مقالات رأي

تأملات من وحي كورونا – مصطفى الطيب

لأول مرة في تاريخ البشرية يجتاح وباء واحد موحد كل بلدان العالم تقريبا ويفرض عليهم أمر الله تعالى بشلل شبه تام للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وخشعت لأثره أصوات العالمين فلا تكاد تسمع إلا همسا بالدعاء والتضرع أن يرفع البلاء وتعود الحياة إلى طبيعتها.

فجأة توقفت أغلب الحروب وتراجع الاحتباس الحراري وتعزز التضامن الاجتماعي وتنادت الأصوات بتعزيز المنظومات الصحية بدل سباق التسلح وصار باب الطهارة أعظم خلاص للعالمين. جاء كورونا بشر مستطير وكذلك بخير عميم أبرزه تلك الصدمة التي تلقاها الضمير العالمي وضمير كل إنسان بعيش فوق الأرض حيث أحس بأن الجميع يعيش في سفينة واحدة إن خرقتها الصين غرق معها باقي العالم وكذلك القياس على الجميع، ” فحرب” الجائحة بدأت بحالة واحدة وعمت كل الكرة الأرضية.

كل أبناء العالم أصبحت عينهم تطل صباح مساء على الرقم 19 المقترن باسم الداء كوفيد 19، حيث صار هذا الرقم رقم شؤم لكل الناس. والمسلمون يعلمون أنه رقم يبعث على الرهبة والفزع لاقترانه بعدد الملائكة التى تقوم على النار وعلى عذاب يوم القيامة!!! نعم هو وباء كما قال أكثر من واحد أنه يشبه يوم القيامة.

فالعالم أجمعه يقف عاجزا أمام الفيروس حتى قال بعضهم : انتهت حلول الأرض وبقيت فقط حلول السماء!! الكل استسلم لكائن دقيق لا يتعدى وزنه 400 من مليون متر… غير أني أرى الفرق بين مشهد اليوم ومشهد الغد في اليوم الآخر أن هذا الفيروس جاءنا بعكس المشهد حيث أطل علينا بباب ظاهره العذاب ومن قبله الرحمة… رحمة تعيد بعض التوازن لنظام البشرية وتخفف من وطأة اقتصاد متوحش وقانون غلبة على الشعوب المستضعفة وعلى رأسها بلاد المسلمين….وأنظمة حكم جبرية متجبرة لا تعرف لقيم الإنسانية والرحمة سبيلا… الكل اقتنع الآن أن الأمن الصحي والبيئي أكثر قيمة من التنافس الاقتصادي والتفوق التكنولوجي وسباق التسلح…

لقد برز الآن إرهاب أخطر من الإرهاب الذي يدعون محاربته… إنه إرهاب الجوائح المكون من أصغر مخلوقات الله.. ولا أعتقد بتاتا أن البشرية ستختار الاستمرار على حالها كما كانت قبل كورونا، إذ أصبح مفروضا عليها أن تلجأ إلى نظام عالمي جديد بالتعاون والتضامن بين الدول للخروج من أزمة الوباء والتصدي للجوائح المحتملة مستقبلا : وكما أورد حسن أوريد في مقاله : لسنا أمام هزيمة معسكر، أو أيديولوجية، بل أمام خطر يتهدد البشرية، وهو الأمر الذي يستلزم ما يسميه أمين معلوف بضرورة خطة جديدة، أو «نيو ديل» كتلك التي أرساها الرئيس الأمريكي روزفلت، عقب الأزمة العالمية الكبرى. ذلك أن المطلوب مثلما يقول أمين معلوف، مما أنقله إلى اللغة العربية، ليس تحريك الاقتصاد، أو اتخاذ تدابير لمعالجة قضايا اجتماعية، ولكن إنشاء واقع كوني جديد وإرساء علاقات جديدة بين الأمم ونُظُم جديدة لسير الكرة الأرضية، وتدبير شؤونها، ما يضع حدا لمختلف الاختلالات الاستراتيجية والمالية والأخلاقية والمناخية. من هنا نبدأ.

 ليس هناك شك أن العديد من الأشياء ستتغير في عالم ما بعد كورونا، لكن تعالوا الآن نذهب لاستشراف الحكمة الإلاهية من بعث هذا الوباء على البشرية وفي هذا التوقيت بالذات…. أكيد أن لا أحد يمكنه أن يعرف هذه الحكمة لأنها خاصة به سبحانه وكذلك نحن كمسلمين نؤمن بأن لاشيء يحدث خارج إرادة الله وحكمته…ويبقى التأمل والتفكر هو سبيل بسيط لملامسة المغزى والسبب من بعث الوباء دون الجزم بأنه هذه هي إرادة الله.

فالوحي قد انقطع ولم يبقى ببن أيدينا إلا القران وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن عالم ما قبل كورونا شهد مجزرة في حق مسلمي الصين الايغور حيث سجن وعذب الملايين من المسلمين شر عذاب وتنكيل والعالم كله لم يفعل شيئا. لم يمض إلا وقت قصير حتى سمعنا بظهور الوباء. وأين ؟ في قلب النشاط الصناعي الصيني وأصيبت الصين في مقتل وبقي مليار ونصف من سكانها في عزل صحي شامل وصارت الصين كلها محاصرة بعد أن حاصر نظامها الحاكم المستبد الفئة المستضعفة من طائفة المسلمين فيها! ومازالت الصين إلى الآن متوجسة من موجة ثانية من الداء، وتعيش أجواء الهلع والفزع. ثم انتقل بعدها هذا الفيروس إلى إيران الفرس وكلنا يتذكر ما اقترفته هذه الدولة من جرائم في حق المسلمين السنة بالعراق وسوريا واليمن،  فقد كان فعلها ليس هينا ولا بسيطا، ولا تزال إلى الآن على سياستها ونهجها في العدوان والظلم… هذا الظلم الذي ترتب عليه مئات الآلاف من القتلى والمصابين والمشردين، ثم رأينا هذا الفيروس يضرب قلب بلاد الروم : إيطاليا ليعم سائر أوطانهم من اسبانيا وفرنسا وألمانيا ورأسهم “أمريكا ” … وما خلفه هذا الفيروس في صفوفهم حتى الآن من مئات آلاف من المصاببن وآلاف الوفيات.

هذه الدول وما فعلته بحق أفغانستان والعراق وسوريا  وما قامت به من تفتيت لجسم الأمة وقمع لثورات الربيع العربي ووو… لكن الأسوأ والأفظع كان في نظري هو الإعلان عن صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية والإجهاز على القدس والمسجد الأقصى، وما أشبه اليوم بالأمس حينما أراد أبرهة الحبشي أن يهدم بيت الله الحرام في عام الفيل فأرسل الله عليه طيرا أبابيل ترميه بحجارة من سجيل فجعلته هو وجنوده كعصف مأكول. . وهذا عام كورونا يدخل فيه الفيروس إلى البنتاغون والبيت الأبيض ومقرات حكوماتهم ورؤساهم ويحاصر بعدها رأس حربتهم ” إسرائيل” ويخلف عندها إلى الآن آلاف الإصابات، ويذيقها من الخوف والرعب ما أفزع قلوبهم كما روعوا من قبل الفلسطينيين وهدموا البيوت من فوق رؤوسهم ورموهم بحمم من النار والدمار… والعالم بقي صامتا بل متواطئا حتى القريب منهم.

فهل ما مس الأعراب هو رد على ما اقترفته أيديهم في حق إخوانهم في العقيدة والعرق أو مما كسبت أيمانهم من تولي الأعداء على ذوي الأخوة والقرابة ؟ وهكذا كان الرد على صفقة القرن بضربة الكوفيد معلنة أن ابتعدوا عن الأقصى فإن للبيت رب يحميه…

 هذه فقط تأملات من وحي الحدث لا أدعي أنها حكمة الله بل مجرد نظر وفكر في ما يحدث من آيات الله موقنا أن لاشيء يخرج عن قدرته وأمره سبحانه، وستخبرنا ربما الأيام بما خفي عنا من أسرار.

 فاللهم سلم واحفظ البشرية جمعاء من هذا الوباء وردها إلى دينك ردا جميلا. أمين.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق