أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-مدارات فكرية

د أوس رمّال يكتب: هل التراث عائق أم رصيد؟ قراءة في جدل متجدد (3)

في التمييز بين الفهم التاريخي والاختزال الإيديولوجي

لا يكاد يخلو نقاش فكري معاصر من استحضار سؤال التراث: هل هو عائق يثقل الحاضر، أم رصيد يمكن أن يسهم في البناء؟ وهو سؤال يتجدد كلما احتدمت النقاشات حول الهوية والإصلاح؛ خاصة في سياقات التحوّل السريع وضغط النماذج الوافدة. غير أن الإشكال في الغالب لا يكمن في السؤال ذاته، بل في الكيفية التي يُطرح بها، والمنهج الذي يُعتمد في مقاربته؛ إذ يتحول أحيانًا إلى سؤال مشحون بأحكام مسبقة، بدل أن يكون مدخلاً للفهم الرصين.

فالتراث ليس كيانًا واحدًا متجانسًا، بل هو حصيلة قرون من الاجتهاد البشري في فهم النص وتنزيله على الواقع؛ فيه ما هو ثابت مستنِد إلى نصوص قطعية، وفيه ما هو اجتهادي ارتبط بسياقات تاريخية وثقافية معينة. ومن هنا؛ فإن التعامل معه لا يستقيم إلا بميزان دقيق يفرّق بين هذه المستويات، ويستحضر طبيعة التراكم المعرفي الذي يميّزه. إن الخلط بين “الدين” بوصفه وحيًا معصومًا، و“التراث” بوصفه فهمًا بشريًا نسبيًا، هو أصل كثير من الاضطراب في هذا الباب.

وفي سياقنا المغربي، يمكن أن نلحظ كيف أُحسن توظيف التراث في عدد من القضايا المعاصرة. ففي النقاشات المرتبطة بالأسرة على سبيل المثال؛ تم الرجوع إلى مقاصد الشريعة واجتهادات العلماء لإنتاج صيغ أكثر انسجامًا مع واقع الناس؛ دون القطيعة مع الأصول. كما برز هذا التوجه في تطوير صيغ المالية التشاركية؛ حيث تم استثمار الرصيد الفقهي لإبداع حلول عملية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الحديث دون التفريط في الضوابط الشرعية. بل يمكن أن نضيف إلى ذلك مجالات أخرى، كالتأصيل لمفهوم “المصلحة” في السياسات العمومية، أو استلهام فقه “جلب المصالح ودرء المفاسد” في تدبير الأزمات. وفي مثل هذه الحالات، يتحول التراث إلى رصيد حيّ يوجّه الإصلاح بدل أن يُعيقَه.

في المقابل، تميل بعض الأطروحات إلى اختزال هذا التراث الواسع في صور جزئية، أو تقديمه في صورة أحادية تُغفِل ما فيه من تنوع وثراء. فيُختزل الفقه في بعض الأقوال المتشددة أو الشّاذّة أحيانا، ويُقرأ التاريخ قراءة انتقائية، ويُحمَّل التراث ما لا يحتمل من اختلالات الحاضر. ومن أمثلة ذلك إسقاط بعض الممارسات التاريخية المرتبطة بظروف سياسية معينة على أنها “حكم شرعي دائم”، أو تصوير اجتهادات مخصوصة على أنها تمثل كل التراث. وهنا يتحول التراث من مادة للفهم إلى موضوع للاتهام.

كما يظهر أحيانًا نزوع إلى التعامل مع التراث بمنطق ردّ الفعل: يتجلّى إما في صورة رفض كلّي تحت تأثير خطاب حداثي متسرع يرى في القطيعة شرطًا للتقدم، أو في صورة دفاع غير نقدي بدافع الخوف من التغيير، فيفضي إلى التجميد. وفي الحالتين؛ يغيب المنهج العلمي الذي يقتضي الفهم قبل الحكم، والتمييز قبل التعميم، والنظر في المآلات قبل اتخاذ المواقف.

وقد نبّه علماء المقاصد، وفي مقدمتهم أبو إسحاق الشاطبي؛ إلى أن تنزيل الأحكام على الواقع يقتضي مراعاة السياقات والمآلات، وأن الجمود على ظاهر النصوص دون فهم مقاصدها قد يؤدي إلى تعطيلها بدل تفعيلها¹. كما قرر أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وأن إدراك هذه المصالح جزء لا يتجزأ من فهمها الصحيح².

إن السؤال الحقيقي إذن ليس: هل التراث عائق أم رصيد؟ بل: كيف نفهمه؟ وكيف نحسن توظيفه؟ فحين يُقرأ قراءة واعية، ويُفكَّك إلى مستوياته، ويتفاعل مع الواقع، يتحول إلى قوة دافعة تُغني الحاضر وتؤطر المستقبل. أما حين يُساء فهمه أو يُحمَّل ما لا يحتمل، فقد يصبح عنصر توتّر في النقاش، بل سببًا في تعطيل إمكانات الإصلاح.

وفي الأخير، فإن الوفاء للتراث لا يعني تجميده، كما أن الدعوة إلى التجديد لا تعني القطيعة معه، بل المطلوب بناء علاقة راشدة تقوم على الفهم والتمييز والاستثمار الواعي. وبذلك فقط يتحول التراث من عبء متوهَّم إلى طاقة فاعلة في مشروع الإصلاح، ومن موضوع جدل إلى أفق بناء.

¹ الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج4، باب الاجتهاد.

² الشاطبي، الموافقات، ج2، كتاب المقاصد.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى