أنشطة أعضاء المكتب التنفيذيالرئيسية-حملة أمان واطمئنان (لمحاربة Covid19)دروس ومواعظعشر ذي الحجة وعيد الأضحى

الموس يكتب: هل نجعل من شعيرة أضحية العيد لهذه السنة ملحمة اجتماعية نخفف فيها من المحنة؟

تتزامن شعيرة أضحية العيد هذه السنة مع تداعيات جائحة كورونا، والتي كان لها آثار اجتماعية واقتصادية  على جل الدول. وإن محطات الابتلاء بالنسبة للمسلمين تكون دائما فرصة لتحقيق بعض مقاصد العبادات والطاعات في التخفيف من الضيق على الناس ومواساتهم. وقد شهدت أضحية العيد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحدى السنوات حصول ضائقة بقوم من المسلمين. فكيف تصرف الرسول عليه السلام معها؟

أخرج  مسلم ومالـك ‏عن ‏عبد الله بن واقد ‏أنه قال: ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ )، وقد كان مقصده صلى الله عليه وسلم من منع الأكل والادخار بعد ثلاث أيام أن يبادر الناس إلى التصدق بلحوم الأضاحي، وإهدائها لغيرهم، ليحصل التكافل والمواساة مع القوم الفقراء الذين قدموا المدينة.

وقد امتثل الصحابة للأمر النبوي فلم يدخروا تلك السنة، ومنهم من استمر في الامتناع للسنة الموالية اعتقاد منهم أن الحكم مستمر، فلما أُخبر صلى الله عليه وسلم بصنيعهم بيّن لهم أن المنع لم يكن تشريعا دائما؛ وإنما كان تصرفا منه صلى الله عليه وسلم بحسب ما اقتضته المصلحة وواقع الحال، وأنّه إنما سعى من خلال منعه الادخار إلى الإعانة على الشدة والأزمة التي لحقت بإخوانهم، فلما زالت العلة رجع الحكم إلى الإباحة الأصلية، وقال لهم عليه السلام: ( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا) .

إن عيد الأضحى والذي يسمى عند المغاربة ” بالعيد الكبير” باعتبار قيمته ومكانته الاجتماعية يتضمن عبادة جليلة هي نحر أضحية العيد، قال الله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، والمراد بالنحر ذبح الضحايا يوم عيد النحر، وهي سنة مؤكدة في أصح قولي العلماء، وتتأكدُ في حق القادر عليها ومَنْ عنده سعة من المال وليست واجبة. وقال عبد الوهاب البغدادي المالكي:” الأضحية سنة مؤكدة يخاطب بها كل قادر عليها إلا الحاج بمنى”، ولأجل سنيتها رأى بعض فقهاء المالكية أن تاركها وهو قادر عليها آثم، وأنه يستحب شراؤها ونحرها على التصدق بثمنها. قَالَ مَالِك:” الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ قَوِيَ عَلَى ثَمَنِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا” .وإقامة شعيرة الأضحية إحياء لسنة أبينا إبراهيم عليه السلام واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لما رواه البخاري ومسلم عن أَنَسٍ رضي الله عنه : ” ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ “. ومن مقاصدها التوسعة على الأهل والعيال، ومواساة الفقراء والمساكين، وإن التزام المسلمين بها من تعظيم شعائر الله .قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

إن بلاد الإسلام عامة، ووطننا المغرب خاصة يعتبر شعيرة الأضحية من أعظم الشعائر الدينية، وهي موسم عظيم يستعد له المغاربة من جوانب متعددة، وفيه يتحقق رواج اقتصادي كبير، يستفيد منه مربو الماشية وخاصة الغنم، وكذلك تنشط فيه مجموعة من الحرف والتجارات الموسمية. وإن تحقيق المواساة في الأضاحي يقتضي من علماء المسلمين وأولياء أمورهم أن يجتهدوا لزمانهم بما يناسب التخفيف على المتضررين، وتحقيق التكافل والتآزر بين الناس. روى البخاري عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ”.

إنه بإمكان المغاربة أن يُحقّقوا ملحمة اجتماعية، تُعيد البسمة للمبتلين، وتخفف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للجائحة، ونقترح لذلك الأمور التالية:

أولا: مبادرة المستطيعين إلى شراء الأضحية

فهي سنة مؤكدة كما سبق،ويزيد أجرها بإحضار نية التخفيف على المزارعين من مربي الماشية، الذين تكلّفون شراء العلف لماشيتهم، وقد يستدينون لأجل ذلك في انتظار موسم العيد لبيع أضاحيهم، وإن بقائها عندهم لسنة أخرى يُعرضهم لإرهاق شديد لا يطيقونه، وقد يضطرون لبيعها بأبخس الأثمان.

وقد أجاز بعض الفقهاء الاقتراض بطريق مشروع لأجل القيام بها، ما لم يكن في ذلك إرهاق للفرد وأسرته، وحين يأنس الفرد من نفسه قدرة على السداد بيسر، ويجوز كذلك قبول منحة الأضحية التي تقدمها بعض المؤسسات لموظفيها، أو الاستفادة مما تقدمه في شكل قرض يقتطع ‏فيما بعد من المرتبات ما لم يخالف الضوابط الشرعية.ومن جهة أخرى فالأضحية شعيرة من شعائر الله، وليست عادة اجتماعية تتكلّف الأسر شرائها ولو على حساب الضروريات. قال الله تعالى: {لنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37].

إقرأ أيضا: المجلس العلمي الأعلى يحدد 6 شروط لإعادة فتح المساجد

ثانيا: الموازنة بين المفاسد والمصالح

إن تصرف الدولة على الرعية بمنوط بالمصلحة، ومن ثم يجوز للمسؤولين بناء على معطيات حقيقية، ودراسات إحصائية أن يقدروا المفاسد المترتبة عن دعوة الناس إلى ترك الأضحية لهذه السنة، ويوازنوا بينها وبين الضرر المتوقع على المزارعين، ويدرسوا  أيضا إمكانية الإبقاء عليها في كل المناطق أو في المناطق السليمة من الجائحة فقط مع تقديم دعم للمزارعين المتضررين. وفي جميع الحالات فإن المسلم مأجور على التزام ما تُرجحه الجهات المختصة، وقد يكون ترك شرائها و التصدق بثمنها على الفقراء والمحتاجين من أعظم الحسنات.

ويمكن أيضا دعوة الناس إلى إعمال مبدأ الاشتراك في ثوابها بين أفراد الأسرة الواحدة مع الإهداء والتصدق منها بغية التخفيف من التوافد الكثير على الأسواق مع تخوف نقل عدوى الجائحة.  روى مَالِك عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: ” كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً”. وإذا كان ذلك معمولا به بالنسبة للشاة فهو جائز من باب أولى بالنسبة للأضحية من البقر أو الإبل. قال مالك:” أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْحَرُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْبَدَنَةَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ الْوَاحِدَةَ هُوَ يَمْلِكُهَا وَيَذْبَحُهَا عَنْهُمْ وَيَشْرَكُهُمْ فِيهَا فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ النَّفَرُ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ أَوْ الشَّاةَ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِي النُّسُكِ وَالضَّحَايَا فَيُخْرِجُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ ثَمَنِهَا وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ لَحْمِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ وَإِنَّمَا سَمِعْنَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَكُ فِي النُّسُكِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ” .

ثالثا: شراء الأضاحي للفقراء

وإذا رجحت مصلحة إقامة شعيرة الأضحية، فإن إدخال السرور على الناس خاصة مع تداعيات الجائحة من أعظم الأعمال. وإن قيام أغنياء المسلمين بشراء أضاحي لأسر الأيتام وغيرهم من الفقراء وإدخال البهجة والسرور عليهم من المقاصد النبيلة التي دعت لها الشريعة. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « مَن نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على مُعْسِر، يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِما سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة، واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَونِ أَخيه».إن هذا الصنيع لا يحقق المواساة وإعانة الفقراء ممن لا يجدون قدرة لشراء الأضحية فقط؛ بل إنه يُسهم إلى جانب ذلك في الرواج الاقتصادي لسوق الماشية والتخفيف عن المزارعين.

رابعا: تصدق المسلم من أضحيته

ومن صور المواساة والتكافل أن يتصدق الناس بأجزاء من أضاحيهم على الفقراء والمحتاجين. فإذا كان الادخار مشروعا كما سبقت الإشارة، فإنه عند نزول المحن والبلايا كالتي حلت بنا نحتاج إلى إشاعة البذل والعطاء، وقد كان بعض السلف يتصدقون بثلث أضحيتهم ومنهم من يتصدق بأكثرها. روى مالك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَّبِعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ فَقَالَ عُمَرُ كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ سَمْنًا وَلَا لُكْتُ أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ : « لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ» .قال الباجي في معنى تصرف عمر رضي الله عنه:” يُرِيدُ مُسَاوَاةَ المَسَاكِينِ فِي ضِيقِ عَيْشِهِمْ لِيَذْكُرَ بِذَلِكَ أَحْوَالَهُمْ وَلَا يَغْفُلَ النَّظَرَ لَهُم” .

خامسا: استهلاك المنتجات والخدمات الوطنية

ومن صور المواساة أيضا أن يتوجه المواطن إلى استهلاك ما ينتجه الوطن، وإلى مساعدة أصحاب المهن الموسمية، واقتناء بعض الحاجيات منهم، والتعامل مع خدماتهم، ففي عيد الأضحى تنشط بعض المهن ويحتاج أصحابها إلى دعم وتشجيع، وقد كان الكثير منهم في بطالة قبل العيد، وقد رغّب النبي عليه السلام في السماحة عند البيع والشراء، وأن يعطى المسلم أكثر من القيمة أو الواجب، ويحتسب الأجر عند الله تعالى.

سادسا: إشاعة الإحسان وحفظ البيئة

أمر الله تعالى بالإحسان في كثير من سور القرآن فقال سبحانه:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195]. ووسع النبي عليه السلام من مجالات الإحسان، فقال فيما رواه مسلم عن شداد بن أوس – رضي الله عنه – :قال : « إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ ».  ومن صور الإحسان بالنسبة لشعيرة الأضحية ما يأتي :

– إحسان شرائها ومراعاة الضوابط التي تضعها السلطات الصحية، من حيث التباعد الاجتماعي، وحفظ الصحة.وقد يقتضي الأمر وضع ضوابط تخص نقل الأضاحي، وأسواق بيعها، وأماكن تجميعها إلى حين وقت ذبحها، ويجب على المسلم أن يتقيد بكل ذلك ويعتبره من الطاعة المأمور بها شرعا.

-إحسان الذبح  والسلخ، مع الحرص على النظافة والطهارة وسلامة اللحم، ووجب ضبط عملية الذبح والسلخ بما يضمن الحفاظ على سلامة الأنفس وصحة المواطن، مع تمكين المتخصصين فقط منها. ويمكن توسيع تجربة المجازر البلدية للسنوات الماضية وزيادة ضبطها وتفعيلها  لنحر الأضاحي.

– إحسان التخلص من مخلفات الأضاحي، وحسن التعامل معها، ومساعدة القائمين على جمعها بوضعها في أكياس مغلقة، وإخراجها في الوقت المناسب، والاحتياط من أذى الجيران، روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ.

-إحسان الاستفادة من جلود الأضاحي وصوفها، ووضع خطة لذلك، تشارك في تنزيلها السلطات المحلية والجماعات الترابية.

والحمد لله رب العالمين.

الدكتور الحسين الموس

أخبار / مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    مقالة موفقة للدكتور الحسين الموس حفظه الله
    عندي ملاحظة واحدة فقط بخصوص ما ذكره الأستاذ في مستهل الفقرة الرابعة من المقالة حيث اعتبر بأن المغاربة يسمون عيد الأضحى بالعيد الكبير وذلك باعتبار قيمته ومكانته الاجتماعية، أود التنبيه هنا إلى أن تسميته بالعيد الكبير لا ينفرد بها أهل المغرب فقط بل نتقاسم ذلك مع عدد من الدول العربية الأخرى مثل تونس والجزائر وليبيا ومصر والسودان وفلسطين والأردن ولبنان والعراق، وقد سمي بالعيد الكبير لطول مدته حيث يدوم بعد يوم النحر (10 من ذي الحجة) طيلة أيام التشريق، وله أسماء أخرى مثل عيد القربان عند الإيرانيين وعيد الحجاج في البحرين. تدقيق هذه العبارة مهم لأن تفسير تسمية عيد الأضحى بالعيد الكبير باعتبار قيمته (وقيمته جد معتبرة لدى المسلمين بالتاكيد) قد يدفع البعض للتساؤل عن سبب تسمية عيد الفطر بالصغير؟ فذلك لا يدل أبدا على صغر قيمته لدى المغاربة وغيرهم بل الأمر مرتبط بمدة العيد ففي عيد الأضحى أربعة أيام وفي عيد الفطر يوم واحد.
    تقبل الله منكم أستاذنا الكريم
    مودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق