مقالات رأي

تَلاقي الإرادات.. ثَورة المغاربة القديمة-الـمُتَجدّدة 

كان الوطنيون المغاربة وراء الاحتفال والاحتفاء بحدث 20 غشت، لا من جِهة ما شكَّله من تهديد حقيقيٍّ بقَطْعِ أواصر التعاون الوطني بينهم وبين محمد الخامس؛ وإنما من جِهة انتهاضِ الحَدث للطاقات التحريرية في الأمة المغربية، ولما مَثَّله مِن عنفوان الحماسة الوطنية لتمتين التلاحُم النضالي بين الوطنيين والمغاربة والسلطان. كما كانوا وراء تنظيم أوَّل احتفالٍ بعيدِ العَرش أو عيد الجُلوس، ووراء تقديم وثيقة المطالبة بالاستِقلال، وتضمين أول دستور مغربي عبارة “أمير المؤمنين”، والاحتفاء برموز المقاومة والتحرير والمواقع المشهودة في تاريخنا من معركة وادي المخازن (1578) مروراً بمعركة أنوال (1921)، فذِكرى استِشهاد محمد الزرقطوني (18 يونيو 1954) والمسيرة الخضراء (1975) فاستِرجاع وادي الذَّهب (1979) وغيرها من الأحداث.

نُفِيَ السلطان يوم 20 غُشت من سنة 1953؛ وكان ذلكَ ثالث الـمَشاهِد الفاصِلة في حياة العرش العلوي، بعدَ الوفاة المفاجِئة للسلطان الحسن الأوَّل (1836 – 1894) دونَ أنْ يُعيّن وليَّ العهد من بين أبنائه، وثانيةً عندما استقال السلطان عبد الحفيظ (1876 – 1937) مُخلِّفاً فراغاً في العرش، اهْـتبَلَته الإقامة العامة فرصة لتنصيب يوسف بن الحسن (1882 – 1927)، ثمَّ؛ حينَ أقدمت السلطات الفرنسية في خطوة لا تنسيقية مع إسبانيا؛ على نَفي السلطان محمد الخامس (1927 – 1961) وعائلته إلى “مدغشقر”، ساعيةً إلى إنهاء العهد الـمَلَكي بالمغرب الأقصى، وخائنةً لميراث الجنرال هوبير ليوطي. ورغم تعدُّد الزَّعامات بالمغرب آنذاك، ووجود العمق العسكري والجماهيري لدى الحركة الوطنية؛ إلّا أنَّ هذه الأخيرة لم تَنظُر بعينِ الطَّمع لفراغات العَرش، ولم تنتهز الفُرصة _ كما كانَ يتوقَّع سَدنة الاستعمار في باريس _ لتأسيس الدولة الوطنية الحديثة؛ جمهورية خالِصة.

خلال هذا المسار الطويل من “الفُرص”، لم تَزدد قناعات المغاربة إلّا رُسوخا بضرورة وجود زَعامة سياسية ودينية-روحية، فردانية لا عائلية، يُجسّدها شَخص السُّلطان؛ ولأنَّ هذا الأخير سيعود في أعقابِ ترتيبات وزيارات ومفاوضات جَرَت طيلة مُقامِهِ بمدغشر مما أتى على ذِكره المناضل الراحل عبد الرحيم بوعبيد في “مذكّراته”، ومحمد عابد الجابري في “مواقِفه وإضاءاته”؛ فقد عادَ ضامّا إليه شرعية الـكفاح وشَرعية الزعامة الدينية والسياسية، فعزَّزَ بذلكَ مكانةَ “الملكية”، وإنْ اختَلَف فُرقاء مغرب الاستقلال على وظيفيات الـملِك في “المغرب الـمُستقِل”، مُماشاةً لما كانَ يَعرفه الواقع الديمقراطي والـملكيات في أوربا التي ألْهَبَت أطروحات الوطنيين المغاربة إزاء الدولة، ونَظراً لتنامي الفـكر الدّستوري والديناميات الفكرية والإيديولوجية اليسارية التي كانت تَرى _ فيما تَراه تَقديراً _ أنَّ الـملكية بصِيغتِها الحافِظة على التقاليد وجُذور المخزن لا تَتَناسَب ومُعطيات العصر، ولا تتناسَب وحَجم التضحيات التي بَذَلَتها “الوطنية المغربية” في سبِيلِ إرجاع الـملك، فوجدت ذاتَها خارج السُّلطة، في حالةٍ وصَفَها المهدي بن بركة “بالاستِثنائية” في السياق المغاربي والإفريقي آنذاك، إذْ كانت المقاومة الوطنية بِشِقَّيها العسكري والسياسي؛ الوحيدة التي لَم تَصِل للسُّلطة _ بمضمون مرحلة الخمسينات والسِّتّينات _، بعد جِهادٍ جَهيد.

هذا السياق التاريخي الذي تقلَّبت فيه الملكية بين “فراغ المكان” و”الانعزال” و”النفي عن الوطن”؛ تعاطَت معه القوى الوطنية، والمخزن التقليدي وفئة العلماء والشَّعب بنوعٍ من “الخصوصية والاستِثنائية المغربية”، تجلَّت في الـحِرص على إعادة مَوْقَعَةِ الملكية من جديد كُلّما حَزَبها إعضالٌ أو تهديد خارِجي. ولا يَقْدِر الدّارس لتاريخ المغرب المعاصِر والراهن على ذِكْر الأسباب الثاوية وراء ذلكَ، أهِيَ من جِهَة غيابِ إيديولوجيةٍ راديكالية تُعبِّئ في اتجاه استِثمارِ “الفُرص” لتحويل البلادِ إلى النظام الجمهوري؟ أمْ مِن جِهة خصائص المغارِبة الـميّالة إلى الاجتماع على شخصيةٍ لها من الحسب والنسب الشريف ما تَبُزُّ به الآخرين سواءٌ أكانوا زعماء دينين أو قادة طُرق صوفية أو زعماء أحزاب سياسية أو شخصيات مخزنية نافِذة؟ أم لتَعَذُّر اتِّفاق العائلة الوطنية على شَخصية بديلة تحلُّ مَحَل “سُلطان/ملِك”؟ علِما أنَّ شخصيةَ محمد بن عرفة  _ سليل الأسرة العلوية _  كانت مَحطَّ ازدِراء ورَفض من لدُن غالبية مكونات الصفّ الوطني والمقاومة وجيش التّحرير، بل كانَ قَبولُها بتعويض محمد الخامِس استِثماراً في فُرصة “فراغ العرش” والقَبول بمبايعة صورية ولعِب دَور صورِي؛ السبب الـمباشِر في اندلاع عمليات المقاومة ودخول المغاربة زَمنَ “ثورة الملك والشّعب”.

إنَّ حَدث ثورة الملك والشَّعب الذي ضلَّ يحتِفظُ بثِقْلِه ورمزيته في الوجدان المغربي طيلة 66 سنة يُثيرُ لديَّ مُلاحَظتين: لماذا تعلَّقت القوى الوطنية والشعب المغربي بشخص السلطان المعزول في سياقِ ظَرفيةٍ تاريخية عربية ومغاربية كانت تُسقِط قلاعَ الملكيات الواحدة تِلو الأخرى؟ وما المعنى والـحَمولة التي يُضْفِـيها المغاربة على “ثَورتهم”، أو بالأحرى كيفَ صَنعوا الثورة، ما الذي يتبادَل إلى الذِّهن بالنسبة للأجيال الحالية وتلك التي عاشَت سنوات الجَمر والرصاص وانتهاك حقوق الإنسان واشتِداد الصِّراع على السلطة والتأثُّر بـمَدِّ الثورات الفكرية والسياسية الآتية من أوربا وآسيا عندَ الحديث عن “ثورة بالمغرب”، أو السعي لــ”ثورة” قصدَ تغيير الأوضاع؟

إنَّ هذا الحدث الذي خلَّدنا ذكراه السادسة والستّون يوم (20 غشت) يُجدّد التّدليل على خصوصيات كثيرة تُميّز هذا القُطر من العالم العربي – الإسلامي، وأخرى تميّز الشخصية المغربية أو ما يُعبِّر عنه المؤرخ عبد الله العروي بــ”الوطنية المغربية”، ويُذْكي حماسة الذِّهن للتأمُّل في “الكيفيات” و”المضامين” و”الدلالات” التي حمَلتها محطّات تاريخية مِفْصَلِية من حياة الشَّعب والعرش، فالمغاربة قاوموا واحتضنوا والتَحموا بالإسلام بطريقتهم الخاصة، وتعايشوا بروافِدهم المتعددة بطريقتهم الخاصة، ودبّروا الأزمات السياسية بطريقتهم الخاصة، واستقبَلوا الأُدْلوجات واستوعبوها بطريقتهم الخاصة، وعاشوا الماركسية واللينينية وعَصْر اليسار الجديد بطريقتهم الخاصة، وانفتحوا على القراءات الإسلامية للواقع ونَقد التّراث والإسلام التاريخي والمدارس الفلسفية والمناهج العلمية والانخراط في التعبيرات المادية والمعنوية للحداثة بطريقتهم الخاصة، واستوْعَبت أنويتهم المجتمعية تأثيرات الحَنبلية والوهابية والسلفية النصّية والسلفية العلمية بطريقةٍ خاصة، وتأسَّست في التربة المغربية الحركة الإسلامية وتيار الإسلام السياسي فَتَعَاطَى معها المغاربة والنِّظام الملكي بطريقتهم الخاصة، وانتفضوا في الساحات العمومية مُعَبِّرين عَن مطالِب اجتماعية وسياسية وحقوقية واقتصادية ضِمن حراك وطني في سياق ربيع عربي تمايَزوا فيه عن شعارات باقي الأوطان العربية المنتفِضة وتلاقت إرادات المغاربة والملكية والقوى الديمقراطية والإصلاحية بطريقة خاصة كذلك..؛

وبِذا فهُم مُذ صَنعوا “ثَورتهم” في أوائل خمسينات القرن العشرين بطريقتهم الخاصة، وتلاحَم الشعب بالـملِك؛ فإنَّـهم قادِرون على تقديم شخصيةِ مُجدِّدة لمضمون “ثورتهم”، وفاتِحةً بها طريقَ تعاقُد اجتماعي وسياسي جديد، يجعَل الإنسان في صُلبِ السياسات العمومية، ويُشرِك صَوتَ الشارع الحضري والعُمق المغربي في القرار والمسير نحو التقدّم، لتكون الذّكرى والحدث بحَقٍّ؛ ّ”ثورة ملكٍ وشعب متجدِّدة” !

بقلم: عدنان بن صالح

 

-*-*-*-*-*-*-

مقالات رأي لا تعبر بالضرورة عن موقع الإصلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق