراك فيه يعطي معنى الانقياد الجماعي، والتعاون على البر والتقوى. وهكذا يأخذ القوي بيد الضعيف، ويستأنس الفاتر بصاحب الهمة العالية فيقوى على إتيان القربات وترك المحرمات والموبقات. وهذا ما يؤكده حديث النبي عليه السلام في سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: « إذا كان أول ليلة من رمضان : غُلِّقت أبواب النار ، فلم يُفتح منها باب ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنة ، فلم يُغْلَقْ منها باب ، وينادي مناد : يا باغي الخير ، هَلُمَّ وأقْبِلْ ، ويا باغِيَ الشَّرِّ أقْصِر ، ولله فيه عُتَقَاءُ من النَّار ، وذلك في كل ليلة ، حتى ينقضيَ رمضانُ». وهكذا فالجنة ترحب بأهلها، والملأ الأعلى ينادي على التائبين الراغبين في الخير، ويدعو العصاة إلى الإحجام والكف عن الشرور والسيئات. قال العز بن عبد السلام:” وأما تفتيح أبواب الجنة، فعبارة عن تكثير الطاعات الموجبة لفتح أبواب الجنان. وتغليق أبواب النار، عبارة عن قلة المعاصي الموجبة لإغلاق أبواب النيران” [4]

وهكذا فرمضان فرصة للتعود على الحفاظ على الصلاة في وقتها ومع الجماعة، فلا ينتهي رمضان حتى يكون المسلم قد ألف المسجد والصلاة، وتذوق حلاوة ذلك وأصبح من المرابطين عليه. روى الترمذي عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : « مَنْ صَلَّى يوما في جماعة ، لم تَفُتْهُ التكبيرة الأولى كَتَبَ الله له بَراءَتين : براءة من النار ، وبراءة من النفاق »[5]. ويحرص المسلمون خلال رمضان على صلاة الجماعة في المسجد، ويجتهدون أكثر من ذلك فيواظبون على التراويح وهي سنة عمرية . روى مالك عن عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ:” خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي تَقُومُونَ يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ”[6].

كما يأتي رمضان وهو شهر نزول القرآن فيجدد المسلمون صلتهم به، قراءة واستماعا وتدبرا، فيغترفون من أنواره وفيوضاته. روى البخاري عن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : “كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَى رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ “[7]. وهكذا يحرص المسلمون في كل مكان على إقامة موائد للقرآن تأسيا بنبيهم عليه السلام، وينظموا المسابقات المتنوعة في حفظ وتجويد وتدبر القرآن، والتي تكون وسيلة لزيادة التعلق به، وتحبيبه للصغار والكبار. ولأجل هذه الصلة بين رمضان وبين القرآن فإن النبي عليه السلام قال فيما رواه الإمام أحمد عن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو – رضي الله عنه -: ” الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ , مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ , فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ , فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ[8]

أما الكف عن المعاصي أو بعض السلوكيات الضارة، فرمضان فرصة سانحة لذلك. فالأجواء كلها تساعد على تركها والتخلص منها. وكم من المسلمين توقفوا عن الخمر وعن التدخين وعن أكل المال الحرام بمناسبة رمضان، حيث عقدوا العزم على ذلك، ووجدوا العون من محيطهم. ففي نهار رمضان النفوس مرتبطة بالملأ الأعلى وغير ميالة للمعاصي، أما في ليل رمضان فأجواء التراويح والصلاة، مع إغلاق محلات الغواية والحرام كل ذلك يعين على عدم الإلتفات للمعصية. وقد أثبت البحث العلمي أن الصيام يقوى طاقة الإنسان النفسية، فلا  يشعر بالحاجة إلى ما كان يتعاطاه قبل صيامه من مسكر أو مفتر.

المقصد الثالث: رمضان والبعد الاجتماعي الإنساني

ويأتي رمضان أيضا ليحيي في المسلمين المعاني الإنسانية النبيلة، والتي بها صلاح الاجتماع الإنساني. ولا شك أن البعد الاجتماعي حاضر في كل العبادات الإسلامية، ويظهر بشكل أخص في موسم رمضان كما توضحه الفقرات التالية.

  • إشاعة التراحم والعناية بالفقراء.

     وهكذا يأتي رمضان فيشيع الجود والعطاء بين أفراد الأمة كما سبقت الإشارة إليه في مقاصد الصوم. لكن لرمضان خصوصية حيث الفعل الجماعي والتنافس  فيه لتوفير حاجيات الفقراء والمساكين. وقد حض النبي عليه السلام على تفطير الصائمين فقال فيما رواه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني – رضي الله عنه -: «من فطَّر صائما كان له مثلُ أجره ، غيرَ أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا ». وهكذا يبادر المسلمون عبر العالم إلى نصب موائد تفطير الصائمين، وإلى تفقد أسر الأرامل والأيتام والفقراء وتوفير مؤونة رمضان لهم.  ورأى العز بن عبد السلام أن الصوم سبب مباشر لتكثير الصدقات لأنه : ” إذا جاع تذكر ما عنده من الجوع، فحثه على إطعام الجائع: فإنما يرحم العشاقَ من عشقا “[9] . وعند اقتراب نهاية رمضان يشرع المسلمون في إخراج زكاة الفطر وهي فريضة على الصغير والكبير، الذكر والأنثى يؤديها رب الأسرة عن بقية أفراد أسرته. ويبقى باب التطوع مفتوحا لإدخال الفرحة على الأيتام والأسرة الفقيرة من خلال توفير كسوة العيد لأبنائهم. 

  • تعلم الصبر و كظم الغيظ في العلاقات الاجتماعية.

ومن القيم الاجتماعية التي يُسهم شهر رمضان في استنباتها وغرسها في نفوس أفراد الأمة قيم التسامح وكظم الغيظ والدفع بالتي هي أحسن. وإذا كان واقع المسلمين اليوم لا يشهد لهذه الحقيقة فما ذاك إلا لتقصيرهم عن استيعاب حقيقة رمضان. لقد حثت الشريعة على فضيلة التحلي بكظم الغيظ وضبط النفس قال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ () وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ () وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 34 – 36]. وكان النبي عليه السلام  يوصي أصحابه بكظم الغيظ والإمساك عن توابعه. روى الإمام أحمد عن  جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ السَّعْدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي , وَأَقْلِلْ عَلَيَّ , لَعَلِّي أَعِيهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ” لَا تَغْضَبْ ” , فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ مِرَارًا , ” كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لِي: لَا تَغْضَبْ “) (قَالَ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ , فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ). وجاءه رجل أخر يطلب الوصية فقال له :” لا تغضب”. [10] . وهكذا يأتي شهر رمضان فيتدرب المسلم الصائم على كظم غيظه، امتثالا للتوجيهات النبوية التي تأمره بذلك.

إن بعض المسلمين يظنون أن الصوم يُولد التوتر والغضب، وأحيانا يقولون لمن انفعل واشتد غضبه” لعلك صائم”. وهذا من سوء الفهم لحقيقة الصوم، ولما دعا إليه النبي الكريم. في حديث الموطأ السالف الذكر حيث أمر الصائم الذي تعرض للأذى بأن يقول: ” إني صائم”.  إن مقصود التوجيه النبوي أن يذكر الصائم نفسه بأنه في عبادة عظيمة، وأنه في شهر الصبر ، فعليه أن يكظم غيظه، وأن لا يسترسل معه، وأن يقول لنفسه لا  لخصمه : ” إني ضائم”  قمعا وإرغاما لها. روى أبو داود عن  عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – : قال : قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:« ما تَعُدُّون الصُّرَعَةَ فيكم ؟ قالوا : الذي لا يصرعُه الرجال ، قال : لا ، ولكنَّه الذي يملك نفسه عند الغضب »[11].

  • صلة الأرحام والتغافر والتزاور

من القيم التي يكتسبها المسلمون خلال شهر الصيام قيمة التغافر وصلة الأرحام والأقارب والأصدقاء. فأجواء الصيام ونفحات رمضان تدعو الإنسان إلى الاتصال بأهله وأقاربهم يبارك لهم رمضان عند دخوله. ثم خلال رمضان تكثر الزيارات بين الأسر المسلمة حيث الإفطار الجماعي وتمتين الصلات بين الأحبة. روى مالك عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ”.   وإذا علمنا أن من مقاصد الزواج في الإسلام ربط الأسر ببعضها من خلال رابطة النسب، فإن رمضان فرصة كبيرة لتوسيع دائرة التواد بين الناس، وهو ما يحصل بشكل بارز في جل بلاد الإسلام.

لقد حوت السنة النبوية نصوصا كثيرة تؤكد على صلة الرحم، وتُنفر من التباغض والتدابر. ففي صحيح مسلم عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ” [12]. وروى مالك عن ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”[13]. وهكذا يأتي رمضان فيدفع الصائمين إلى التغافر والتسامح، هاجسهم أن يكونوا من المقبولين وأن تُرفع أعمالهم إلى بارئها. روى مالك عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا”[14].

الريسوني : هذا حكم الإفطار في رمضان خلال جائحة كورونا وصلاة التراويح خلف إمام غائب

المقصد الرابع من مقاصد رمضان:  شهر انتصار ات الأمة.

يأتي شهر رمضان ليذكر المسلمين بانتصاراتهم، ليس فقط على أنفسهم كما سبق بيانه حول مقاصد الصوم، ولكنهم أيضا ومن خلال تطويع النفس، ينتصرون على أعداءهم من الإنس والجن والشياطين. 

وهكذا ففي رمضان “تصفد الشياطين” ولا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه من قبل. قال العز بن عبد السلام: ” وتصفيد الشياطين عبارة عن انقطاع وسوستهم عن الصائمين، لأنهم لا يطمعون في إجابتهم إلى المعاصي. “[15]. إن إيمان المؤمنين بهذا العطاء الإلهي يزيدهم همة وعزيمة في الانتصار على وساوس الشيطان . قال تعالى: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]. ورأى  ابن العربي أن إضافة الصوم إلى رب العزة في الحديث السالف الذكر يعني:  ” الصوم لي أي يُقمع عدوي، وهو الشيطان ، لأن سبيل الشيطان إلى العبد اقتضاء الشهوات فإذا تركها العبد بقي الشيطان لقا لا حراك به ولا حيلة له.”[16] وهذا الذي قاله ابن العربي تؤكده بعض الآثار التي تشير إلى أن مدخل الشيطان إلى الناس هو مجاري الشهوات والملذات.

إن دحر الشيطان وهزيمته يقتضي أن يحذر المسلمون من آفة التبذير التي ارتبطت بشهر الصيام، حيث تدل الإحصائيات في المغرب مثلا أن معدل الاستهلاك يزيد عن بقية أيام السنة، وأن ما يرمى في القمامة من الطعام قد يصل إلى 80%  وهي نسبة خطيرة تتنافى مع مقاصد الصوم[17]. وقد قال الله تعالى: { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا () إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27].  والقصد في الطعام والشراب سبيل إلى توفير حاجيات الأمة جمعاء. قال ابن عاشور:” إنَّ فِي الِانْكِفَافِ عَنِ الْبَذْلِ غَيْرِ الْمَحْمُودِ الَّذِي هُوَ التَّبْذِيرُ اسْتِبْقَاءٌ لِلْمَالِ الَّذِي يَفِي بِالْبَذْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالِانْكِفَافُ عَنْ هَذَا تَيْسِيرٌ لِذَاكَ وَعَوْنٌ عَلَيْهِ”[18].

ويأتي رمضان أيضا ومن خلال ما تؤكده كتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ليعلم  المسلمين أن انتصارهم على أنفسهم هو السبيل لانتصارهم على أعدائهم. وهكذا فمعركة بدر وتبوك وفتح مكة في العهد النبوي، وفتح الأندلس ومعركة الزلاقة به أيضا، وموقعة عين جالوت كلها محطات من تاريخ الإسلام وقعت في رمضان، وهي تعطي الدليل على أن الأمة الموحدة في ظل عبادة الصوم أمة منصورة بإذن الله تعالى في كافة مجلاتها.

إن بعض ما يلاحظ حول واقع المسلمين اليوم من قلة المردودية في العمل، والتأخر في الذهاب والاستعجال في الخروج منه، لا يعكس حقيقة الصوم وما ينبغي أن يكون عليه الصائم من همة عالية وقوة في الخير، ومرابطة على الصالحات. ولعل من أسباب ذلك العادات السلبية التي أصبحت ترافق رمضان والمتمثلة في السهر ليلا، وأحيانا في أمور من الباطل، ثم الكسل نهارا وتمضيته في النوم.

 

هوامش:

[1]  روى الترمذي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – : قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أحْصُوا هلالَ شعبانَ لرمضانَ » ، سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب إحصاء هلال شعبان لرمضان.

[2]  صحيح البخاري، كتاب الآذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.

[3]  رأى بعض خبراء علم الفلك صعوبة جمع المسلمين عبر الكرة الأرضية كاملة على اعتماد يوم واحد للرؤية، لأن الإخبار بها عندما ترى مثلا في المغرب يكون قد أصبح في بلاد أخرى، ولذلك اقترحوا تقسيم العالم إلى منطقتين.

[4]  مقاصد الصيام، العز بن عبد السلام، ص 12.

[5]  سنن الترمذي، أبواب الصلاة، فضل التكبيرة الأولى.

[6]  موطأ مالك، كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام مرمضان.

[7]  صحيح البخاري، باب في وجوب صوم رمضان، باب من لم يدع قول الزور.

[8]  مسند الإمام أحمد (11/ 199)

[9]  مقاصد الصيام، العز بن عبد السلام، ص 16

[10]  روى مالك عن عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَغْضَبْ” . موطأ مالك ، كتاب الجانع، باب ما جاء في الغضب.

[11]  سنن أبي داود، كتاب الأدب، ما جاء في كظم الغيظ.

[12]  صحيح مسلم، كتاب  البر والصلة والآداب، باب صلة  الرحم وتحريم قطيعتها.

[13] موطأ مالك  ، كتاب الجانع، باب ما جاء في المهاجرة.

[14]  الموطأ، مالك بن أنس، كتاب الجامع، باب ما جاء في المهاجرة.

[15]  مقاصد الصيام، العز بن عبد السلام، ص 12

[16]  القبس، ابن العربي، ج 2، ص 481

[17]  أنظر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط حول رمضان والاستهلاك.

[18]  التحرير والتنوير، ابن عاشور، تفسير الآية من سورة الإسراء.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى