الرئيسية-مقالات رأي

دة. هيرات تكتب: واقعة باب دكالة..الهوية الدستورية المغربية بين متطلبات التعايش وضرورات حفظ النظام العام

على إثر تداول عدد من وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لمقطع فيديو؛ يظهر مجموعة من اليهود يقومون بطقوس تعبدية تلمودية بمحيط سور المدينة العتيقة بمراكش بالقرب من مدخل باب دكالة الشهير. الواقعة التي أثارت استغراب الساكنة المراكشية، بل استفزتها وباقي المواطنين المغاربة بعد تداول شريط فيديو على نطاق واسع، يوثق مشهد أداء هذه الطقوس في فضاء عمومي وأمام المارة.

كان لا بد من استحضار مجموعة من الأبعاد لهذه الواقعة، تستحق التأمل واتخاذ الإجراءات اللازمة بما يحمي سيادة ونظام المملكة المغربية العام، بدءا بالحمولة الرمزية العميقة للموقع الذي اختارته هذه المجموعة، حيث يعتبر باب دكالة من الأبواب الرئيسية للمدينة العتيقة بمراكش، وهو بذلك ليس مجرد معلمة أثرية، بل مجمع عمراني متكامل يجمع بين الهندسة الإسلامية التقليدية والحياة اليومية لفئة نشيطة من الساكنة المغربية.

 كما يقع المسجد بجوار مسجد “الحرة” الذي بني بأمر من “مسعودة الوزكيتية” زوجة محمد الشيخ المهدي زعيم الدولة السعدية.  ولما لهذا المسجد من دلالة رمزية كذلك؛ فإن اختيار هذا الموقع تحديداً لإقامة شعائر دينية غير إسلامية يكتسي دلالة استفزازية واضحة وخطيرة.

وهنا يطرح سؤال حول ضوابط وحدود الانفتاح وتعايش المملكة المغربية بما يحفظ لها سيادتها وتفردها، طبعا الكل يعلم أن الدستور المغربي وضع ثوابت دستورية راسخة؛ يأتي في مقدمتها الإسلام دينا للدولة، وإمارة المؤمنين ضامنة للحرية الدينية في إطار الاحترام المتبادل، وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، حسب الفصل الثالث من الدستور لغير المسلمين، لكنه أطرها وحددها أن تكون في أماكنها المخصصة لذلك، كما أن هذه الحرية ليست مطلقة ولا ينبغي أن تمس بالفضاء العمومي أو الحمولة الرمزية للمواقع التي تشكل جزءا مهما من هوية المملكة المغربية لاسيما ذات الطابع التاريخي والإسلامي.

كما أن الدستور المغربي، وإن كان يعتبر اليهودية كجزء من موروثه الحضاري، إلا أن السيادة الوطنية تقتضي التمييز الواضح بين الحق في السياحة الدينية وممارسة الشعائر الدينية، وهي مسموح بها بل ومؤطرة قانونا، في المواسم والمقامات اليهودية. كما أن إقامتها في الفضاءات العمومية مقيد بضوابط النظام العام واحترام الثوابت الوطنية، وهو ما يرتبط بالممارسات موضوع المقال، ويستوجب قانونا تدخل السلطات لتقديم توضيح رسمي لهذا الخرق الدستوري والقانوني. لاسيما وأن للنظام العام مفهوم قانوني محدد؛ يشمل الأمن المادي، والآداب العامة.

ويتجلى النظام العام دستوريا (الفصل الأول والفصل 46) في ثلاث أبعاد متكاملة؛ بعد مادي يتعلق بحفظ الأمن والنظام في الفضاء العام، وبعد أخلاقي يستمد مشروعيته من القيم الدينية والحضارية التي يكرسها الدستور المغربي بوصفه ثوابت الأمة، وبعد حقوقي يهدف إلى صون الكرامة الإنسانية وضمان التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع.

 وإذا ما قمنا بربطها بواقعة باب دكالة، فكلها قد مست من خلال إقامة احتفال ديني -غير إسلامي- مساء، وبالرغم من أن الحدث كان بعيدا عن أي عنف أو اضطراب مباشر، إلا أنه كان انتهاكا رمزيا لحرمة المكان ومستفزا للمشاعر الدينية للساكنة المحلية، التي آلت توثيق الحدث دون ردة فعل منها، وكان من الممكن أن تكون بؤرة أو شرارة عنف وفتنة -لاسيما مع الأحداث الدولية والإقليمية المرتبطة بقضية المغاربة القضية الفلسطينية-، مما جسد الأخلاق السامية للمغاربة في ضبط النفس.

وهذا يستوجب فتح نقاش حقيقية حول وضوح المسؤولية القانونية، ومعالجة فراغ لا بد من حسم الجدل فيه في ظل غياب منظومة قانونية واضحة تحدد شروط ممارسة الشعائر الدينية في الفضاء العمومي من طرف الزوار الأجانب بضمانات سيادية واضحة؛ ترحب بالتنوع وتصون التعايش، لكنها في نفس الوقت تحمي هوية واضحة ومحددة للمملكة المغربية، دستورياً وتاريخياً ووجدانياً.

الدكتورة فاطمة الزهراء هيرات

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى