مقالات رأي

خيانة الرخاء – محمد سالم إنجيه

جعل الله تعالى الحياة الدنيا دار عبور، لا قرار فيها لأحد؛ الجُهد فيها كدح، والعملُ فيها استعداد لما بعدها، فالخلق جميعا مسافرون إلى الدار الآخرة، واصلون لا محالة إلى دار البقاء الأبدي الخالد..

يعيش المرء غالبا حياةً مِلؤُها الرَّتابة، في رحلة عادية منذ أن يفتح عينَيه في هذه الدنيا الفانية إلى أن تُغمض تلك العينان بغير إرادته، حين يأتيه اليقين؛ يتقلب في أحوال من العناية الربانية التي تحوطه بين يُسر وعُسر؛ قد لا يتفطن لكثير من محطاتها، وقد يفوته التأثر بأحداثها والتجاوب معها، لما سخره الله له من وسائل العيش، وأساسيات الحياة التي ينتفع بها في وسطه الأسري ومحيطه الاجتماعي خاصة في عصرنا هذا..

وتنبيها من الغفلة عن منهج الحق والصراط المستقيم قد يُبتلى المؤمن بالبأساء والضراء، فلا يضجر ولا يسأم، بل يزداد إقرارا لله تعالى بما اختص به من النفع والضر، وبقدرته التامة على فعل ما يشاء..، وليس للمرء سوى سؤالِ اللطيف سبحانه اللطف فيما تجري به المقادير، والسعي الحثيثِ لِلْتِمَاس أوجه الرحمة الالهية في كل ما يصيبه، ومحاولة الاعتبار به، وجعله ذكرى ودعوة للتوبة، واستدراك ما فات بمضاعفة الأعمال الصالحة..

 إن ما نشهده اليوم في مختلف دول العالم من تسارع اعتماد الإجراءات الوقائية، من مثل الاتفاق على لزوم الاحتياط الشديد في المخالطة، وضرورة لزوم البيوت، وشدة الاحتراز مخافة الإصابة بهذا الوباء، أثَّر بلا شك على رتابة الحياة، وأجَّل كثيرا من البرامج، وعطل العديد من المصالح، وستكون له تداعيات غير معلومة نسأل الله تعالى اللطف فيها.

وحتى لا يجتمع علينا اليوم الاحتباس في البيوت، وتعطيل الأعمال، وبطء حركة الحياة، وخطر أزمة الوباء المفزع المتربص؛ يتعين علينا النظر فيما كنا فيه من رخاء رغم تفاوته ونسبِيَّتِه، وأن نجدد التفكير في أحوالنا وأحوال من حولنا، ـ ممن كان الشعور بهم ربما محدوداـ من مثل المرضى، والسجناء، والمشردين، والمحرومين، وذوي العاهات والأعذار، وغيرهم ممن هم دوننا في الصحة والعافية والأمن والاستقرار والعيش وحرية التنقل..

فلننتبه إلى خطر إسلام النفس للدعة والراحة؛ وإلى ما أسماه بعض المفكرين بخيانة القوة أو خيانة الرخاء؛ فلعل في ما نعيشه اليوم أقوى مُذكِّر لنا بجليل النِّعم التي نرغد فيها أدامها الله تعالى علينا سابغة، وأعاننا على الإقرار بها وشكرها..

إننا مدعوون إلى مراجعة أنفسنا، وتعاهد سلوكنا، وتجديد برامجنا، وترتيب أولوياتنا، وتدقيق أهدافنا، وضبط غاياتنا، وأن نعطي كل ذي حق حقه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وأن نقوي صلتنا بالله تعالى الذي له الأمر من قبل ومن بعد.

الحذر من الرخاء وخيانته، داع الناس جميعا في كل زمان ومكان إلى الاجتهاد في تحصيل قدر من التوازن بين متطلبات العيش الماتع، وبين الاستعداد للانتقال إلى الدار الآخرة بعمل الصالحات، وتوظيف الإمكانيات، وتسخير القدرات وتوجيهها إلى ما يبقى عند انقطاع العمل بانقضاء الأجل..

فرج الله كُربنا وكُرب البشرية، ورفع عنا وعنهم البلاء، ويسر سبل السلام للجميع، وأنار معالم الطريق، ونشر الهداية بفضله ومَنِّه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير..

– “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” التوبة 51.

– “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” آل عمران:200.

– “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” هود: 117.

والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق