أنشطة أعضاء المكتب التنفيذيالرئيسية-دروس ومواعظرمضان

أحكام الصوم ومقاصده : كتاب الأحكام – الجزء الثاني

المبحث الخامس رخص الإفطار، ورخص الصيام:

يُعلم مما قرره العلماء أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج، وقاعدة: ” دين الله يسر”  من القواعد المقاصدية الكبرى، وقد شملت أحكام الصوم  تطبيقات متعددة لها، سواء في إباحة الفطر مع القضاء، أو في إباحة بعض التصرفات غير المفسدة للصوم، وهو ما نتعرف عليه من خلال الإجابة على  الأسئلة التالية:

1-   ما المرض المبيح للفطر؟

2-   الاحتياط خوفا من تمادي المرض، أو حدوثه هل يبيح الفطر؟

3-   هل تفطر الحامل والمرضع؟ وما تصنع إن أفطرت؟

4-    حكم إفطار كبير السن في رمضان؟

5-    ما السفر المبيح للفطر؟

6-    ما حكم صاحب العذر يزول عذره بالفطر  في نهار رمضان كالمسافر يصل بلده في نهار رمضان وغيره؟

7-    ما حكم القبلة للصائم أو المباشرة دون شهوة؟

8-     ما حكم السواك واستعمال الفرشاة لغسل الفم في نهار رمضان.

9-     ما حكم من تكاسل عن قضاء رمضان حتى أدركه رمضان اللاحق؟

الجواب عن السؤال الأول:

أما بالنسبة لحال الصائم مع المرض، فهناك أمراض توجب الفطر، وهي التي يرى أهل الاختصاص أن صيام صاحبها يعرضه للهلاك، فإن صام وهلك فقد عصى الله وجنى على نفسه. وهناك نوع من المرض يصوم معه الإنسان بمشقة وجهد، فهذا يستحب له الفطر. قال ابو بكر بن العربي: ” لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ( فِي الصَّوْم ) : أَحَدُهَا : أَلَّا يُطِيقَ الصَّوْمَ بِحَالٍ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرُ وَاجِبًا. الثَّانِي أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا يَصُومُ إلَّا جَاهِلٌ “، أما بقية الأحوال فالمريض أمير نفسه، ويباح له الفطر من كل مرض أو علة، ولا يحتاج لإذن طبيب. ويقضي المريض ما أفطره من الأيام بعد رمضان وزوال العلة، ولا يشترط التتابع في القضاء ولا الفورية، فإن كان المرض مزمنا لا يُرجى شفاؤه فإنه يطعم مسكينا عن كل يوم أفطره.

الجواب عن السؤال الثاني:

أما من خاف استفحال المرض بالصوم فله أن يفطر، وكذلك لو كان عنده ظن غالب بانتقال المرض إليه بسبب الصوم فله الفطر. قال القروي في الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية:” يباح الفطر لأجل المرض بأن خاف الصائم بصومه زيادة المرض أو تأخر البرء أو حدوث مرض آخر ويجب الفطر إن خاف بالصوم هلاكا أو شديد ضرر كتعطيل حاسة من حواسه”، وبحث ابن رشد الجد الخلاف بين الفقهاء حول من قدر على الصيام بغير جهد ولا مشقة تلحقه من أجل مرضه، إلا أنه يخشى أن يزيده الصيام في مرضه، ورجح مشروعية رخصة الفطر، ورأى عدم الالتفات لمن يقول بوجوب الصوم بسب توفر القدرة وعدم اليقين بما يخشى من زيادة المرض، واستدل لرأيه بإطلاق لفظ المرض في قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]. أي يفطر ويقضي ما أفطره بعد رمضان وزوال العذر.

ومن جهة أخرى، فإن الطب والعلم قطعا اليوم أشواطا كبيرة في معرفة الأمراض الباطنية، ومدى تأثير الصوم على بعضها. كما بحثا خطورة تغيير مواقيت أخذ الدواء من خلال الصوم بالنسبة لبعض الأمراض المزمنة مثل السكري أو ارتفاع الضغط الدموي، ومن ثم يجب على المسلم المريض مرضا مزمنا أن يستشير طبيبه في شأن صومه، ولا يكتفي بظاهر السلامة، ويتأكد هذا في حق بعض الشيوخ ممن يرفضون الرخصة ويعرضون أنفسهم للهلاك. قال مالك:” رَأَيْت رَبِيعَةَ أَفْطَرَ فِي مَرَضٍ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَقُلْت يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ إنَّمَا ذَلِكَ بِقَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ” . ورأى أحمد الريسوني أن بعض الناس “يتمسكون بالصيام، رغم مرضهم أو شيخوختهم أو سفرهم، ورغم معاناتهم الشديدة مع الصيام وأضراره عليهم. وقد يَصِلون بصيامهم إلى حد الإغماء أو الوهن والعجز التام عن القيام بأي عمل. وهم يحسبون أنهم يبلغون بذلك أعلى الدرجات في رضى الله والتقرب إليه…” . وليس ذلك قطعا من مقاصد الدين، بل هو مخالف لأصوله ولقواعده الشرعية والتي منها أن: “الشارع لا يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه” .

الجواب عن السؤال الثالث:

أما الحامل والمرضع فقد اختلف الفقهاء بشأنهما، كما اختلفت الرواية عن مالك فيهما، وسبب الاختلاف يعود لتحرير علة الترخيص، هل  هي  المشقة التي تلحق الحامل والمرضع قياسا على المريض، أم هي  مجرد خوف الأم على نفسها أو على ولدها. وهكذا نقل مالك  عن أهل العلم ببلده أنهم يرون على الحامل القضاء فقط  إن أفطرت في رمضان وقاسوا الحمل على المرض ،  وهو الصواب لقول الله تعالى : {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } [الأحقاف: 15]، فالحمل كله تعب ومشقة ومدته تسعة أشهر. لكن اختلفت الأقوال عن مالك في المرضع، بين اشتراكها في نفس الحكم مع الحامل فتقضي فقط أو أنها تُضيف الإطعام عن كل يوم أفطرته إلى القضاء؟ ورجح أبو بكر بن العربي أنها كالحامل تقضي فقط وقال: ” والصحيح أنه ليس على المرضع ولا على الحامل فدية “، وفرق آخرون بين المرضع التي يمكنها استئجار المرضعة ومن لا يمكنها ذلك، فأوجبوا الفدية على الأولى دون الثانية، ونرى أنه لا وجه لهذا التفريق اليوم، حيث وجود إمكانيات الرضاع الاصطناعي، وحيث وفرة المعطيات العلمية التي تبين أولا مصلحة الأم في إرضاع ابنها، ثم حاجتها إلى الغذاء بفعل المجهود الذي تبذله، وثالثا حق الطفل في الرضاع من أمه والذي لا يمثل غذاء فقط وإنما حماية ومناعة أيضا.  ومن ثم فحين تختار المرأة أن ترضع ولدها وهو الواجب فلها أن تفطر وتقضي ما أفطرته ولا تجب عليها فدية.

الجواب عن للسؤال الرابع :

من رحمة الله تعالى بالعباد أنه لا يكلفهم ما يشق عليهم، ولذلك وضعت الشريعة رخصا لكبار السن، سواء في صومهم أو حجهم وصلاتهم. وبالنسبة للكبير (ة) فإن الشارع أباح له الفطر إن لو يقو على الصيام، واختلف الفقهاء في الفدية عما يفطره من الأيام. فقال ابن أبي زيد القيرواني: ” ويُستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يُطعم، والإطعام في هذا كله مُد عن كل يوم يقضيه “، والاستحباب لمن كانت عنده القدرة المادية، وإلا فإنه عاجز عن العبادة ولا يُرجى تغير حال الكبر، والعجز يسقطها. قال أبو بكر بن العربي: ” ليس على العاجز عن الصيام من الكبر فدية لأنه لم يتوجه عليه خطاب فيفتدي مما لزمه” أما المد فهو حفنة من طعام، ويمكن إعطاء وجبة غذاء عن كل يوم حسب طاقة الإنسان ووسعه.

الجواب عن للسؤال الخامس:

يرى المالكية أن كل سفر يجوز فيه قصر الصلاة يبيح الفطر في الصوم أيضا، لكنهم استحبوا للفرد أن يصوم متى طاق الصيام. قال أبو بكر ابن العربي: “الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ }،  وَأَمَّا فِطْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ ” أَنَّهُ قِيلَ لَهُ :{ إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِطْرَك ، فَأَفْطَرَ } وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَهُ الْفِطْرُ ” . ومن جهة أخرى فقد رأى المالكية أن أفضلية الأخذ بالرخصة  تقدم في قصر الصلاة لأن الصلاة تؤدى في وقتها ولا تقضى لاحقا، بينما الأخذ بالرخصة في الصوم يحول الأداء إلى قضاء، والفقهاء يفضلون الأداء في الوقت على القضاء لاحقا  لما ثبت من أفضلية ذلك. 

أما المسافة التي تبيح الفطر وقصر الصلاة  فهي سبعة وسبعون كيلومتر عند المالكية، فمن سافر هذه المسافة فله الفطر ما لم أن ينو الإقامة في موضع لا أهل له به أربعة أيام بلياليها فإنه يُتم الصلاة ويصوم لأنه عندهم في حكم المقيم.  فإن أقام هذا القدر أو مدة أطول منه لكنه  غير عازم عليها  فإنه على أصل التخيير في الفطر. ومن جهة أخرى فإن إباحة الفطر تتعلق بالمشقة، والمشاق تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة ووسائل السفر ولا تتأثر فقط بالمسافة. وإذا كانت مسافة القصر تقضى قديما في يوم وليلة، فإن تطور وسائل النقل مكّن اليوم من السفر لآلاف الكلومترات من قارة لأخرى في ساعات قليلة ، ولذلك يأخذ كثير من الناس اليوم بالمذهب المالكي في أفضلية الصوم للمسافر ما لم يشق عليه ذلك.

أما إذا أصبح المسافر صائما ثم أفطر متعمدا دون مشقة فإنه قد أساء ويجب عليه القضاء والكفارة  في مذهب مالك، وحجتهم أن الله تعالى أمر بإتمام الأعمال ونهى عن قطعها دون سبب.قال ابن القاسم  ” قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ مِثْلُ مَنْ أَفْطَرَ فِي الْحَضَرِ.”

إقرأ أيضا: الأحكام الشرعية للصوم وفق المذهب المالكي – الجزء الأول

الجواب عن السؤال السادس:

يرى المالكية أنه لا ” يندب الإمساك بقية اليوم لمن زال عذره الذي أباح له الفطر ، كالمريض الذي صح، والمسافر الذي قدم نهارا، والحائض أو النفساء اللتين طهرتا وسط النهار، والمضطر للفطر عن عطش أو جوع، فيمكن لهؤلاء الفطر بالأكل والشرب أو جماع الزوجة غير الصائمة والتي طهرت من نفاس أو حيض أو التي في نفس وضعية الزوج. قال البغدادي: ”  والأعذار التي يسوغ معها الفطر في رمضان ضربان منها ما يجب الكف عن الطعام بزواله في بقية اليوم ومنها ما لا يجب ذلك فيه …. كالمسافر والمريض والمرضع يموت ولدها” .

الجواب عن السؤال السابع:

من أصول مذهب مالك الأخذ بسد الذرائع، وهي تعني منع بعض المباح الذي يخشى بإتيانه الوقوع في الحرام أو المحظور. ومسألة القبلة وإدامة النظر وغيرها من المهيجات للغريزة الجنسية من هذا القبيل. وهكذا رجح المالكية كراهة القبلة للصائم، وقد رويت أحاديث تبيح القبلة بإطلاق منها ما رواه مالك عن عطاء بن يسار أن رجلا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَتُهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ” فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ:” وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ” . لكن مالك رحمه الله عاد وعقد بابا آخر رأى فيه التشديد في ذلك وقال: ” بلغني أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” . واستنبط فقهاء المالكية من مجموع ما نقل، ومن أصول المذهب أن الإباحة مشروطة بتحقق السلامة من إفساد الصوم. هكذا كرهوا القُبلة ومقدمات الجماع للشاب الذي يخشى إفساد صومه بذلك. قال ابن العربي: “فلا ينبغي لأحدٍ أن يعترضها إلا أن يكون شيخاً كبيراً منكسر الشهوة، ولعل هذا السائل كان كذلك؛ لأن في تعاطيها تغريراً بالعبادة وتعريضاً لها لأسباب الفساد، وذلك مكروه باتفاق من الأمة حيث يتوقع، فهذا مثله ..”

الجواب عن السؤال الثامن:

فهم  بعض الناس من قول النبي عليه السلام في الحديث الذي رواه مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه السلام :” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ” أنه يستحب الإبقاء على الرائحة الكريهة في فم الصائم الناجمة عن فراغ المعدة من الطعام. لكن القواعد الشرعية والأصول تؤكد على الطهارة والنظافة، والسنة الفعلية للنبي عليه السلام تشهد على ذلك. روى مالك عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال:” لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ” ولذلك رأى المالكية مشروعية تنظيف الفم واستعمال السواك أو ما يقوم مقامه في أي وقت من النهار.قال  مالك:”  لَا بَأْسَ بِهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَسْتَاكُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ أَوْ غَيْرِ الرَّطْبِ يَبُلُّهُ بِالْمَاءِ؟ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ الرَّطْبَ، فَأَمَّا غَيْرُ الرَّطْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ بَلَّهُ بِالْمَاءِ”، ورأى الزرقاني أن من معاني حديث خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك أن ثواب ما يحصل للصائم من خلوف أعظم عند الله تعالى مما يقوم به من نظافة وسواك لأجل طهارة فمه للمناجاة أو لحضور لقاءات الناس، وخلص رحمه الله أن المسألة تدخل في قاعدة ازدحام المصالح التي يتعذر الجمع بينها فيقدم السواك إجلالا لمقام المناجاة، كما يمكن الاستدلال أيضا بقاعدة منع الضرر، وقد منع النبي عليه السلام آكل الثوم من حضور الجماعات، ولذلك يستحب للصائم تنظيف فمه للقاء الناس في المساجد أو في غيرها.

الجواب عن السؤال التاسع:

أما حكم من تكاسل عن قضاء رمضان حتى أدركه رمضان اللاحق فقد اختلف فيه نظر الفقهاء، فرأى الأحناف أن عليه القضاء فقط وهو صريح القرآن، ولم يثبت في السنة النبوية ما يلزمه الإطعام إلى جانب القضاء، بينما رجح المالكية استحباب الإطعام إلى جانب القضاء واستدلوا لذلك بعمل بعض التابعين. روى مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ” مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْضِهِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى صِيَامِهِ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَضَاءُ” ونقل مثل ذلك عن سعيد بن جبير قال ابن جزي:” وتجب الفدية على من أخر قَضَاء رَمَضَان مَعَ الْإِمْكَان حَتَّى دخل رَمَضَان آخر خلافًا لأبي حنيفَة وَلَا تَتَكَرَّر بِتَكَرُّر السنين ويخرجها عِنْد الْأَخْذ فِي الْقَضَاء وَقَالَ أَشهب عِنْد تعذر الْقَضَاء”، وهذا الذي قال به المالكية يبقى في دائرة الاستحباب وليس الوجوب، كما أنه يكون في حالة تعمد التهاون أما من ضعف عن الصوم فالأمر واسع في حقه.

الدكتور الحسين الموس

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق