مقالات رأي

حماية حق التعليم في القدس المحتلة مسؤولية وطنية ودولية – علي أبو هلال

تصاعدت مؤخراً المخططات الإسرائيلية لتهويد مدينة القدس المحتلة وإلغاء هويتها العربية وإغلاق مؤسساتها الوطنية، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة الاحتلال في كانون الأول 2017، ونقله السفارة الأميركية إليها في أيار 2018، في خطوة غير قانونية مخالفة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالمدينة المحتلة، حيث استهدفت التعليم في القدس من خلال إغلاق المدارس العربية واستبدالها بمدارس تابعة لوزارة المعارف الإسرائيلية التي تعلم المنهاج الإسرائيلي.

وأكدت وسائل إعلام إسرائيلية قبل عدة أيام أن بلدية الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، أصدرت قراراً بإنشاء مجمع مدارس تابعة لوزارة التربية والتعليم الإسرائيلية شرق المدينة، بدلا عن مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ” الأونروا”، في مخيم شعفاط وعناتا، مبينة أن هذه المدارس ستكون بديلا عن مدارس “الأونروا”، وفق المخطط المعد لذلك.

وأوضحت مصادر إعلامية أن تكلفة المشروع تصل إلى 7.1 مليون شيقل، وسيتم بناء المجمع في المنطقة الواقعة خارج أراضي عام 1948، ويهدف هذا المشروع الذي قدمه عضو الكنيست الحالي ورئيس بلدية الاحتلال سابقا نير بركات، إلى منع أي تواجد “للأونروا” في المدينة المقدسة، ضمن خطة إسرائيلية تهدف إلى إنهاء دورها، بحجة أنها تعمل على “إدامة قضية اللاجئين الفلسطينيين” ، وتستهدف هذه السياسية الإسرائيلية السيطرة على قطاع التعليم في القدس المحتلة، وإغلاق العديد من المؤسسات الثقافية والصحية والوطنية والإعلامية.

وفي هذا الإطار أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيليّ بتاريخ 20/11/2019 مكتب مديريّة التربية والتعليم في القدس، ومؤسسات فلسطينيّة أخرى تعمل في المجال الإعلامي والخدمات الطبيّة، لمدة ستة أشهر بذريعة تنفيذها “أنشطة مخالفة للقانون”.

كما اعتقلت مدير مكتب مديريّة التربية والتعليم في القدس الأستاذ سمير جبريل، ورئيس اتحاد أولياء أمور الطلبة في مدارس القدس زياد شمالي حيث أطلقت سراحهم فيما بعد بشرط الاعتقال المنزلي لعدة أيام.

وتأتي هذه الخطوات المتلاحقة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع التعليم في مدينة القدس المحتلة، لتصفية وشطب هوية التعليم الفلسطيني في القدس، بما يمس بشكل صارخ الحقوق الأساسية للفلسطينيين في القدس، بما فيها الحق في الحصول على التعليم الذي يمثل هويتهم وتاريخهم ويحفظ حقوقهم المشروعة.

وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلية قد أعلنت في وقت سابق أنها ستغلق مع مطلع العام الدراسي الحالي كافة المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) في القدس.

وجاء هذا القرار بعد أسابيع من اجتماع سري لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي في مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لإقرار خطة لإغلاق وطرد المؤسسات التي تديرها أونروا بالمدينة المحتلة.

هذا القرار لم يكن مفاجئا، إذ سبقته خطة أطلقها رئيس بلدية الاحتلال نير بركات قبل مغادرته منصبه بشهور، وتستهدف كافة مؤسسات الأونروا في القدس بالإغلاق، وكان هو أول المرحبين بقرار مجلس الأمن القومي، وعلق عليه قائلا “حان الوقت لوضع حد لكذبة اللاجئين.. الأونروا تروج عبر مدارسها للكراهية والتحريض على دولة إسرائيل وشعبها اليهودي”.

ويسعى القرار الجديد لإغلاق كافة مدارس الوكالة والمراكز الصحية وتحويلها لبلدية الاحتلال، ولاحقا إصدار أوامر بمصادرة كافة العقارات التابعة للأونروا، في حين سيتم إلغاء تسمية مخيم شعفاط واعتباره حيًّا من أحياء القدس.

من الواضح أن خطة سلطات الاحتلال لإغلاق مدارس الوكالة واستبدالها بمدارس إسرائيلية تعلم المنهاج الإسرائيلي لم تكن جديدة، بل هي خطة قديمة تستهدف تصفية مدارس ومؤسسات الوكالة في إطار تهويد المدينة واستهداف التعليم فيها، وإنهاء وإغلاق المؤسسات والمدارس العربية في المدينة، وهذا المخطط يأتي في إطار ما يسمى بصفقة القرن التي تستهدف مدينة القدس المحتلة، والتي كان من أبرز تجلياتها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة الاحتلال في كانون الأول 2017، ونقله السفارة الأميركية إليها في أيار 2018.

حق التعليم يكفله القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان

كفلت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني، حماية الحق في التعليم كحق أساسي من حقوق الإنسان، ويعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق الأكثر شمولاً وتفصيلاً في تناوله للحق في التعليم، من حيث هدف التعليم وطبيعة العملية التعليمية وآليات الوفاء به للجميع ودون تمييز.

فيما تنصّ المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد عام 1948 على أن “لكل شخص الحق في التعليم”. ومنذ ذلك الحين أقر الحق في التعليم في عدد من المعاهدات الدولية مثل: اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم (1960)، والعهد الدولي الخاص بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965).

ومن المعاهدات الأخرى التي كفلت الحق في التعليم: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية (1966)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979)، واتفاقية حقوق الطفل (1989)، واتفاقية حماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم (1990)، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2006). كما تم الاعتراف بالحق في التعليم في اتفاقيات منظمة العمل الدولية والقانون الإنساني الدولي، وكذلك في المعاهدات الإقليمية.

ويقع على دولة الاحتلال التزامات قانونية تكفل الحق في التعليم في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها بما فيها مدينة القدس، وحق حماية المدارس التي يتعلمون فيها.

ومن ضمن التزامات دولة الاحتلال ما تنصّ عليه المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية (1966)، “تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم، وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها، وإلى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية”.

بينما تضمن اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم الحق في التعليم عمومًا، أي لجميع الناس، بينما تنطبق معاهدات أخرى على مجموعات معينة (الأطفال والنساء والمعوقين واللاجئين والمهاجرين)، أو سياقات محددة مثل التعليم في النزاعات المسلحة والتعليم وعمالة الأطفال.

ووفقا للقانون الدولي يقع على دولة الاحتلال التزامات قانونية تضمن التمتع بالحق في التعليم في الأراضي التي تحتلها، وفي هذا الإطار تقع عليها مسؤولية حسن تشغيل المنشآت المخصصة لرعاية الأطفال وتعليمهم، وبذلك على دولة الاحتلال ليس فقط تجنب القيام بأي من أعمال الاعتداء أو التعرض السلبي لهذه المؤسسات، وإنما من واجبها العمل على تغطية وتأمين متطلبات حسن تشغيل وعمل هذه المؤسسات، سواء على صعيد تغطية متطلبات واحتياجات هذه المؤسسات من الكادر البشري، أو على صعيد تأمين تزويدها بما تحتاجه من الوسائل والمعدات والأدوات وغيرها من الجوانب المادية التي يقتضيها حسن تنفيذ أعمالها.

لكن إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال تنتهك كافة المواثيق الدولية فيما يتعلق بحق الفلسطينيين في التعليم، ومنذ العام 1967 هناك محاولات مستمرة لفرض المنهاج الإسرائيلي في مدينة القدس، وفي العام 2016 ظهرت محاولات لفرض هذه المناهج، تارة بالترغيب عبر تخصيص ميزانيات ضخمة للمدارس التي تعتمد هذه المناهج، وتارة بالترهيب بقطع الإمدادات المالية عن هذه المدارس.

ما يقتضي من المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف تحمل مسؤولياتهم بالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لوقف ممارساتها بحق قطاع التعليم في القدس المحتلة، بالإضافة إلى إلزام المجتمع الدولي سلطات الاحتلال بتحمل مسؤولياتها كدولة احتلال، بشأن احترام وحماية وإعمال الحق في التعليم للمقدسيين.

كما يجب العمل على اتخاذ خطوات فعالة من جانب الاتحاد الأوروبي بموجب المادة الثالثة من اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية التي تشترط احترام دولة الاحتلال لحقوق الإنسان، ومنها الحق في التعليم.

ويقع على عاتق الحكومة الفلسطينية ووزارة التربية والتعليم فيها اعتماد موازنة خاصة بقطاع التعليم في القدس، بما يسمح ببناء مدارس جديدة وشراء واستئجار مبانٍ لاستيعاب الزيادة الطبيعية للمقدسيين، وتأهيل وترميم المباني القديمة، وتطوير التعليم على مستوى البناء والموارد البشرية وبيئة المدرسة وعلاقتها بمجتمعها المقدسي.

وعلى الحكومة الفلسطينية ووزارة التربية والتعليم والمؤسسات الوطنية مواجهة عملية تهويد المنهاج الفلسطيني في القدس بإجراءات وخطوات عملية ملموسة، من ضمنها زيادة رواتب المعلمين في مدارس القدس، ورفع مستوى الحوافز المادية وحقوق العاملين بما يتقارب مع العاملين في مدارس المعارف التابعة لبلدية القدس، وذلك للحفاظ على الكادر التعليمي في مدارس القدس التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم العالي.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق