مقالات رأي

أطفالنا ورمضان..عادات وتمثلات..فرص وتحديات – الحبيب عكي

أسئلة عديدة تطرح في موضوع الأطفال ورمضان، سنقتصر هنا على بعضها الأساسي. ما علاقة الأطفال برمضان عادة وعبادة؟ ما هي تمثلانهم التي يحملونها حوله سلبا وإيجابا؟ ما هي الفرص التربوية والاجتماعية والصحية التي يتيحها لنا ولهم؟ وإلى أي حد يتم تحقيق بعض آثار تلك الفرص فينا وفيهم، باعتبار الصغار يقتدون بالكبار قبل كل شيء؟ ما هي العوائق والتحديات التي تحول بيننا وبين طموحاتنا في ذلك؟ كيف يمكننا رفع هذه العوائق و التحديات تصورية فكرية أو منهجية تربوية، كانت هذه التحديات في بيتنا وفي محيطنا، منا أو من غيرنا؟؟

لعل الإشكال الحقيقي في موضوع الأطفال ورمضان هو أن يظل هذا الأخير مرتبطا بالأساس في تمثلات الأطفال وسلوكات أسرهم بالعادات الاستهلاكية المفرطة أكثر من العبادات الربانية المثمرة، موائد متخمة، فوازير ومسلسلات ملهية، تهافت على الألبسة التقليدية والعطور والبخور والهدايا، حتى بالرهن والاستدانة المضيقة والمقيدة لصاحبها على مدار السنة، فتور وتوتر ونوم ولوم وتطبيع مع كل هذه العجائب والغرائب التي تنسب لرمضان وهو الذي جاء لنبذها، تطبيع مع عادات فاسدة وسائدة أنشد فيها الأطفال في إنشادهم الشعبي فقالوا:”تيريرة..تيريرة..هذا عام الحريرة”.

إشكال آخر، ينتج عن ما يحدث من عدم تعود بعض الأطفال واليافعين منذ الصغر على أجواء العبادات الرمضانية وما يفوتهم جراء ذلك من فيوضاتها الإيمانية وآثارها التربوية، لصالح ما تعودوا عليه من اللهو في الأزقة والساحات والملاعب، حتى أن فئات منهم تأتي المسجد في المغرب عند قطع الصيام، وتضيق من ارتياده والمكوث فيه مع العشاء خلال القيام، وتفضل اللعب والصياح والمطاردة حوله بالسباب والشجار على صلاة التراويح، كما تفضل فئات أخرى السهر في البيوت على “السيتكومات” والمسلسات والأمسيات والمسرحيات بدل الخروج إلى المساجد لحضور بعض حلق الوعظ والتفقه في الدين قبل صلاة القيام وقراءة القرآن، وهكذا ينشأ هذا الرهط وقد تجاوز بعضهن البلوغ ولا يصمن خشية على نضارتهن وجمالهن من الذبول، أو تصوم وهي حائضة تجهل أحكام الصيام، وينشؤون وبعضهم يجهل بسن وجوب الصوم فلا يصوم لا في صبا سن الابتدائي المبكر ولا في شيخوخة سن الثانوي المتأخر، وبعضهم يجهل مقاصد الصوم فلا يتورع عن التدخين أو عن الغش في الامتحانات في رمضان، وينشؤون..وينشؤون..وينشؤون وبعضهم يتجرأ على الإفطار من أجل خوض مباراة رياضية أو مجاراة طلابية أيديولوجية في الجامعة، أو التنادي ل”كرنفال” الإفطار العلني والجماعي في الصفحات والمنتديات والساحات والشواطئ والمنتجعات.

ويبقى رمضان لو يعلم اليافعين والشباب، فرصة حقيقية لا بديل عنها في غيرها إلا كفرصة “َبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ”الرعد/14.

1- فرصة تربوية:

لتجديد الصلة بين العبد وربه، لتعلم الإخلاص في القول والعمل ومراقبته سبحانه وتعالى في الكبيرة والصغيرة، للتدرب على المقصد الأكبر من الصوم وهو التقوى والإحسان، لسلوك طلب الرحمة والمغفرة والعتق من النار، للعناية بكتاب الله والنهل من مناهله حتى يهذب من خلق صاحبه في الدنيا ويشفع له في الآخرة، لتحصين الذات من مداخل الشيطان وجبرها على العيش في بحبوحة الطاعات، وفي الحديث:”الصوم جنة” يعني وقاية من المعاصي، وفي حديث أبي هريرة:”إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ “،مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

2- فرصة اجتماعية:

بالشعور بالانتماء للأمة الواحدة، ومن ثمة مسؤولية الاهتمام بأمرها، الشعور بالوحدة بين المسلمين يقومون بنفس الطاعات في نفس الشهر، ومن ثمة أهمية العدل بين الناس الفقراء منهم والأغنياء، بتفقد المساكين والمحتاجين،عبر حقهم من الإفطارات والمنح والصدقات، الحملات الاجتماعية للقفة والكسوة والزكاة، وذلك من معاني التضامن الإسلامي الذي يضرب أروع الأمثلة خلال الكوارث والأزمات وقد أشاد به ودعا إلى التمسك به كبار السياسة الدولية لما رأوه من نجاعته خلال جائحة “كورونا” ومآسي الهاجرين واللاجئين، نظام تكافلي تسعى إلى ضمانه كل الحقوق والأنظمة المنصفة، وقد سبق إلى ذلك رسول الله (ص) كما في الحديث:” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ “رواه البخاري عن عبد الله ابن عباس.

3- فرصة صحية:

حتى يتعلم فيها أبناؤنا أهمية الصحة الجسدية والنفسية والفكرية والسلوكية، ويهتمون بالحصول والحفاظ عليها، ويستثمروها في الطاعات والعبادات ويبتعدوا بها عن المعاصي والمهلكات، صونا لهم من شتى أنواع الانحرافات والمخدرات والمهلكات.

الصوم كما بينت وتبين الدراسات العلمية وقاية وعلاج من الأمراض النفسية والعضوية للعصر، وهو مدرسة علاجية معتمدة في القديم والحديث عند المنصفين من الأطباء والخبراء والنفسانيين عبر العالم، وصدق رسول الله (ص) إذ يقول:”صوموا تصحوا”،وصدق الله تعالى إذ قال:”وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” البقرة/184.

هذه صور ومفاهيم لابد أن تكون واضحة عند أطفالنا ويافعينا، متشبعين بها، مقتنعين بها، متشبثين بها حتى تعالج اضطراباتهم المفاهيمية والسلوكية مع الصيام،وبعض تعاملهم السطحي والطقوسي معه، ويجعلهم يقبلون على مدرسته رغبة وعبادة لا رهبة وعادة، ولكن دوننا ودون ذلك تحديات وتحديات أجمل بعضها كالتالي:

1- تحدي فهم شخصية الطفل وكسب قلبه:

فالطفل ناشئ غير مكلف، ولكنه في إطار الإعداد لطور التكليف الذي سيتوجب عليه عند سن البلوغ(حوالي 12 إلى 15 سنة حسب البيئة والظروف)، والإعداد يكون بالترغيب بدل الترهيب، وبالفسحة بدل المحاسبة، وبالتشجيع بدل التحبيط، أو كما يقول المربون :”الطفل يتعلم عبر المتعة لا عبر الألم “.

ولاشك أن تراثنا الوطني يزخر بشتى طرق وأشكال تشجيع الصبيان على الصيام والاحتفاء بهم عبر عادات وطقوس مجملها رائع، لذا لابد من كسب قلب الطفل وحبه وتوطيد جسر التواصل والتفاهم بيننا وبينه، حتى نتمكن من إفهامه المطلوب منه من الشعائر كيف ولماذا، ونفهمه فلسفتها وأحكامها وفضائلها ومبطلاتها، ثم نساعده على التدرج في إتيان ذلك ومواكبته بالتشجيع، مع إعطاءه القدوة الحسنة فينا كآباء ومربون.

2- تحدي من يتحمل مسؤولية تعليم الطفل دينه:

وهنا يأتي الآباء ويبقون في الدرجة الأولى قبل غيرهم كائنا من كان، ولا يجوز لهم ترك هذا الأمر الأساسي والمصيري والشرعي لغيرهم من المدارس والجمعيات والأقران والإعلام..، حتى وإن تفوقوا عليهم في أمر التربية وفهم الطفل، فمواكبتهم في ذلك، واختيار ما يصلحهم من المؤسسات والمربين، ومناقشتهم فيما يأخذون أو يدعون مما يلقن لهم، وما..وما..مسؤولية الآباء التي لا ينبغي أن يقدموا فيها استقالتهم تحت أي طائل أو انشغال كان، ففي الحديث: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”رواه البخاري، وفي الحديث:”إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته”أخرجه النسائي، وبالمقابل يكفي كل هذه المسؤولية وجسامتها بشرى حديث أبي هريرة للآباء:” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم، وفي تربية الأبناء تربية حسنة قد تجتمع كل هذه الفضائل الثلاثة وغيرها.

3- تحدي الحديث عن رمضان وثقافته:

هذه الثقافة الرمضانية التي كثيرا ما يشوهها القصف الإعلامي، والكثير من تداعيات وعادات وتقاليد العصر، ك”الترمضينة” في وعلى رمضان، أو الغش والتحايل على الناس في الأعمال، أو طقوس تدبير الصداقات وتجزية الأوقات، في الصفحات وشبكات التواصل الاجتماعي، في بعض الخرجات الليلية والسهرات والأمسيات. فهل نملك ما نتحدث به عن رمضان غير هذا، كرمضان السير والبطولات، ورمضان الأبطال والفتوحات، رمضان الصلوات والصدقات، رمضان علم و فقه الأركان، رمضان التوبة والغفران والتقوى والرضوان، وغيرها من أوجه الحسنات وفضائل الخيرات، رمضان ليلة القدر خير من ألف شهر، رمضان الزكاة والعيد؟ بل هل لدينا ما نبرمج به لإحياء وعيش هذه الأجواء الرمضانية الحقيقية، المفعومة بالحملات الاجتماعية، وموائد الرحمان للإفطار الجماعي وإشاعة قيم المحبة والألفة والتضامن، وثقافة الأمسيات والمسابقات القرآنية والدورات التدريبية، وصلة الأرحام عبر الفسحات والزيارات.

4- تحدي وضع البرنامج المقبول:

ونقصد به البرنامج الرمضاني المناسب للأطفال، والذي ينبغي أن يراعي جملة من دواعي النجاح وعلى رأسها، القدرة والاستطاعة،البيئة والاشتغال، المقاربة التشاركية، الوسطية والاعتدال،التوازن والتكامل،الفرائض قبل السنن، العبادات قبل العادات، وكيفما كان الحال فالأساسي فيه بعد النسك الكلي أو الجزئي للأطفال، ربما يكون هو الحفاظ على الصلوات والعناية بكتاب الله، أذكار الصباح والمساء،التدريب على الجود والصدقة، القراءة وتنمية المواهب والهوايات، إلى غير ذلك مما لا يحس معه الطفل بالاضطراب أو الحرمان والإرهاق، أو يفقد حماسته للتنفيذ والاستمرار، لهذا يكون مفيدا جدا في هذا الصدد الاجتهاد في توفير كل ما يخلق أجواء العبادة والمتعة والفرح والسعادة عند الطفل الصائم حتى لا يرتبط الصوم عنده إلا بها وبها فقط، بعد التقرب إلى الله والأجر والثواب على ذلك.. العبادة  والفرح كما في تراثنا للاحتفاء بالأطفال الذين يخوضون تجربة الصيام الجزئي أو الكلي لأول مرة خاصة في ليلة القدر..أجواء تبدأ بالصلاة والدعاء وطلب العون من الله قبل السحور..المواكبة والتشجيع والإلهاء خلال النهار..تثمين رغبة الطفل في دخوله عالم القدرة والمسؤولية للكبار..تنافسه وتجزية وقته مع ثلة من الأقران، تخصيصه بمائدة إفطار حلوة ثرية وشهية..زغاريد وأدعية الإفطار وفي أماكن عالية كسطح المنزل مثلا.. مرافقته بعد الإفطار الشهي والممتع في حماسة إلى المسجد..تخصيصه بلباس تقليدي وهدايا..حفل حناء..صور تذكارية.

5- تحدي الأثر الإيجابي واستمرار يته في خضم الحياة:

لأن لكل عبادة مقصدها الأسمى والذي ينبغي أن يتحقق به المتعاطي لها،كما جاء في كتاب الله:”إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” العنكبوت /45 ؟، وفي الحديث الصحيح:” من لم يدع قول الزور والعمل به،فليس لله حاجة في إن يدع طعامه وشرابه”.

لذا فحاجتنا في خضم الحياة من العبادات كلها ومن الصوم كذلك، استدامة الطاعة وحلاوتها فلا تغرينا المعاصي وإن أقبل عليها المقبلون، استشعار الممانعة وعزتها عند الإغراءات والاختلالات اليومية، الكرم والجود التكافلي والإنفاق التضامني بلا حساب كلما دعت الضرورة، تشجيع الصغار على كل ما يجب عليهم من رشد الأقوال وسداد الأفعال مثل الصالحين من الكبار، الحرص على توفير واستدامة صحبة وبيئة تربوية علمية اجتماعية صحية سليمة ومتضامنة..، ومن أجل ذلك سنت لنا أنماط أخرى من الصيام على مدار السنة، حتى نتزود منها بما يلزم عندما يلزم لاستدامة الأثر التربوي والاجتماعي والصحي الذي يلزم، كصيام النوافل والتطوع، وصيام النذر والدين، الست من شوال، الاثنين والخميس، الصيام من شعبان وذي الحجة وعاشوراء والأيام  البيض..، وصدق من قال:”لو تعلمون ما في رمضان لتمنيتم أن يكون كل الدهر رمضان”.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق