الرئيسية-الهجرة النبويةمقالات رأي

الهجرة والنضال المستمر من أجل إقرار الحرية الدينية – مصطفى قرطاح

تؤكد الوقائع التاريخية المثبتة بنصوص القرآن الكريم أن هجرة المؤمنين لم تقتصر على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن عملية الطرد والإخراج لم تكن منهجا اخترعه كفار قريش وكانوا فيه بدعا من الطغاة، بل إنها ضاربة الجذور في التاريخ، ووسيلة تحسبها من كثرة اعتماد الطغاة عليها كأنهم كما قال الله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ }[الذاريات:53].

وبتتبع هذه الهجرات والأسباب التي كانت وراءها يخلص القارئ إلى أن تلك الهجرات لم تكن إلا حلقة من مسلسل نضالي طويل؛ يهدف إلى إقرار وجه عظيم من وجوه الحرية ألا وهو الحرية الدينية، والوقوف بكل قوة وثبات في وجه الاستبداد الديني والفكري الذي تمارسه الطغمة الحاكمة تحت مسميات مختلفة ودعاوى متعددة. وليس المقصود بالحكم في هذا السياق معناه السياسي الضيق، بل المراد منه معناه الواسع الذي يجمله القرآن الكريم فيما يسميه الله تعالى بالملأ.

يقع التصادم بين الملأ والفئة المؤمنة عندما تصر هته الأخيرة على التمتع بحريتها وممارسة حقها في الإعلان عن معتقدها؛ ونشره، وممارسة شعائرها، وإبداء رأيها وموقفها بكل وضوح من الواقع المجتمعي السائد الذي ترزح تحته وتصطلي بموازينه وقيمه، مستندة في ذلك إلى ما امتلكته من رؤية فلسفية مقتبسة من العقيدة الإسلامية والمؤسسة على منظومة قيمية أخلاقية ترتكز على الحرية والعدل والمساواة والتكافؤ وكرامة الإنسان.

ولعل فيما جرى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى مع كفار قريش ما يصلح مثالا لهذا التصادم. فقد روى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها، قالت: «…لما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة، فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة، ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك، فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب، أني أخفرت في رجل عقدت له، قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله»[1].

يتأكد من خلال هذه القصة أن أشد ما نقمته قريش على أبي بكر رضي الله عنه هو إعلانه بالصلاة والقراءة، ورفضت الإقرار له بذلك الإعلان، واعتبرته تجاوزا لسقف الحرية المحدد له سلفا من قبلهم؛ كما يتضح أن أبا بكر الصديق قد أصر على رفض الانتقاص من حقه في حرية ممارسة شعائره الدينية وأن يحال بينه وبين الإعلان بذلك، فكسر القيود التي وضعها عليه جوار ابن الدغنة؛ فرد عليه جواره، ونبذ إليه عهده، معلنا استئناف إعلان عباداته واستعداده دفع الثمن الذي تستحقه حريته.

فالمواجهة في جوهرها واقعة بين منهجين متناقضين؛ أحدهما منهج استبدادي يضع المخالف بين اختيارين لا ثالث لهما، إما العودة إلى الملة الموروثة عن الآباء؛ وإما مواجهة صنوف الإيذاء من القتل أو الطرد والإخراج أو غير ذلك. وقد جاء على لسان فتية الكهف ما يلخص هذا المعنى حيث قص الله تعالى قولهم: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف: 20] وسيأتي في الفقرة الموالية من النصوص القرآنية ما يزيد هذا المعنى تأكيدا. والمنهج الثاني هو منهج رباني يتأسس على الكرامة الإنسانية القائمة على الاختيار الحر المقترن بالمسؤولية وتحمل تبعات ذلك الاختيار، وهو ما يلخصه قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ }[ البقرة:256].

ولسنا بحاجة إلى إطالة الكلام عن المنهج الأول، إذ الحديث عنه ليس مقصودا أصالة، وإنما هو مقصود بالتبع ، ولكن حسبنا منه ما جاءت به النصوص القرآنية المؤكدة على ما أشرنا إليه آنفا من اطراد هذا الأسلوب ورسوخه في تعامل الطغمة الحاكمة في التعامل مع المؤمنين.

من ذلك  قوله سبحانه:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ }[ إبراهيم:13]، فبين النص القرآني أن الوعيد بالطرد والإخراج صيغة متوارثة بين  الكفار نحو رسل الله من دون تعيين من هؤلاء الكفار ومن هؤلاء الرسل. ولتحديد بعضٍ من هؤلاءِ وأولئكَ قص علينا سبحانه وتعالى ما حدث لنبييه شعيب ولوط وقومهما، فبين أنهم قد لاقوا من قومهم مثل ما لاقى باقي الرسل فقال تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } [ الأعراف:88]. و في شأن قوم لوط قال سبحانه: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }[ الأعراف:82] وقال أيضا:{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }[النمل:56]

 أما المنهج الرباني المقصود عندنا أصالة فيجب أن نستبينه لنفهم طبيعته، وتبعا لذلك ندرك أحد المداخل الرئيسة لهداية الإنسان وإقامة الحجة على العالمين. وفي تقديري فإن هذا المنهج يتميز بخاصيتين اثنتين؛ أولاهما: الموقف المبدئي المؤيد للحرية الدينية، والثانية هي العدل والإنصاف من قضية الإكراه. وأوضح ذلك فيما يلي:

أولا: الموقف المبدئي المؤيد للحرية الدينية:

 وهذا الموقف من الحريات الدينية لا يتوقف على المسلمين فحسب دون باقي البشر، بل إنه يؤكد على أحقية جميع الطوائف الدينية في ممارسة شعائرها التعبدية، ويدعو الناس إلى الاتحاد والتكاثف في مواجهة المعتدين على هذه الحرية. وهذا ما نبهت عليه الآية الكريمة حيث قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ[2] وَبِيَعٌ[3] وَصَلَوَاتٌ[4] وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }[ الحج:40]، حيث ربط النص القرآني بين حدث الهجرة والإخراج القسري التعسفي من مكة وبين مشروعية مواجهة الظالمين من أجل الحفاظ على أماكن العبادة لأصحاب الديانات السماوية الثلاث.

وفي هذا المعنى قال الإمام الطاهر بن عاشور: « فلما تضمنت جملة ” أذن للذين يقاتلون” الإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم أتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع، مع التنويه بهذا الدفاع، والمتولين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود والنصارى والمسلمين، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة… والمعنى: لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لضري المشركون ولتجاوزوا فيه المسلمين إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل الأخرى المناوئة لملة الشرك ولهدموا معابدهم من صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد، يذكر فيها اسم الله كثيرا، قصدا منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقا للأديان المخالفة للشرك. فذكر الصوامع، والبيع، إدماج لينتبهوا إلى تأييد المسلمين»[5].

 ثم استطرد الإمام ابن عاشور في الحديث عن المنع الشرعي من التعرض لبيوت العبادة والاعتداء عليها، فنقل عن ابن خويز منداد من أئمة المالكية قوله «تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نارهم» …ثم بين رحمه الله تعالى وجه الحكمة في ذكر بيوت العبادة على الترتيب الذي وردت به في الآية الكريمة فقال: «وتقديم الصوامع في الذكر على ما بعده لأن صوامع الرهبان كانت أكثر في بلاد العرب من غيرها، وكانت أشهر عندهم، لأنهم كانوا يهتدون بأضوائها في أسفارهم ويأوون إليها، وتعقيبها بذكر البيع للمناسبة إذ هي معابد النصارى مثل الصوامع. وأما ذكر الصلوات بعدهما فلأنه قد تهيأ المقام لذكرها، وتأخير المساجد لأنها أعم، وشأن العموم أن يعقب به الخصوص إكمالا للفائدة»[6].

 وفي ذات السياق جاء قول الله تعالى مشددا النكير على من تعرض للمساجد بالتخريب والمنع من ذكر الله فيها فقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }[البقرة:114]، والنكير هنا موجه إلى النصارى حين خربوا بيت المقدس بغضا في اليهود كما جاء في بعض كتب التفسير.

ثانيا: العدل والإنصاف من قضية الإكراه        

    فإذا كان الإسلام يعتد بالإيمان الصادق الصادر عن صاحبه عن طواعية واقتناع واختيار حر، فإنه ـ تعزيزا لهذا المبدأ ـ يقف من قضية الإكراه موقفا منصفا عادلا، حيث يرفض لأتباعه أن يكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام مثلما ينكر على الآخرين أن يكرهوا المسلمين على التخلي عن دينهم. والصورتان معا من رفض الإكراه هما صورتان متكاملان تنبعان من أصل قيمي عظيم هو أصل الكرامة الإنسانية كما تجلت في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، وبناء على هذا الأصل لم يكلف الله تعالى أحدا من خلقه بتحمل الأمانة قسرا، بل عرضها عليهم وخيرهم في تحملها، فاختار الإنسان تحملها، قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72]

 وعليه، وجدنا الله تعالى يؤكد لنبيه عليه الصلاة والسلام على أن وظيفته هي التذكير فحسب، فقال الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ  لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } [الغاشية: 21، 22]، وقال أيضا: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45] وقال أيضا: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }[الكهف:29] وقال كذلك: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }[يونس:99]. ووجدنا نوحا عليه السلام يؤكد لقومه أن ليس له ولا باستطاعته إلزام قومه بالإيمان بالبينات التي جاء بها إذا لم تظهر لهم، ولا تحبيبها لأنفسهم إن كانوا لها كارهين. قال الله تعالى: { قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)} [هود: 25 – 28]

وخلاصة القول فإن حرية اختيار العقيدة وممارسة الشعائر التعبدية هي من جهة من حجج الله تعالى على خلقه، وإعذار لهم في الدنيا حتى لا يستطيع أحد الاحتجاج يوم القيامة بأنه كان مكرها على اتباع دين لم يرضه ولم يكن مقتنعا به، وهي من جهة ثانية مدعاة إلى الإيمان الصادق النابع من الاقتناع الحر؛ والذي يزداد رسوخا مع توالي البينات وظهور آثار الهدي الرباني في الحياة البشرية. وهو من جهة ثالثة مرتكز منهجي أساس في الدعوة إلى الله تعالى بالحسنى كما أوصى بذلك الحق سبحانه في قوله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }[النحل:125]، ذلك أن المربي والداعية إذا أدرك أنه لا يملك من أمر الناس شيئا ولا يستطيع السيطرة عليهم عمد إلى انتهاج الأساليب المعززة للإقناع وإلى تبني الخطاب الدعوي المنطلق من الكرامة الإنسانية والمعزز لها.

وختاما نستطيع القول بأن الحديث عن حدث الهجرة لا يزال في حاجة إلى تأطير منهجي ، يضعه في سياق الرؤية الفلسفية الإسلامية للإنسان النزاعة نحو الحرية والكرامة ومناهضة الظلم، وينأى به عن القراءة الجزئية التي تنظر إليه كمحطة تاريخية في السيرة النبوية، انتهت بدخول النبي صلى عليه وسلم واستقراره رفقة المهاجرين بمكة.

[1]  ـ صحيح البخاري، كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه.

[2]  ـ الصوامع: جمع صومعة بوزن فوعلة، وهي بناء مستطيل مرتفع يصعد إليه بدرج وبأعلاه بيت، كان الرهبان يتخذونه للعبادة ليكونوا بعداء عن مشاغلة الناس إياهم، وكانوا يوقدون به مصابيح للإعانة على السهر للعبادة ولإضاءة الطريق للمارين. من أجل ذلك سميت الصومعة المنارة. :التحرير والتنوير: 17/277.

[3] ـ والبيع: جمع بيعة- بكسر الباء وسكون التحتية- مكان عبادة النصارى التحرير والتنوير: 17/278.

[4]  ـ الصلوات: جمع صلاة وهي هنا مراد بها كنائس اليهود، نفسه.

[5]  ـ التحرير والتنوير (17/ 276)

[6]  ـ نفسه: 17/279.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق