الدعوةالرئيسية-دروس ومواعظ

التحذير من أكل أموال الناس بالباطل

عباد الله: كلكم يعلم أن شرعنا الحنيف حذر من خطورة الحصول على المال الحرام بأي طريقة؛ لأنه يؤدي لمنع الرزق، وعدم إجابة الدعاء وإغلاق باب السماء، فالمال فتنة و اختبار، ومن فساد الزمان وأهله أن يتعود الناس أكل المال الحرام من غير مبالاة أو تحرج كما جاء في الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن الحلال أم من الحرام؟)، وأكلُ المال الحرام ظـُلم ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول:(الظلم ظلمات يوم القيامة) والعياذ بالله، قال تعالى “ومن لـم يجعل الله له نورا فما له من نور”، والظالم يغضب الله ويسخطه لذلك حذر النبي صلى الله عليه و سلم من دعوة المظلوم فقال:(واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (متفق عليه).

ألا فاعلموا أيها المؤمنون أن من عقوبة أكل المال الحرام في الدنيا، عدم إجابة الدعاء، وعدم قبول العبادة، ثم الله تعالى يحاسب آكليه عليه يوم القيامة ويعاقبهم عقابا شديدا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجالاً يَتَخَوَّضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) (البخاري) وللأسف معاشر المؤمنين في بلدنا طائفة عريضة من الناس لا يبالون من أي المال أكلوا أو أطعموا أبناءهم، لا يبالون في أي أودية النار هلكوا، منهم من يأكل من كد الفقراء وتعبهم ومن حقوق العمال وسعيهم ،تجدهم ومنهم من يتطاول على المستخدمين عندهم وكأنهم ملكوهم عبيدا بلا حساب ولا عقاب يمنعونهم حقوقهم ويحملونهم فوق طاقتهم، ويماطلون في رواتبهم، حتى يضطر هؤلاء المظلومون بعد طرق الأبواب المغلقة إلى طرق باب السميع العليم الذي لا يغفل ولا ينام، فتلتهم هؤلاء الظالمين من أصحاب الأعمال والشركات وغيرهم صواعقُ الدعاء وهم لا يدرون.

فيا مَن تظلم العُمَّال وتستوفي العمل منهم وتَبْخَسهم حقَّهم، فتمنعهم الحقَّ كُلَّه أو بعضه، اعْلَم أنَّ خَصْمَك الله يوم القيامة، فخِبْتَ وخَسِرت، فبادر إلى التوبة، ورُدَّ المظالم إلى أهلها وتحلَّلْ منهم قبل أن تندم ولا ينفعك الندم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا قال الله تعالى: (ثلاثةٌ أنا خَصْمُهم يوم القيامة؛ رجل أعطى بي ثم غَدر، ورجل باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعْطِه أجره) (البخاري). ومن هؤلاء الظالمين الأكالين أموال الناس ظلما وبهتانا، و سحتا وزورا طائفة من الأطباء وأرباب المصحات الخصوصية انحرفوا عن طريق زملائهم المخلصين للمهنة القانعين بما يسوق الله لهم من رزق حلال ـ فصار الجشع و الطمع يدفعهم لاستغلال ظروف المرضى العصيبة وحالاتهم المرضية الخطيرة بل وحتى الغير خطيرة، يهولون عليهم الأمور ويضخمون مستحقاتهم من الأجور ويفرضون على المرضى فواتير عالية، وكشوفات وتحليلات غير  ضرورية، يبرمون مع بعض السماسرة صفقات وصفقات من صيادلة وبائعي المعدات والأدوات، فتجد المريض المسكين غنيا أو فقيرا منهوشا من طرفهم يأكلون ما عنده وما ليس عنده، وهم على تمام الوعي و العلم أن الأمر لا يستحق كل تلك التكاليف الباهظة، ألا فليعلموا أن الله لهم بالمرصاد وأن عاقبة الظلم وعقوبته معجلة لا مؤجلة وأن هلاك الظالم عن قريب لاحق من حيث لا يشعر وإن كدس الأموال وبنى الفيلات والقصور وتمتع بأجمل العطل في أبهى المنتزهات فلا يغتر بما أتيح له من متاع زائل ولذة أو شهوة  فانية، فيتمادى مع موت الضمير كأن الله عليه غير رقيب وعلى ظلمه ليس بحسيب.

عباد الله لقد هانت الأخلاق عند الكثيرين بعد هوان التقوى في حياتهم، وأعماهم بريقُ المال عن إدراك خطر الظلم وبخس الناس حقوقهم فتعاملوا مع من ألجأته الظروف وحاصرته محن الزمن كآلات قارضة  قاضمة بلا رحمة ولا شفقة ولا إحسان.

ألا يا عباد الله فاسمعوا: فهذه جملة من الصور التي يكون فيها المسلم قد أكـل أموال الناس بالباطل علم أو لم يعلم نقولها ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42] فمن وجوه أكل أموال الناس بالباطل: بالإضافة إلى أكلها بطريق التعدي والنهب، والسرقة وقطع الطريق والظلم والخداع والحيل وعقود الرباـ أن يأكل أموال الناس بطريق اللهو كالقمار والرهان كالمغالبة بعوض والميسر بأنواعه، والمراهنات المشتملة على المخاطرة والغرر والجهالة، وأن يأكلها من طريق الرشوة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) الذي يمشي بينهما(رواه أحمد).

ومن الحرام ما يأخذه الحاكم ونحوه من المحكوم. فإن ما يأخذه القضاة من الأموال على أربعة أقسام: رشوة وهدية، وأجرة، ورزق.  فالرشوة إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام على الآخذ والمعطي وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي. وأما الهدية؛ فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وإن كان لا يُهدي إليه إلا بعد الولاية، فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت (لأنها قد تكون تمهيدا لرشوة في المستقبل)، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الآخذ والمعطي، وأما الأجرة فحرام بالاتفاق لأن للحاكم راتب إنما أجري له لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه للأجرة.

ومن الحرام أن يأخذ الزكاة أو الصدقة الغنيُّ وكذلك القادرُ القوي على كسب يكفيه، ومن الحرام ما يأخذه عن طريق الغصب من مال الغير سواء أمسكه، أو أتلفه متعديا وهو يعلم، ومن الحرام ما جاء عوضًا لكتم حق وإخفائه أو لإظهار باطل وإعلانه.

ومن الحرام ما لا تطيب به نفس مالكه، وسيف الحياء كسيف الغصب، وأكل أموال اليتامى، وأموال الأوقاف والمال العام وجَحدُ الحقوق كالودائع والعارية ونحوها، وما لا تقوم به بينة من الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، وصور المال الحرام كثيرة نسأل الله السلامة و العافية.

ذ. سعيد منقار بنيس

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق