الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي الْقُرْآنِ الكَرِيمِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

اختار كاتب خطبة الجمعة ليوم: 15 ربيع الأول 1448هـ  الموافق لـ: 28/8/2026م الاستمرار في الحديث عن  مقام رسول الله ﷺ  مراعاة لمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، فكان عنوانها : ” تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي الْقُرْآنِ الكَرِيمِ”.

 ولا شك أن مدارسة حياته وسيرته العطرة واستخلاص الدروس والعبر منها واجب شرعي وضرورة حضارية، فهذا  ابن حزم الأندلسي( ت.456ه) يقرر أن سيرة النبي ﷺ وأخلاقه وشمائله وأحداث حياته تمثل في ذاتها معجزة كبرى وأعظم دليل على صدق نبوته، تفوق في دلالتها وقوتها المعجزات المادية الأخرى. ومما قاله في هذا الصدد:” إن سيرة محمد ﷺ لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورةً، وتشهد له بأنه رسول الله ﷺ حقاً، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفى.”[1]  

ملاحظات على الخطبة:

1- طريقة تناول موضوع الخطبة أشبه بدرس علمي منها إلى خطبة مؤثرة تخاطب القلب وتحرك الوجدان، أضف إلى ذاك توظيفها ل 17 آية من كتاب الله، من غير بيان لسياقها  ولا توضيح للمراد منها، وخصوصا الآية التي استهلت بها الخطبة. ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌۖ﴾.  التوبة 129.

 وموضوع أنواع  تزكية الله لشأن نبيه ﷺ الذي سردته الخطبة سردا أصبح مبتذلا ومتداولا  على كل لسان، وتعج به مواقع التواصل الاجتماعي.

2- الخطبة تنقصها  الأمثلة التطبيقية والنماذج العملية التي تبين المقاصد وترسخ المعاني في النفوس. قال الماوردي: “وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب اللَّه الأمثال في كتابه العزيز، وجعلها من دلائل رسله، وأوضح بها الحجة على خلقه، لأنها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة.” [2]

3- ماذا بعد تعظيم الله لنبيه الكريم؟ وما الرسالة التي يريد أن يبعث بها للناس عموما ولاتباعه خصوصا ؟ هذا الذي لم تشر إليه الخطبة، إن تعظيم الله لمقام النبي ﷺ دليل على عظمة حرمته، وعلى شدة عقوبة من ينتهكها. ولقد أحسن القاضي عياض(ت.594  ) في كتابه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” حين جعله أربعة أقسام  بدأ فيه ببيان قدره  ومقدراه العظيم عند الله، وبيان حقوقه على الأمة ثم ختم بالوعيد الشديد والعقوبة الرادعة  لمن سبه أو استهزأ به أو بسنته، فجاء الكتاب كما يلي:

أولا- في تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا . وبيان مكانته عند الله في القرآن الكريم وخصائصه وفضائله على سائر الأنبياء، ودلائل نبوته ومعجزاته الكبرى، و شرف نسبه وطيب مولده.

ثانيا- في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة؛ من وجوب محبته فوق محبة النفس والأهل، ووجوب طاعته واتباع سُنته، وآداب الصلاة والسلام عليه، والدفاع عنه وتعظيمه ونصرته بالقول والعمل.

ثالثا-فيما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم، وما يجوز عليه شرعاً، وما يمتنع ويصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه .

رابعا- في بيان ما هو في حقه سب ونقص، من تعريض، أو نص، وحكم شانِئِه ومُؤْذيه ومُتَنَقِّصِه وعقوبته، وحكم من سب الله تعالى ورسله وملائكته وكتبه، وآل النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه .

5- كيف نحمي جنابه الشريف من طعن الطاعنين  واستهزاء المستهزئين ؟

تظهر بين الفينة والأخرى حملات بائسة للإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، سواء كانت هذه الحملات خارجية مثل الرسوم الكاريكاتيرية أو الأفلام المسيئة أو داخلية عبر تدوينات ومنشورات وتسجيلات  على منصات التواصل الاجتماعي. تارة تصف الرسول بأنه إرهابي وتارة بأنه صهيوني أو تسخر من سيرته وسنته، ولا تجد من يدافع عن رسول الله ﷺ الذي جاءت الخطبة الموحدة لتذكرنا بعلو مقامه عند الله بينما يسكت علماء الأمة في المجلس العلمي الأعلى وغيره عن الدفاع عنه وعن نصرته. كما أن  الصرامة القانونية والقضائية تتأخر في مثل هذه القضايا مقارنة بسرعة المتابعة والبت في قضايا سب وقذف الشخصيات المهمة في بلدنا والتي لا يبلغُ عشر معشار مقام رسول الله ﷺ.

6- ذكرت الخطبة أن الله تعالى لن يعاقب أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عقاب استئصال، كما نزل بالأقوام السابقة، وذلك بفضل الله ورحمته المهداة. فالرسول صلى الله عليه وسلم أمان لأمته، ورحمة ظاهرة لهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال الحق سبحانه:﴿وَمَا كَانَ اَ۬للَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْۖ وَمَا كَانَ اَ۬للَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَۖ﴾

لكن هناك أيضا سنّة الاستبدال، وهي سنّة إلهية ماضية وقانون تاريخي واجتماعي يقضي بأن الله تعالى إذا تخلّت أمة عن حمل أمانة دينه، أو تقاعست عن نصرته، أو أعرضت عن أمره وانهارت قيمها، استبدل بها قوماً آخرين أشد إيماناً وأكثر طاعة واستقامة.

ويذكر الطبري في تعليقه على آية (سورة محمد) ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾  بقوله: ” وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم فترتدوا راجعين عنه ( يستبدل قوما غيركم ) يقول : يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلا منكم يصدقون به، ويعملون بشرائعه ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) يقول : ثم لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله، ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يؤمرون به.”[3]

7- التركيز المجتزأ أو المفرط على جانب الرحمة في الخطاب الدعوي مع إهمال جوانب العدل والمسؤولية والوعيد يؤدي إلى خلل كبير في الفهم السليم والسلوك القويم، هذا الإفراط يحوّل الرحمة من قيمة إسلامية إلى أداة تفرغ الدين من تكاليفه وتشريعاته.

  فعندما يسمع المتلقي خطاباً دعوياً يتحدث فقط عن اللين والمحبة، بينما يواجه في الواقع صراعات ومظالم ومفاسد تتطلب حزماً وإنكارا وعدالة، يبدو الخطاب منفصلاً عن الواقع وعاجزاً عن تقديم حلول حقيقية لما يعانيه الناس. والشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، وحفظها لا يتم بالرحمة وحدها، بل بالعدل والقوة والزجر أيضاً.

والخطاب الدعوي الرشيد -الذي تعتبر خطبة الجمعة إحدى وسائله- هو الذي يجمع بين صفات الله عز وجل، فهو “غَفُورٌ رَحِيمٌ” وهو أيضاً “شَدِيدُ الْعِقَابِ”. تكون الرحمة حافزاً للرجوع والأمل، ويكون الوعيد حاجزاً عن البغي والظلم. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: “الفقيهُ حَقُّ الفقيهِ: مَن لم يُقنِّطِ النَّاسَ مِن رَحمةِ اللهِ، ولم يُرَخِّصْ لهم في مَعاصي اللهِ، ولم يُؤَمِّنْهم مِن عَذابِ اللهِ.”[4]

 صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث بالرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَۖ﴾ وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة”.[5] وفي حديث آخر: “إنما بعثت رحمة”[6] لكنه مبعوث أيضاً بالجهاد والقتال لأعدائه، وهو رحمة للعالمين مطلقاً، من وافقه ومن خالفه، أما من وافقه فواضح، وأما من خالفه ؛ فإنه بلّغهم رسالة ربهم وأقام عليهم الحجة، ولم يعاجلهم بالعقوبة .

8- مع أنه صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للناس لم يمنعه ذلك من الغضب لحرمات الله إذا انتهكت، وقياما بفريضة النهي عن المنكر والسعي إلى تغييره تحقيقا لمقاصد عديدة، ومن خلال المواقف التي غضب فيها عليه الصلاة والسلام تتضح تلك المقاصد بصورة أكمل:

أولا: الغضب لحماية الدين وحفظ مصادر التلقي لدى المسلمين:

دليل ذلك ما روى جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال: يا رسول الله، إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب، قال: فغضب وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فيها يا ابن الخطاب، فوالذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»[7]. وقوله: “أمتهوكون” أي: متحيرون في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من غير كتابكم ونبيكم.

ثانيا: المساس بالتوحيد: فقد غضب عندما قال له رجل «ما شاء الله وشئت»، فقال منكرًا: «أجعلتني لله ندًا؟! بل ما شاء الله وحده»[8]

ثالثا: الشفاعة في حدود الله: غضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب عندما كلمهُ أسامة بن زيد في أمر المرأة المخزومية التي سرقت ليُسقط عنها الحد، فتلوَّن وجهه وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟»[9]

رابعا: دعوى الجاهلية: غضب عندما تداعى بعض الصحابة بالعصبية القبلية وقالوا: «يا للأنصار! ويا للمهاجرين!»، فقال مغضباً: «ما بال دعوى الجاهلية؟! دعوها فإنها منتنة».[10]

والحمد لله رب العالمين

 

[1] – الفصل في الملل والنحل. 2/90

[2] – أدب الدنيا والدين، (275).

[3] – تفسير الطبري، 22/192.

[4] – رواه الدارمي (297)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/77)

[5] – صحيح الجامع الصغير، (2345)

[6] – صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا.

[7] – مصنف ابن أبي شيبة، باب مَنْ كَرِهَ النَّظَرَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

[8] – عمل اليوم والليلة للإمام النسائي، (988)

[9] – صحيح مسلم، كتاب الحدود، بَابُ قَطْعِ السَّارِقِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ.

[10] – صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ نَصْرِ الْأَخِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى