دراسة ترصد تأثير الوسائط الرقمية على الهوية في الأحياء المهمشة بالمغرب

كشفت دراسة حديثة منشورة في العدد الأخير من “مجلة العلوم الاجتماعية” الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي، أن الفضاءات الرقمية تحولت إلى منصات بديلة ومؤثرة في تشكيل الهويات الفردية والجماعية للفئات المهمشة في الوسط الحضري بالمغرب.
وأبرزت الدراسة- التي أعدها الباحث في علم الاجتماع محمد شاكي،- أن “العالم الافتراضي” أصبح امتدادا للفضاء الحضري، يتيح للسكان إعادة بناء تمثلاتهم عن المدينة وتأكيد مطالبهم في الاندماج الاجتماعي.
وأوضحت الدراسة المعنونة بـ “تشكل الهوية بين الفضاء الاجتماعي والفضاء الرقمي”، أن تشكل الهوية الحضرية لدى قاطني الأحياء الهامشية يرتبط وثيقا بـ “الفعل الاحتجاجي”.
واعتبرت الوثيقة أن هذا الاحتجاج ليس مجرد رد فعل آني، بل هو تعبير عن وعي جماعي يرفض آليات الإقصاء المجالي، ويسعى عبر “الوسيط الرقمي” إلى إنتاج خطاب احتجاجي جديد يجسد مطلب الكرامة ويطالب بالحق في السكن اللائق.
وقدمت الدراسة حي “دوار الوردة” بمقاطعة سيدي البرنوصي بالدار البيضاء كمثال دال على هذا التحول السوسيولوجي، حيث نجح السكان في استثمار شبكاتهم الرقمية لتطوير موارد سياسية وأخلاقية أثرت في توجهات السياسات العمومية للسكن.
واستند الخطاب الرقمي للسكان إلى “أقدمية الحي” وموقعه الاستراتيجي كعناصر لبناء شرعية حضرية تتجاوز نظرة الإقصاء. وساهمت البنية التحتية والهوية المهنية داخل الحي في ترسيخ إحساس جماعي بالتميز عن باقي الأحياء الصفيحية.
وأردفت الدراسة أن الفضاء الهامشي أصبح مجالا لإعادة تعريف “الذات الجماعية”، حيث يتم تحويل الهشاشة إلى عنصر تعبئة وشرعية. ولفتت إلى أن بعض السكان رفضوا الانخراط في برامج إعادة الإيواء الرسمية، معتبرين أن الانتقال لمشاريع سكنية جديدة قد يهدد “رأسمالهم الرمزي” وتوازنهم الاجتماعي المتجذر في الحي، مما أنتج استراتيجيات احتجاجية (رقمية وميدانية) تقاوم الفعل المؤسساتي.
وتطرقت الدراسة إلى الخلفيات التاريخية للسياسات الحضرية بالمغرب، مشيرة إلى أن أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية شكلت منعطفا حاسما. فقد ساهمت تلك الأحداث في تكريس صورة نمطية عن الأحياء الصفيحية كـ “بؤر للتطرف”، مما دفع الدولة إلى تبني برنامج “مدن بدون صفيح” كسياسة استباقية للقضاء على السكن غير اللائق ودمج هذه الفئات في النسيج الحضري المنظم.
وخلصت الدراسة إلى أن الوسائط الرقمية تعمل اليوم كأداة حاسمة في إعادة توزيع “رمزية الانتماء” داخل المدينة المغربية، مما يسمح للمهمشين بتأكيد حضورهم الحضري بطريقة رمزية تعوض غيابهم المادي في مراكز القرار.




